دقت ساعة التغيير بالنسبة للقلب التجاري النابض للعاصمة الاقتصادية للمملكة وأكبر مركز تجاري لتجارة الجملة بالمغرب "درب عمر".
فهذا المركز، وعلاوة على استجابته لحاجيات الدارالبيضاء، يوفر كافة الخدمات التجارية لباقي مدن المملكة من منسوجات وألبسة وأثاث وأجهزة منزلية ومنتجات غذائية وديكورات وأواني ومنتجات بلاستيكية.
ونظرا لموقعه في قلب مدينة الدارالبيضاء, ودوره المركزي في تنشيط الحركة التجارية على المستوى الوطني، تحول "درب عمر" إلى محج تتوافد عليه أعداد كبيرة من التجار ومهنيي الأدوات المنزلية والأسر (لأطفال والآباء )، بل إنه أصبح يشكل جزاء من الذاكرة الجماعية لسكان الدارالبيضاء وزوارها.
رأى المركز النور منذ 140 سنة, ليمتد إشعاعه التجاري نحو درب بنجدية, الحي المتاخم له, ويتحول إلى منطقة تجارية من الحجم الكبير تسخر في اشتغالها وسائل تقليدية، وإن كانت تعرف نشاطا تجاريا مزدهرا، يعد الأكبر من حيث امتداده وإشعاعه على الصعيد الوطني.
غير أنه مع توالي السنين ظهر تأثير الزمن على بعض المباني التي تقع بها الدكاكين والمحلات التجارية مما بات يفرض إعادة تأهيلها.
كما يشهد هذا المركز، منذ عقود، نشاطا متناميا لتجارة التقسيط بشكل مواز لتجارة الجملة, ما يفرض تأهيل المحلات التجارية وإعادة تنظيم الأنشطة التجارية حسب الفروع، وأيضا بلورة حلول ملائمة لمعضلة تجارة الأرصفة التي تمتد عبر أزقة المركز وتربك حركة السير بالمنطقة وتشكل إزعاجا للزبائن.
شكلت هذه القضايا وغيرها، محورا للنقاش خلال لقاء تحسيسي احتضنته الدار البيضاء في أبريل الماضي بين ممثلين عن وزارة التجارة والصناعة والتكنولوجيات الحديثة وعدد من المصالح بجهة الدارالبيضاء الكبرى، وعمالة مقاطعات الدار البيضاء أنفا وجمعية العرفان للعمل الثقافي والاجتماعي، المكلفة بإعداد دراسة عن الوضعية الحالية لـ"درب عمر" وبنجدية، وتجار المنطقة أول المعنيين بالموضوع.
وفي منتصف أبريل الماضي شرعت جمعية العرفان، بتنسيق مع المديرية الجهوية للتخطيط, في إنجاز دراسة لتسليط الضوء على الحالة الراهنة لدرب عمر وبن جدية في كل تجلياتها، بهدف تحديد المشاكل التي يعانيها منها التجار وتمكين السلطات المحلية والفاعلين الاقتصاديين من معطيات موضوعية حول الوضعية الحالية وتقديم مقترحات وتوصيات تساعد على اتخاذ القرارات المناسبة والاستجابة لتطلعات التجار والإدارة على السواء.
حاويات من الورق المقوى (كارتون) متكدسة, فوضى المعروضات على الأرصفة، سيارات بحمولة زائدة, تلك أهم مكونات المشهد في "درب عمر" و"بنجدية"، وهو واقع لا يترك أمام رواد المنطقة، كثيرا من الخيارات للتنقل والتبضع، ما يدعو إلى البحث عن حلول ناجعة.
كما أن الفاعلين في مجال شحن وتفريغ عربات النقل، سواء منها الكبيرة أو الصغيرة، التي غالبا ما تقف في وضعيات غير ملائمة، يشكلون بدورهم تحديا آخر أمام التجار خاصة في الوقت الذي يدور فيه الحديث عن تأهيل وتنظيم هذه المنطقة التجارية الحساسة.
وفي هذا السياق يؤكد بعض التجار أن بعض الأنشطة التجارية التي يمارسونها سيتم تحويلها خارج منطقة الدارالبيضاء أنفا مما قد يهدد بزوالها.
غير أنه في اللقاء التحسيسي جرى الحديث عن تحويل نشاط شاحنات نقل البضائع إلى مواقع متخصصة أو إلى مواقع ثابتة للتوقف وفق ما سيجري التوصل إليه من توافق بين الأطراف المعنية في إطار خدمة الصالح العام.
وبما أن المركز سيحافظ على موقعه في قلب العاصمة الاقتصادية للمملكة باعتباره "بطاقة ذاكرة"، فإن التجار العاملين بدرب عمر، والذين يناهز عددهم2303 تجار حسب احصائيات غرفة التجارة والصناعة والخدمات في 2007 ، مدعوون للانخراط التام، وبمواكبة من مديرية التجارة الداخلية, في عملية التأهيل وفق برنامج "رواج درب عمر2008 - 2021 " والذي يندرج في إطار رؤية "رواج 2020 " التي أطلقت في 2007.
يذكر أن هذه الرؤية, التي رصد لها غلاف مالي قدر بـ 12مليار درهم، تشكل استراتيجية حكومية جديدة لتحديث التجارة الداخلية في مختلف مناطق المملكة، وترمي على الخصوص إلى دعم هذا القطاع وعصرنة مكوناته المتنوعة والرفع من مستوى الإنجاز في أفق 2020 بفضل تقديم خدمات مالية جديدة لفائدة التجار وسلسلة من الاستثمارات الموجهة لتشجيع التجارة الداخلية على كافة الأصعدة.
وحسب الإحصائيات فإن عدد تجار الجملة المعنيين بالبرنامج في درب عمر يصل إلى833 تاجرا فيما يقدر عدد تجار التقسيط بـ 768 ونصف الجملة بـ702 في حين يصل عدد المستخدمين إلى 7966 في2007.
تجدر الإشارة إلى أن بعض المحلات بدرب عمر تعد قاعات عرض لمقاولات النسيج والأثاث والأجهزة المنزلية والتي ستجد بالتأكيد موقعا لها في الحلة الجديدة لدرب عمر- بن جدية.
ويبقى أنه من المأمول أن تتمكن "قيساريات" درب عمر في إطار عملية إعادة التأهيل والتنظيم من أن تحافظ على طابعها المعماري الأصيل، رغم ارتدائها ثوب العصرنة تكريما لزبائن تجارة الجملة ونصف الجملة والتقسيط من كل أنحاء المملكة.