امتلأت جنبات القاعة رقم 8، بالمحكمة الابتدائية بالمحمدية، الاثنين الماضي، بالحاضرين، منهم نساء ورجال مسنون لم يبرحوا قاعة المحكمة.
في حين وقف شباب في مقتبل العمر في آخر القاعة، يتحركون في كل اتجاه، ويغادرون القاعة بين الحين والآخر بحثا عن مكان دافئ في هذا اليوم الخريفي البارد.
تعالت الأصوات داخل القاعة قبيل دخول هيئة الحكم، ليعم صمت مطبق، بعد أن نادى العون القضائي، بصوت جهوري، "محكمة". تعددت جرائم ملفات القضايا بين المخدرات واستهلاكها والسرقة والضرب والجرح، ما أثار انتباه الحاضرين، خاصة عائلات المتهمين.
وبخفة يد، أخذ القاضي يفرز الملفات الجاهزة للمناقشة وإصدار الأحكام، بناء على حضور أطراف النزاع والشهود، واستعداد دفاع المتهمين للمرافعة. وبعد أن استقر على أحد الملفات، أشار رئيس الجلسة إلى الشرطي بإحضار أحد المعتقلين، الذي كان يجلس في الصف الأمامي من القاعة، أمسكه من يده ليقوده أمام القاضي. كان شابا في مقتبل العمر، ذا قامة نحيفة وشعر أشعت، كانت تبدو على ملامحه آثار الانزعاج.
القاضي: ما اسمك ؟
المتهم: ادريس (...)
القاضي: وهل لديك مهنة ؟
المتهم: كنت أشتغل بمنزل العائلة خياطا، لكن بعد وفاة الوالدين منعتني أخواتي من العمل، فلم أجد حلا آخر سوى بيع المخدرات.
القاضي: هل سبق أن سجنت ؟
المتهم: نعم
القاضي: كم من مرة ؟
المتهم: 11 مرة.
القاضي: 11 مرة ومابغيش التوب عن المتاجرة في المخدرات وبيع أرواح المراهقين، شحال من واحد خرجت عليه ؟
وبجرأة واضحة أجابه المتهم: مالقيتش ما ناكل آش غادي ندير، لدي أطفال يدرسون ويلزمهم الأكل، إضافة إلى أختين لم يتزوجا بعد، وليس لدي دخل شهري آخر.
القاضي: والأطفال الذين تجني عليهم؟
المتهم : تواحد ما ضربتو على يدو، تيجيو الدراري يطالبوني باش نبيع ليهم الحشيش بالكريدي".
نظر إليه القاضي بامتعاض وسأله مرة أخرى، من أين تشتري الشيرا؟
المتهم: من خارج المدينة ؟
القاضي: ما اسم موردك ؟
سكت المتهم برهة وكأنه يحاول التهرب من الإجابة، واستطرد القاضي قائلا : أليس الملقب بـ "ولد مول الكرويلا"؟
المتهم: لا أعرفه ؟
القاضي: أليس هذا ما ذكرته للشرطة ؟
تردد المتهم في الإجابة وطأطأ رأسه، ثم أجاب : أشتري من أشخاص عدة في منطقة زناتة ولا أعرف أسماءهم.
القاضي: كم تشتري؟
المتهم: ألفا غرام في الشهر، اشتريها بالجملة وأبيعها بالتقسيط.
أمر القاضي بالمناداة على الشهود، فتقدم شاب متوسط القامة، عريض المنكبين، تظهر على هيئته أنه يزاول رياضة رفع الأثقال، وبعد التأكد من هويته، أكد الشاهد معرفته بالمتهم وأنه يسكن بحي أوريدة، حيث يقطن المتهم ويمارس نشاطه الإجرامي.
نظر الحاضرون إلى المتهم باهتمام، متابعين تصريحاته، عندما صرخ طفل، كان يجلس برفقة أمه في الكراسي قبل الأخيرة من القاعة، تبين أنه ابن المتهم. اقترب الشرطي من زوجة المرأة، مشيرا إليها بالتزام الصمت أو الخروج من القاعة.
أمر القاضي المتهم بالرجوع إلى مكانه، استمع إلى مرافعة المحامي الطويلة، ما أثار الضجر في نفوس الحاضرين، فهمهم أحدهم لصديقه قائلا "اشحال فيه ديال لهدرا"، ليسكته الشرطي بإشارة من يده. وبعد استكمال مناقشة القضية، حجز الملف للحكم في آخر الجلسة، التي رفعت 10 دقائق للاستراحة.
خرج بعض الحاضرين إلى بهو المحكمة، وتجمعوا في زاوية تطل على القصبة القديمة للمدينة.
وأثار انتباههم امرأة عجوزا دخلت باب المحكمة، عيناها تائهتان بين زحمة الموجودين. كانت ترتدي جلبابا بنيا طويلا، تجر معه آلام أم يحترق قلبها حزنا على ابنها الشاب "حسن"، الذي كان يجلس داخل قاعة المحكمة ينتظر البت في ملفه.
كان يتبعها رجل مسن، أكتسح الشيب شعره الخفيف معلنا عن قدوم الخريف, وأخذت شعيراته في التساقط, لتذهب أدراج الرياح, مخلفة منطقة صلعاء. كانا يسألان كل من تقع عليه عيناهما عن الغرفة الخاصة بالمحاكمة، يتوسلان من سيساعدهما في إيجاد شخص يفتح لهما باب الأمل لإنقاذ ابنهما من السجن.
استأنفت هيئة المحكمة الجلسة، ومن الصدف أن كان ملف "حسن"، ابن المرأة العجوز، وتبين أنه متابع في قضية قتل دفاعا عن فتاة لا يعرفها, إذ كان القدر السبب في مروره من ذلك الشارع المظلم, فلمحت عيناه فتاة تهجم عليها أحد اللصوص مهددا إياها بالسلاح الأبيض.
لم يتمكن الشاب من تجاوز الفتاة, لأنه رأى فيها صورة أخته, وعند تدخله لإنقاذها من ظلم اللص, شب بينهما صراع, وحاول نزع السكين الذي كان يحمله اللص تحت قميصه, ولما اشتد الصراع, انتهى الأمر بأن وقع اللص أرضا نتيجة طعنة وجهها له "حسن".
لم يكن يتوقع الشاب أن ذلك المساء, سيقلب حياته وتتغير الأمور ضده ليصبح مجرما في نظر العدالة.