بات موضوع تدبير النفايات المنزلية الصلبة، طيلة العقود الثلاثة الماضية، يشكل محكا حقيقيا لقياس قدرة الجماعات المحلية على امتداد كامل التراب المغربي.
على الاضطلاع بجانب أساسي من المهام الموكولة إليها، والمتمثل في تخليص التجمعات السكانية من آلاف الأطنان من النفايات التي تخلفها الأنشطة اليومية، وتمكين المواطنين من فضاءات تتوفر على حد معقول من النظافة، باعتبارها تشكل إحدى الركائز الأساسية لحقوق الإنسان في الوقت الراهن، وهي حقه في العيش وسط محيط بيئي سليم.
فإلى حدود السنين العشرة الأخيرة، ما تزال أطراف العديد من التجمعات الحضرية الكبرى في المغرب تشكل مصدر خطر حقيقيا متعدد الأوجه، سواء بالنسبة للإنسان، الذي أصبح يستنشق هواء ملوثا، وفي بعض الأحيان ممزوجا بروائح كريهة، أو بالنسبة للمحيط البيئي والموارد الطبيعية، التي غدت تئن تحت وطأة تلوث المياه الجوفية، وانتشار أشكال مختلفة من الأضرار والنفايات على مساحات شاسعة، بفعل الرياح ودخان الحرائق وغيرهما من العوامل الأخرى الطبيعية والبشرية. إلا أن استفحال هذه الظاهرة المشينة، وتنامي الوعي في المجتمع المغربي، سواء بالنسبة للمواطن العادي، أو في أوساط صانعي القرارات على الصعيد المحلي والوطني، أدى إلى بروز حاجة ملحة للتعامل مع تدبير النفايات الصلبة، خصوصا في المراكز الحضرية بأسلوب مغاير يعكس، بشكل أو بآخر، التطور العمراني والحضاري، الذي يشهده المغرب، موازاة مع التطور الحاصل على مستوى عقلية المجتمع المغربي، الذي أصبح يتطلع، أكثر فأكثر، إلى أنماط عيش تتوفر على كامل مستلزمات الحياة المدنية العصرية.
وأمام إلحاحية هذا المطلب، لجأ البعض من هذه الهيئات المنتخبة، ومن ضمنها بلدية أكادير، إلى خيار التدبير المفوض للنفايات الصلبة عن طريق إسناده إلى مقاولة متخصصة ابتداء من سنة 2009، وبعد طول انتظار لتخليص المواطنين والمسؤولين، على حد سواء، من إشكالية باتت تشكل نقطة سوداء بالنسبة لأكادير، المعروفة بكونها قبلة سياحية، ذات سمعة رفيعة سواء بالنسبة للمغاربة أو الأجانب، الذين يتوافدون على هذه الوجهة بمئات الآلاف على مر فصول السنة.
فعلى امتداد سنين متتالية انطلقت منذ عام 1978، بدأ المطرح العمومي للنفايات الصلبة، المعروف لدى عامة الناس في أكادير بـ "مزبلة بيكران" يتلقى آلاف الأطنان من النفايات المتأتية من مدينة أكادير. وانطلاقا من سنة 1996، بدأ هذا المطرح يستقبل كميات إضافية من النفايات الصلبة المتأتية من ثلاث جماعات حضرية أخرى، تشكل في مجموعها ما يعرف بـ "أكادير الكبير" وهي الجماعات الحضرية لإنزكان، وآيت ملول، والدشيرة الجهادية، ليصل بذلك حجم النفايات الصلبة، التي يلقى بها في هذا المطرح العمومي 139 ألف طن سنويا خلال سنة 2005.
وكنتيجة طبيعية لذلك، أصبح قاطنو عدد من الأحياء السكنية بأكادير يستنشقون هواء ملوثا ممزوجا بروائح كريهة، خصوصا في فترات المساء. كما أصبحت رائحة دخان الحرائق المتأتية من المطرح، الذي امتلأ عن آخره تزكم الأنوف، لاسيما مع هبوب الرياح، التي تحمل معها قطع الورق والبلاستيك، التي غدا مظهرها باد للعيان، خصوصا عند المدخل الشرقي والجنوبي لمدينة أكادير، فضلا عن انتشار بعض مظاهر البداوة، المتمثلة في زحف قطعان البهائم من الدواوير المجاورة على المطرح بحثا عن الكلأ، إلى جانب تنامي أعداد الأشخاص من ممتهني التقاط الأشياء القابلة للبيع من ركام النفايات، مع ما خلفه ذلك من استنبات لدور الصفيح في محيط المطرح.
وأوضح رئيس الجماعة الحضرية لأكادير، طارق القباج، خلال لقاء مع ممثلي وسائل الإعلام، بمناسبة الإعلان الرسمي عن فوز إحدى المقاولات الإسبانية ذات شهرة عالمية في هذا المجال بصفقة التدبير المفوض لقطاع النفايات الصلبة لـ "أكادير الكبير"، أن بلوغ هذه النتيجة، حتى وإن كان صعب المنال، فهو يعكس الإرادة الجماعية، التي تحذو المسؤولين عن الجماعات الحضرية الأربع السالف ذكرها، إضافة إلى أربع جماعات قروية أخرى (أورير، الدراركة، تيمسية والقليعة) من أجل وضع حد نهائي للمشاكل الناجمة عن النفايات المنزلية الصلبة وفق منظور حديث يروم التقليص، إلى أكبر حد ممكن، من عوامل التأثير السلبي على المحيط البيئي.
وقال القباج، إن هذه الخطة، التي أقدمت عليها الجماعة الحضرية لأكادير من أجل ضمان أكبر فرص للنجاح لهذا المشروع تمثلت بداية في التوقيع على اتفاقية مشتركة بين الجماعات المنتخبة الثمانية السالف ذكرها، تقضي بتولي بلدية أكادير لمهمة الإشراف المباشر على المشروع، لتعقبها بعد ذلك إنجاز دراسة حول المشروع في حد ذاته، ثم إنجاز دراسة ثانية حول التأثير على المحيط البيئي حظيت بموافقة اللجنة الوطنية لدراسات التأثيرات البيئية سنة 2005، ليجري على إثر ذلك الإعلان عن طلب عروض دولي خاص بالتدبير المفوض حازت عليه مقاولة " تيك ميد ماروك" الإسبانية.
وتقضي هذه الصفقة، التي تمتد على مدى عشر سنوات ستنتهي عام 2017، بتوظيف المقاولة الفائزة بالمشروع، لاستثمار إجمالي تصل قيمته 103 ملايين درهم، من أجل إعادة تهيئة وتأهيل موقع المطرح العمومي القديم في منطقة "بيكران"، الذي تجري الأشغال الخاصة به على ثلاث مراحل وتشرف على الانتهاء حاليا، قبل الانتقال إلى تشغيل المطرح الجديد في منطقة "تاملاست" الواقعة على بعد حوالي أربعة كيلومترات شرق المجال الحضري لأكادير.
وجرى وضع تصور متكامل لمشروع المطرح الجديد للنفايات المنزلية الصلبة لأكادير الكبير، الذي سيستقبل ويعالج خلال عشر سنوات حوالي مليونين و424 ألف طن من النفايات وفق أساليب وطرق حديثة، تتوخى تقليص إمكانيات التأثير على المحيط البيئي إلى أدنى حد ممكن، فضلا عن مراعاة المشاكل الاجتماعية، التي يمكن أن تنجم عن إغلاق المطرح القديم، إذ جرى في هذا الإطار إحصاء 240 شخصا ممن يتدبرون سبل عيشهم عن طريق التقاط الأشياء القابلة لإعادة الاستعمال من ركام النفايات، والذين من المنتظر توظيفهم في مختلف الوحدات التابعة لمعمل الفرز الذي سيجري إحداثه في المطرح الجديد.
وتراهن الجماعة الحضرية لأكادير بشكل كبير في ما يتعلق بنجاح هذا المشروع على الالتزام بتفعيل نظام التتبع والمراقبة، سواء أثناء فترة إنشاء وتجهيز المطرح العمومي الجديد بمنطقة تاملاست، أو إبان فترة استغلاله، وكذا بعد انتهاء فترة الاستعمال الممتدة على مدى عشر سنوات واللجوء وقتئذ إلى عملية إغلاق المطرح والشروع في عملية إعادة تهيئة وتأهيل موقعه، مع ما يستوجب ذلك من مراعاة للمعايير البيئية على مختلف المستويات. ( وم ع)