محمد خمسي في ضيافة منتدى الحكمة للمفكرين والباحثين في المغرب

الخميس 31 يوليوز 2008 - 13:17

اكتشاف جديد أتحفنا به "منتدى الحكمة للمفكرين والباحثين" أخيرا، عندما استضاف، في إطار أنشطته الشهرية.

الباحث محمد خمسي ليحاضر حول "أهمية التاريخ في إدراك شروط نهضة علمية"، في لقاء قدمت له رجاء ناجي مكاوي، نائبة رئيس المنتدى، الفيلسوف المغربي طه عبد الرحمن.

تناول المدخل العام للمحاضرة التجربة المتراكمة داخل الجامعات والمؤسسات العلمية على امتداد الأمم والشعوب والحضارات والثقافات، لخصها المحاضر في أننا في مرحلة بدأ يلتقي فيه التاريخ العام والتاريخ الخاص ليمثلا نقطة واحدة أو قطبا واحدا، وكأن أثر التفكير عند بعض المؤرخين مثل توينبي، بدأ يتجلى فلم نعد نعيش تواريخ منفصلة، ولكن نكاد نعيش تاريخا واحدا.

أصبح الإرهاق في بناء الأسئلة الأساسية مهمة شاقة قبل البدء في الإجابات، كما زادت وتيرة الأسئلة، التي تتناسل في ما بينها وارتفعت درجة تعقيدها، حيث أصبحت عملية التفكير بشكل منفرد انتحارا علميا وفكريا، الأمر الذي فرض التفكير الجماعي والمؤسساتي لتلمس الحل أو مقاربته، هذا الحل، الذي لن يعمر طويلا رغم اشتغال مجموعات بشرية بإمكانات وقدرات هائلة في صياغته وإنجازه.

إن تجارب الأمم والشعوب تأخذ أيضا معناها من الوسائل الفنية الضخمة التي أصبحت اليوم تحت تصرف الإنسانية، ما فتح أمامها عهدا جديدا يجمع بين المصائر بدل مصير مستقل، لأن التطور العلمي يطوي الصفحة الأخيرة من نماذج ليفتح الفرصة أمام نماذج أخرى.

صياغة البعد الفني والتقني لعالم اليوم صياغة ذات تأثير عميق في أنفسنا، لأن العوامل الجغرافية التي كان لها الجانب الأكبر في سير وبناء أحداث التاريخ أصبحت تفقد قوتها ومكانتها شيئا فشيئا، بل ومفعولها أيضا. فالعالم الذي نعيشه اليوم بقدر ما تنكمش وتقل فيه تأثيرات الأبعاد الجغرافية بقدر ما تزداد فيه سرعة التطور بفعل عوامل التسريع، عبر أجهزة النقل للمعرفة والصورة والمعلومات والأشياء، فالعالم اليوم يدفع البشرية أن تعيش تحت قانون السرعة وتقليص الأحجام، واختصار المسافات في جميع أوجه النشاط البشري، هذا الأمر تجاوز عالم الأشياء وبدأت تظهر آثاره في عالم الأشخاص وعالم الأفكار، وهو أمر يعبر عنه ويترجم بروح العصر التي نلمسها عبر الاتجاهات والدوافع الخطية الجديدة.

وحده تسطير مثل هذه الأرضية التنظير، يوجز نوعية العدة المعرفية، التي يمتلكها باحث، كان إلى عشية اللقاء الذي احتضنه أخيرا مقر المنتدى بالرباط، مجهولا لدى النقاد المغاربة، المعنيين على الخصوص بالنقد الثقافي المؤسس لعلم ينفع الناس، وهذا عين ما اطلعنا عليه في العديد من مبادرات المنتدى، مع مداخلات أسماء وازنة من قبيل مصطفى المرابط، خالد حاجي، محمد أمزيان، عباس ارحيلة، محمد الوالي، محمد الباهي، وأسماء أخرى.

توقف خمسي بعد ذلك، عند جملة من المقتضيات اللصيقة بشروط النهضة العلمية، التي حاضر حولها، سواء على المستوى الداخلي أو المستوى الخارجي، فالمقتضى الخارجي يهدف إلى تحديد واجبنا نحو هذا العالم، وشروط انسجامنا مع ضرورة السير العام للتاريخ والتأثير فيه والمحاولة في الحد الأدنى للمساهمة في بناء أسئلته وعقلنة الاشتغال في مجال البحث العلمي، وتطعيم مجالات الاهتمام فيه بما أثبت تاريخيا من قيم إنسانية وحضارية، كقيمة حق الحياة والكرامة الإنسانية والعدل والسلم.

بالنسبة لمقتضى الداخل، فبهدف تحديد الطاقات التي يمكن توظيفها من أجل المحافظة على المميزات وعناصر القوة في الداخل، والتي من خلالها يمكن الانطلاق من جديد والمساهمة في هذه اللحظة التاريخية بالإجابة عمّا أصبح تحديا وقاسما مشتركا في الوجود البشري، كسؤال البيئة أو سؤال شروط السلم العالمي والحد من توسع الهشاشة الاجتماعية ودائرة الفقر، إذ لا يمكن معالجة هذه القضايا اعتمادا على الإمكانات الداخلية لأنها قضايا نسقية تمتد جذورها إلى أبعد من كل حدود داخلية. كما أن الإجابة عنها بإمكانات داخلية لا معنى لها، لأنها تمس الوجود البشري ككل وتشترط مساهمة جماعية. وبقدر ما تتوفر للدول من طاقات وإمكانات داخلية، بقدر ما يسمع صوتها خارجيا، ويحترم أو يفرض رأيها كذلك.

هناك أيضا مقتضى التناصر العلمي على مستوى الجوار المحلي والإقليمي للمحيط، لتحديد العلاقات الأساسية لبناء التكتل في مجال البحث والدراسة العلمية، وتقوية شروط الانسجام بين عناصر الجوار، والرفع من وتيرة السير في هذا العالم.

تأسيس هذه المقتضيات، يخول للمحاضر التسليم بأن تصور نهضة علمية دون قراءة للتاريخ تكاد تكون عملية شبه مستحيلة، لأن قراءة التاريخ في هذا المجال شرط أساسي في استعادة بعض الإمكانات، وتوفير بعض الفرص ولو في الحد الأدنى قصد الالتحاق بهذا التاريخ والاندماج في سيره، وتحقيقا لهذا الشرط التاريخي جرت معالجة وتحليل تاريخ العلم من خلال أربع مراحل كبرى أساسية، مرحلة "العلم الكلاسيكي أو التقليدي أو التأسيسي"، ومرحلة "العلم الحديث والنظريات الكبرى" ومرحلة "العلم الصناعي كثافة استعمال التقني"، وأخيرا مرحلة "علم العوالم أو البحث في مناطق التماس".

وفي الأخير، وبعد مسح ودراسة ومعالجة لكل محطة من هذه المراحل من التاريخ، يخلص خمسي إلى حتمية التفريق بين العناوين التالية: "مجموعة من العلماء"، "جماعة علمية"، و"مجتمع علمي".

وكانت الخلاصة الأساسية أن بلدا قد يصل إلى مرحلة وجود "مجموعة من العلماء"، أو أن توجد به "جماعة علمية" دون أن يتحول إلى "مجتمع علمي"، الوضع، الذي يمثل أقصى وأرقى وجود تاريخي للعلم والمعرفة ببلد أو حضارة ما، وأن تطور العلم داخل مجتمع تحكمه قاعدة أساسية في مختلف مراحله، وهي المؤسسات الخاصة بالعلم، مهنة العالم أو الباحث وتطورها، طريقة الاستقبال وتملك العلم، تفاوت التاريخ البشري في تحصيل وإنتاج العلم، تمكن المجتمعات من المعرفة العلمية عند إحداث التقاليد الخاصة بها، ثم التطبيقات العملية.

وجرى تعزيز هذه النتائج بجملة من اثني عشر شرطا تربويا وجد المحاضر أن من شأنها بث الروح في بيئة البحث العلمي من أجل نسج نواة مجتمع علمي، وجاءت كالتالي: إيجاد بيئة الخيال والحرية المسؤولة، التعلم على يد أساتذة ناضجين، التواضع مع ضمان الاحترام والتقدير، العمل بمبدأ صياغة الفرضيات دون التشبث بها، اكتساب القدرة والفن على الكتابة العلمية، التكتل ضد محاولات التفريق والتفرق، التصدي للروح السلبية وفقدان الثقة، تفعيل قنوات التواصل بين المتخصصين واستثمار فكر علمي متنوع، التمسك بحق الفئة المهتمة بالبحث العلمي في توجيه سياسات المؤسسات العلمية والثقافية والفكرية، نزع فتيل الخصومات التي يشعلها البعض بين الدين والعلم، الوعي بأهمية التراث العلمي وإعادة قراءته، بناء شبكة غير رسمية تتمتع بالمرونة من أجل نسج نواة مجتمع علمي.




تابعونا على فيسبوك