يعتبر الزفاف ببعض بوادي الأطلس الكبير بمنطقة إيداوتنان بأكادير ليس عقـدا اجتمـاعيا وعقائديا بين شخصين لتكوين أسرة منظمة وولوج الحياة الزوجية، بل يختزن أيضا محمولات ثقافية وأبعادا رمزية تكتسي صبغات اجتماعية واقـتصادية وسيكولوجــية وأخلاقـــية و عقائدية.
ويصوغ العرف التقليدي طقوس الزواج بالمنطقة في ثلاث لحظات زمنية متعاقبة، تتمثل في الخطوبة والزفاف والحياة الزوجية.
فالخطوبة "أمازيغيا" ءإسيكل "ءانضالب"، أي "الطلب" بالعربية، إذ يتم تعيين الفتاة المختارة، باعتبارها تتوفر على الشروط والصفات والسمات المطلوبة كالصبر والتواضع والحشمة، تنتمي لعائلة لها سمعة شريفة إما في الدوار أو القبيلة، وتضمن استمرارية المعاشرة الزوجية.
تقوم أسرة العريس بشراء هدايا رمزية كالكبش والسكر والتمر والحناء والثوب وبعــض الملابس النسائية، كالحــذاء والخمار "القضيب" والكسوة والحلي، لتقديمها إلى الفتاة، عروس المستقبل.
وتختلف القيمة المالية لهذه المشتريات من عائلة إلى أخرى، كل حسب مستوى الدخل الفردي للعريس، أو مستوى الدخل الجماعي للعائلة الممتدة.
ويعتبر استقبال أهل العريس من طرف أهل العروس موافقة مبدئية، إذ يفتح ببيت الفتاة حوار بروتوكولي بين والي الفتى ووالي الفتاة حول تحديد أهم المتطلبات المادية لفائدة العروسة و أهلها، وأهم الضوابط الأخلاقية والاجتماعية المؤطرة للعلاقة بين الفتاة وأهل العريس حسب نظام العرف القبلي، ليتم الاتفاق بين الطرفين على تعيين موعد حفل الزفاف.
وتبدأ حفلة الزواج رسميا وعلنيا بطقوس "ءافران"، أي موسم "تنقية الزرع"، حيث يغطي حينها رأس ووجه الــعروس بالخمار، ويوضع عليه "الخلخال"، ويضاف عليه خليطا من القمح واللوز والجوز، إضافة إلى قطع صغيرة من السكر .
وتقوم إحدى قريبات العروس بعد انتهاء عملية التنقية بتـــوزيع الــلوز والجوز و السكر على الحاضرات، وتحتفظ بالحصي. في ليلة الحناء أي"غييض لحناء" بالأمازيغية، يتم استدعاء "تيمزوورا"، أي المتزوجات المحتفظات ليقمن بتحضير عجين الحناء في إناءين تزين بها العروس اليدين و القدمين في جو احتفالي، تســــتدعى إليه رفيـقات و صديقات العروس الفتيات لمشاركة في حفلة ليلة الحناء.
ويقدمن لها أيضا بعض الهدايا الرمزية، كما تقدم لها هدايا من طرف أهل العريس كالكبش والـمواد التجميلية وبعض الملابس.
وفي تلك الليلة تركب الفتاة الكبش الذي اشتراه أهل العريس بالمناسبة قبل أن يتم ذبحه لتهيئ بلحمه مأدبة حفلة الحناء.
وينظم أهل العريس حفلا خاصا بهم تشارك فيه فتاتان تتزينان بالحناء، ويستدعى إليه العريس الذي عليه أن يرتدي الزي التقليدي الرسمي جلابة بيضاء حذاء أبيض خنجر.
وتكون تلك الليلة الأولى رسمية يعلن فيها جهرا لأهل البلدة بروابط العلاقة بين العائلتين
يقوم وفد العريس بالتوجه صوب بيت العروس، وتحمل إحدى الفتاتين السابقتين صرة تسمى "ءوكريس"، تحتـفظ فيــها بملابـس الـحفل للــعروس "السلهام والتشامير الخنجر" لكي تتزين بها و ترتديها العروس أثناء قدومها إلى بيت العريس.
يستقبلون بالـزغاريد، وتقوم العروس برمي المدعوين بالحصي التي احتفظت بها إثر شعيرة "تنقية الزرع" أي "ءافران". وبعد هذا الطقس تتسلم العروس من الفتاتين من وفد أهل العريس" الصرة والهدايا الرمزية المبعوثة من أهل العريس.
في اليوم الثاني تنتقل الـعروس إلى مكان آخر حيث فرشت لها "الحصيرة" البساط، لكي تلبس فوقها لباسها، بعد استخراجها من الـصرة، وهي "تشامير" كسوة تقليدية وسلهام و حذاء، ويتم ذلك على ألحان أبيات شعرية تشهد على الظرفية.
وبعد ما تلبس العروس لباس العرس، تتغطى بالإزار، وتغطي وجهها و شعرها بما يسمى "ءاعبروق" أي خمار المزين بـ "تاوكيت" أي حلي وبالحبق، كما تتزين بالخنجر، وبعد ما يتم تجهيز الزي الرسمي، يستدعى أحد أقرباء العروس لينتعل لها الحذاء قبل مغادرتها لمنزل أهلها، ويشترط عليه بروتوكوليا أن يضع بداخل الحذاء درهما واحدا، ويجري ذلك على ألحان شعرية ترددها النسوة.
وعندما تهيئ لمغادرة بيت أهلها تقبل العروس رأس ويد أبيها قبلة الوداع ويكون الأب أو ولي أمرها هو آخر من تودعه في بيت الطـفولة، هذا في الوقت الذي يكون فيه أهل العريس الوفد الرسمي ينتظرون العروس خارج البيت مرددات مقاطع شعرية.
تتجه العروس أثناء خروجها من المنـزل نحو دابة لــتركب خلـف أخيها مغطية وجـــــهها بـ "ءاعبروق" و"لقضيب" المزينين بالحبق، وأخاها يمسكها مــــن الخـــــلف لكي لا تسقط.
يقوم الوفد بمغادرة المكان متوجها إلى بيت العريس يقطع الوفد المسافة بين الدارين في جو احتفالي و فيه تتعالى الأصوات لإنشاد مقاطع غنائية، فيه تــدق الدفوف و فـيه تطلق النساء والفتيات الزغاريد.
ويقتضي إنزال العروس من ظهر الفرس، منح مقدار مال من طرف أهل العريس لأخ العروس، وإلا ستبقى العروسة فوق الفرس جالسة، إثر ذلك تنزل العروس متجهة مع الوفد الرسمي إلى أقرب بيدر عائلة العريس أو بيدر أهل الدوار للاحتفال هناك، وتردد النساء بالمناسبة أهازيج وأغاني احتفالية راقصة.
وأثناء عودة الوفد إلى بيت العريس يرمي عليهم العريس اللوز والتمر من شرفة المنزل، ويرش الحليب على الحاضرين و الحاضرات، فتفتح أم العريس أو إحدى قريباته باب المنزل
وتتقدم العروس الوفد أثناء الدخول إلى المنزل بتخطي عتبة الباب بالرجل اليمنى متجهة نحو إحدى لبنات المنزل "ءاشاموش"، فتدور حولها ثلاث دورات متتابعة، ثم تتجه إلى غرفتها الجديدة بالمقر الجديد، وتخصص للزوجين غرفة فارغة وعادة تتكون من غرفة العريس، وعند وصولها إلى باب غرفتها تدق العروس الباب ثلاث دقات برجلها اليمنى ليفتح لها الباب بالضربة الثالثة.
وخلال تلك اللحظات، يملأ الإناء باللوز والتمر والجوز والحلويات, ويقوم أحد أقرباء العريس بوضع "ءيسكوي" أمام مجلـس الضـيوف لكي يأخـذ كل جالس من الإناء إما اللوز أو التمر أو الجوز أو الحلوة ، وفي غرفة أخرى حيث يتجمع مجلس الرجال الذي يضم وكيلي العروسين و أمام المسجد و عدلين، تتوسطهم صينية بها طحين و في وسطه " دبليج ، تتم الموافقة على عقد القران ويحصل الاعتراف العلني بحضور المجلس، فتحـصى الأمتعة اللباس، الحلي، الأحذية, التي اشتراها العريس للعروس بالمناسبة، مع تدوينها، وتدوين قيمتها، ثم يكتب عقد النكاح من طـرف عدلـين، محددان فـيــه قيــمة المهــر "امرواس".
وبكتابة عقد النكاح أمام الشهود يسمح للزوج أن يخلو بزوجته وفي الصباح بعد الدخلة، تقام رقصة جماعية تشترك فيها أغلب النساء من أقرباء العريس والعروسـ باحتفاظ العروس على شرفها، وتقوم "الزوجة" العروس بمشاركة الوفد في الرقصة الجماعية.