يتأسس الدستور المغربي على مرجعيتين أساسيتين : الأولى تقليدية والثانية حديثة
وإذا كان التركيز يطال دوما المرجعية الحديثة بالإحالة على النظرية الدستورية للجمهورية الخامسة بفرنسا التي عكسها دستور 1958، فإننا هنا نريد التركيز على المرجعية التقليدية للدس
ترتكز النظرية السياسية الإسلامية على ثلاثة مبادئ مركزية : أولها مبدأ البيعة وهو المبدأ الضابط لعملية الوصول إلى السلطة وثانيها مبدأ الشورى وهو المبدأ الضابط لممارسة السلطة وثالثها مبدأ تطبيق الشريعة وهو المبدأ الضابط لمرجعية السلطة
ميز الفقهاء على مستوى "البيعة" بين البيعة الخاصة والبيعة العامة، فالأولى تنعقد بها السلطة ويقوم بها "أهل الحل والعقد" لذلك أسموها "بيعة انعقاد" والثانية.
تمارسها "الأمة" تعبيرا عن انقيادها للإمام الذي انعقدت له الإمامة، لذلك أسموها "بيعة ا لقياد" وهي المقصودة في تعريف ابن خلدون بكونها "عهدا على الطاعة"
يتمثل المبدأ الثاني في مبدأ الشورى وإن كان هناك اختلاف حول مدى إلزاميتها وكيفية ممارستها، أما المبدأ الثالث فهو مبدأ تطبيق الشريعة الإسلامية باعتبارها مرجعية للسلطة، فالنظام المعياري لأي سلطة إسلامية لا يجد أصوله إلا في إطار أحكام الشرع
يقتضي هذا القول إبداء ملاحظتين : تتعلق الأولى بضرورة التمييز بين مجال الشورى ومجال الشريعة، فمجال الشورى هو مجال "الأمر" أما مجال الشريعة فهو مجال "الحكم"، ففي النض القرآني يرتبط ذكر الشورى بالأمر في حين يرتبط ذكر "الحكم" بالله، وترتبط الملاحظة الثانية بتحديد طبيعة تنزيل النظرية السياسية الإسلامية على الواقع، حيث ينبغي التمييز بين "مرونة" مجال الأمر و"صلابة" مجال الشريعة، بتعبير آخر، لم يكن هناك اتفاق على شكل السلطة السياسية ولكن كان هناك إجماع على ضرورة تطبيق أحكام الشرع بحيث غدت "الجماعة الإسلامية" لا تتحدد بمجال الأمر وإنما تتحدد بمجال الحكم باعتبار الالتزام بتطبيق الشريعة أساس جوهرها وماهيتها.
كيف تحضر المبادئ المركزية للنظرية السياسية الإسلامية في الممارسة العامة للمؤسسة الملكية المغربية؟ تحتل البيعة مكانة مركزية في إضفاء المشروعية على المؤسسة الملكية، ويتم استحضار البيعة ببعديها الخاص والعام، فعلى المستوى الخاص يسارع "أهل الحل والعقد" يوم وفاة الملك إلى "مبايعة" خلفه.
في مغرب الاستقلال بدأت تترسخ منذ وفاة محمد الخامس بعض المعالم الشكلية لهذه البيعة في صيغتها الخاصة، فالبيعة تكون أولا مكتوبة ولا يجلس الملك على العرش إلا بعد أول يوم جمعة من تلقيه للبيعة الخاصة = بيعة الانعقاد، هذا على مستوى الشكل، أما على مستوى المضمون، فلم يطرأ تغيير كبير إذ حافظ نص البيعة في صياغته العامة على بنيته التقليدية.
إن البيعة في مستواها الخاص، أي بيعة الانعقاد، تتكامل مع البيعة في مستواها العام، أي بيعة الانقياد، حيث تمارس هذه الأخيرة من خلال أربعة مظاهر : يتجلى الأول في لحظة "تشييع" جنازة الملك الراحل حيث تتحول مراسيم الدفن إلى مناسبة لتأكيد "العهد على الطاعة" للملك الجديد، ويتعلق الثاني بالدعاء للملك الجديد في أول خطبة جمعة يحضرها بوصفها أميرا للمؤمنين حيث يعتبر ذلك تجسيدا للبيعة العامة، ويرتبط الثالث بالجولات التي يقوم بها الملك الجديد عبر الأقاليم حيث تغدو مناسبة لمبايعته من قبل "الأمة" التي تخرج لاستقباله ويكمن الرابع في تقديم الولاء في اليوم الموالي للاحتفال بعيد العرش سنويا من طرف مسؤولي الإدارة الترابية وممثلي الأمة
تستحضر الشورى عبر القيام بتكييف معين لطبيعة بعض المجالس سواء كانت منتخبة أو غير منتخبة باعتبارها قنوات لممارسة الشورى.
يحضر النظام المعياري الذي ترتكز عليه السلطة السياسية انطلاقا من النظرية السياسية الإسلامية والمتمثل في تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية من خلال "قانون الأسرة" والذي يتم الالتزام بمقتضياتها، لكن، هل يفيد عدم تطبيق عديد من الأحكام الشرعية خروجا على الشريعة الإسلامية؟ إن السلطة السياسية على مستوى التبرير لا ترى ذلك، فعدم تطبيق أحكام الشريعة يتم تبريره من داخل الإسلام وليس من خارجه، وبالتالي يغدو "فقه الضرورة" سندا شرعيا لتكريس هذا التجاوز وهو ما يحيل على النظرية السياسية السلطانية.
تشكل النظرية السياسية السلطانية المكون الثاني للمرجعية التقليدية، وإذا كانت النظرية السياسية الإسلامية هي نتاج "الإسلام الشرعي"، فإن النظرية السياسية السلطانية هي نتاج "الإسلام التاريخي" بما يفيد حدوث شرخ بين الإسلام كتصور والإسلام كممارسة، وكانت الحاجة ماسة لـ "فقه تبريري "يروح تجاوز هذا الشرخ بارتباط مع ممارسة "سلطانية" كرست أزمة هذا الفقه "التبريري" مما كان يستدعي بين الفينة والأخرى ممارسة واجب "النصيحة".
سجلت النظرية "السلطانية" حضورها سياسيا بإضفاء المشروعية على السلطة الوراثية ومعياريا عبر تبرير تجاوز بعض أحكام الشريعة الإسلامية باسم "فقه الضرورة"
ما هي مبادئ النظرية السلطانية كما بلورتها الممارسة السياسية في التجربة التاريخية للمغاربة؟ هناك ثلاثة مبادئ : يكمن الأول في اعتماد الملكية وهو مبدأ ذو طبيعة سياسية، ويعود الثاني إلى التحرر النسبي من تطبيق أحكام الشرع وهو مبدأ ذو طبيعة معيارية، ويرتبط الثالث بممارسة السلطة السياسية عبر آلية التحكيم وهو مبدأ ذو طبيعة إجرائية.
تحضر المبادئ الثلاثة للنظرية السياسية السلطانية في الممارسة المغربية راهنا، فالملكية تكرست دستوريا والتحرر من أحكام الشرع وجد سنده في اعتماد "فقه الضرورة" الذي أفضى إلى شرعنة "فقه التكييف : التكيف مع أوضاع العصر"، كما أن مبدأ التحكيم تم تحيينه لينتقل من مجال الممارسة السياسية "التقليدية" إلى مجال الممارسة السياسية "الحديثة".
كاتب مغربي