أكد الناقد والأكاديمي المغربي سعيد بنكراد أن الإسهام العربي في النقد الحديث لا يقاس بمدى استنساخ النظريات والمناهج النقدية العالمية، وإنما بقدرة الباحثين على استيعابها وإعادة صياغتها وتوظيفها في سياقاتهم الثقافية والفكرية، بما يتيح تطوير أدوات قراءة النصوص الأدبية والكشف عن خصوصياتها الدلالية والجمالية.
وأوضح بنكراد، خلال مشاركته في جلسة "الإسهامات العربية في النقد الحديث"، ضمن فعاليات الدورة الـ45 من معرض الشارقة الدولي للكتاب، المقامة في الفترة من 4 إلى 15 نونبر الجاري بمعرض إكسبو الشارقة، أن المعرفة النقدية تتجاوز الحدود والهويات الوطنية، وأن انتقال الأفكار والنظريات بين الثقافات يشكل أحد روافد تطور الفكر الإنساني، مستحضرا تفاعل التراث الفكري العربي مع الفلسفة اليونانية باعتباره نموذجا على قدرة الثقافات على استيعاب المعارف الوافدة وإعادة إنتاجها.
وتناول الناقد المغربي التحولات التي عرفتها مناهج قراءة النص الأدبي، منتقلا من المقاربات التي كانت تربط العمل الإبداعي بسيرة مؤلفه وظروفه الاجتماعية والتاريخية، إلى مناهج جعلت من بنية النص والعلاقات الداخلية بين مكوناته مدخلا أساسيا لفهم تشكل المعنى. واعتبر أن التعامل مع النظريات والخطاطات التحليلية باعتبارها قوالب جاهزة قد يحجب خصوصية الأعمال الأدبية، مؤكدا أن تعدد الأدوات النقدية يتيح مقاربات مختلفة تضيء جوانب متعددة من النص.
وفي هذا السياق، شدد بنكراد على أن النص الأدبي لا يمكن اختزاله في رسالة مباشرة أو موقف محدد، مستحضرا تصوره الذي يرى أن "النص ليس بيانا سياسيا"، ولا مجرد انعكاس آلي للواقع، بل بناء تتداخل في تشكيله اختيارات إبداعية ومقاصد ودلالات تتجاوز ما يصرح به المؤلف. ومن ثم، فإن قراءة النص تقتضي الانتباه إلى بنيته الداخلية وما تتيحه من إمكانات للتأويل، بدل الاكتفاء بالبحث عن نوايا كاتبه أو إخضاعه لأحكام مسبقة.
كما توقف عند العلاقة بين اللغة والمعنى، مبرزا أن الكلمات لا تؤدي وظيفة إبلاغية فحسب، بل تختزن خبرات اجتماعية وثقافية تتجاوز دلالاتها المعجمية المباشرة. فاللغة، وفق تصوره، تساهم في تشكيل رؤية الإنسان للعالم، وتمنحه إمكانات متعددة لتسمية الأشياء وفهمها وإعادة تمثلها، وهو ما يجعل قراءة النص مرتبطة أيضا بالرصيد الثقافي والمعرفي للقارئ.
واعتبر أن المعنى لا يستنفد في القراءة الأولى، وأن النص يظل مفتوحا على تأويلات تتباين باختلاف خلفيات القراء وتجاربهم، في ظل العلاقة بين بنيته اللغوية وما تحمله كلماته من شحنات رمزية. فالقراءة، بحسب بنكراد، لا تقتصر على استعادة المعنى الظاهر، بل تتجاوزه إلى استكشاف ما تتيحه اللغة من دلالات وإيحاءات.
ولم يفصل الناقد المغربي بين هذه الرؤية ومكانة الخيال في التجربة الإنسانية، معتبرا أنه يتيح للإنسان تجاوز حدود ما يعيشه بصورة مباشرة، واكتشاف إمكانات أخرى لفهم العالم وتمثله. وفي هذا الإطار، اختزل أهمية التخييل في قوله، "الحياة في معناها الأصلي فقيرة جدا، ولولا الخيال لكنا فقراء"، في تأكيد على أن الخيال ليس ابتعادا عن الواقع بقدر ما هو وسيلة لإغنائه وتوسيع أفق إدراكه.
وفي نقاش حول التجربتين النقديتين المغربية والتونسية، ومدى حضور التنظير والتطبيق في الكتابات النقدية المعاصرة، أشاد بنكراد بالإسهامات الفكرية للنقاد التونسيين، مشيرا إلى استفادته من إنتاجهم المعرفي، وإلى ما يميز تجربتهم من اهتمام بالنظريات النقدية وتطبيقاتها على النصوص الأدبية.
وأتاحت الجلسة، التي أقيمت ضمن البرنامج الثقافي لمعرض الشارقة الدولي للكتاب، مناقشة مسارات تطور النقد العربي وتفاعله مع المناهج العالمية، إلى جانب مساءلة العلاقة بين اللغة والنص والتأويل، وما تطرحه من أسئلة حول دور الناقد والقارئ في استكشاف المعاني التي تنطوي عليها الأعمال الأدبية.