منذ أن اختار الناقد والباحث المغربي سعيد يقطين أن يكون معلما وكاتبا، لم يفصل بين المعرفة ومسؤولية نقلها، ولا بين القراءة وإنتاج الأسئلة، فمن شغفه المبكر بالحكايات والسير الشعبية، التي فتحت أمامه أبواب الأدب والتراث، إلى انشغاله بالسرديات وتطوير أدوات قراءة النصوص، امتد مساره البحثي لأكثر من أربعة عقود، ظل خلالها وفيا لفكرة النقد باعتباره عملا علميا قائما على بناء المفاهيم وتجديد أسئلة المعرفة.
لم يتوقف مشروعه عند حدود الرواية العربية وبنياتها السردية، بل اتسع ليشمل التراث السردي العربي والأدب الرقمي، في انتقالات لم تكن مجرد تنويع في موضوعات البحث، وإنما تعبير عن انشغال معرفي واحد، فهم السرد وتحليل تحولاته، واستكشاف إمكانات دراسته في أشكاله المختلفة. وهو مسار جعل من سعيد يقطين أحد الأسماء البارزة في الدراسات السردية العربية.
وفي الدورة الخامسة والأربعين لمعرض الشارقة الدولي للكتاب، التي افتتحت يوم أمس الأربعاء بمركز إكسبو الشارقة، اختير سعيد يقطين شخصية العام الثقافية، تقديرا لمساره وإسهاماته في الثقافة العربية. مناسبة تتيح العودة معه إلى البدايات التي صنعت شغفه بالقراءة، والعوامل التي وجهته نحو التدريس والبحث، والمرجعيات التي أسهمت في تشكيل وعيه النقدي.
في هذا الحوار، يتحدث يقطين عن علاقته بالقراءة والكتابة والتعليم، وعن مشروعه الذي لا يرى قيمته في ما أنجزه فقط، بل في قابليته للاستمرار والتطوير، مؤكدا أن "الكاتب معلم بغير قاعة درس"، وأن ما يبقى من التجارب الفكرية هو ما يتحول إلى مشروع مفتوح على أسئلة المستقبل.
سعيد يقطين، جاء اختياركم شخصية العام الثقافية للدورة الخامسة والأربعين من معرض الشارقة الدولي للكتاب تقديرا لمسار نقدي امتد لأكثر من أربعة عقود، ولإسهامكم في تطوير الدراسات السردية العربية. كيف تلقيتم هذا الاختيار؟ وماذا يعني لكم اليوم، بعد هذه السنوات الطويلة من البحث والاشتغال الأكاديمي؟
إن أي تكريم يضاف إلى غيره من التكريمات أو التقديرات الذي يحظى به الباحث أو الكاتب في مسيرته هو تثمين لمجهوداته، ودليل على الاعتراف الذي لم يكن يعنيه وهو يعمل مستمعا إلى هواجسه متأملا أسئلته محاولا الإجابة عنها بجدية وصرامة. أعتبر هذا الاختيار من قبل سمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي تشريفا للجهود التي بذلتها في خدمة الثقافة العربية منذ أكثر من ربع قرن، وفي الوقت نفسه اعترافا بالدور الذي يضطلع به المثقف المغربي والعربي في تطوير ثقافتنا بما يلتقي مع توجه فعاليات الشارقة في تشجيع العمل الثقافي في بعده الإنساني.
ولدت أستاذ في الدار البيضاء سنة 1955، وبدأت مسارك المهني في التدريس قبل الانتقال إلى الجامعة والتفرغ للبحث الأكاديمي. إذا عدت إلى البدايات، ما الذي قادك إلى عالم الأدب والنقد؟
لعب الفضاء الذي عشت فيه بمدينة الدار البيضاء، وبعد ذلك في فاس دورا كبيرا في طبع شخصيتي بملامح خاصة. فتحت عيني في العاصمة الاقتصادية على القرآن الكريم، وعلى التدين الشعبي المرتبط بثقافة البادية حيث الطيبوبة الفطرية، ومحبة الآخر، من جهة. وكانت الحلاقي في "سوق اشطيبة" تغذي ما يتصل بالدين والثقافة الشعبية في مختلف تجلياتها من جهة ثانية. فتفتحت مداركي على الغناء الشعبي، ورواة النوادر والقصص الدينية، والسيرة الشعبية. دفعني إلى القراءة شغفي بما كان يروى من سير عنترة وحمزة البهلوان، والأميرة ذات الهمة، ولما كان متابعة حلقات السيرة الشعبية تتطلب الحضور الدائم، وهو ما لم تكن الدراسة تسمح لي به، اتجهت إلى اقتناء أجزائها وقراءتها تباعا، بدءا بالجزء الأول ثم الثاني، وهكذا. في مراهقتي، وقبل انتقالي إلى فاس كانت كل السير الشعبية متوفرة لدي، إلى جانب روايات السباعي ومحفوظ. من هنا كان شغفي بالقراءة. وكان لبعض المعلمين دور في هذا الشغف بالقصة. وفي فاس تعمقت صلتي بالتراث العربي من خلال التردد على خزاناتها. وفي السنة الثالثة إعدادي كنت قد حسمت اختيار مستقبلي: أريد أن أدرس الأدب، وأكون أستاذا للغة العربية.
وهل كان اختيارك نتيجة شغف مبكر بالقراءة، أم أن التجربة هي التي رسمت لك الطريق؟
كان الشغف بالقراءة الدافع الأول الذي وجه اختياراتي، وقد تشكل هذا الشغف إلى حد كبير من خلال تجربتي مع الأساتذة الذين تتلمذت على أيديهم، إذ لم يكن جميعهم يشجعونني على القراءة، بل إن بعضهم كان يترك أثرا سلبيا في تلامذته. ولعل ذلك أسهم في توجهي نحو مهنة التدريس، فقد كنت أرى أن مختلف المهن التي كان أقراني يطمحون إليها تظل محدودة الأثر من دون المعلم الذي يضطلع بمسؤوليته في تكوين الأجيال. لذلك فضلت أن أكون معلما وكاتبا في الوقت نفسه. ويبدو لي أن الكاتب معلم بغير قاعة درس، إذ يفتح كتابه آفاقا معرفية وإنسانية قد لا تتسع لها فضاءات الأقسام الدراسية».
من هم الكتاب أو المفكرون الذين تركوا أثرا عميقا في تكوينك الفكري، سواء في بداياتك أو خلال انتقالك إلى البحث في السرديات؟
تأثرت أولا بالقرآن الكريم، كنت أجده نصا لا نظير له في التأثير في الإنسان بدفعه إلى التعلم، والتذكر، والتفكر، وتحمل مسؤوليته في الحياة. وكان بعده كتاب "ألف ليلة وليلة"، فكل حكاية فيه مليئة بالعبر والفوائد، وكذلك السيرة الشعبية. وبعد اطلاعي على كتب الأدب والشعر العربي القديم والروايات الحديثة، وبعض الكتب بالفرنسية بدأت تتكون ملامح شخصيتي الثقافية. كنت أعجب بما يثيرونه من قضايا، أو بطريقتهم أو أسلوبهم في الكتابة. كانت قراءات موزعة على مختلف الاختصاصات، ومع البنيوية والسرديات وجدت ضالتي. فكان جيرار جنيت أستاذي الذي تعجبني فيه أصالته وعمقه في التفكير، وإن كنت أسجل أحيانا اختلافي معه في بعض المسائل، فإنه يظل بالنسبة لي العالم النموذج.
ماذا أضافت تجربة التعليم إلى شخصيتك الفكرية؟ وهل غير الاحتكاك بالطلاب أحيانا طريقة نظرك إلى الأدب وأسئلته؟
تعلمت من التعليم احترام الزمن، والانضباط، والوضوح الفكري، وتوسيع المعرفة النقدية، فالمربي الناجح من يمتلك معرفة تجعل طلبته يقدرونها. إلى جانب قدرته على التعامل معهم بدون تمييز، يجعل كل طلبته يحسون بمحبته لهم. ولا يتأتى ذلك إلا بتعميق المعرفة وتجديدها باستمرار.
يعرفك القراء من خلال مؤلفاتك وأبحاثك، لكن ماذا عن سعيد يقطين خارج الجامعة والكتب؟ ما الذي يشغلك في حياتك اليومية بعيدا عن البحث والكتابة؟
حياتي موزعة بين القراءة والكتابة يوميا. أشاهد السينما، وأستمتع بالموسيقى والأغاني الشعبية المغربية والعالمية، وأمارس رياضة المشي.
انطلق مشروعك النقدي من دراسة الرواية العربية وتحليل بنياتها السردية، قبل أن يتسع ليشمل التراث السردي العربي والأدب الرقمي. كيف تبلورت هذه المسارات داخل مشروعك الأدبي وما الخيط الفكري الذي يجمع بينها؟
انطلق المشروع من سؤال كيف يمكننا فهم السرد بطريقة منتجة وقابلة للتطوير، ولتحقيقه كان لابد من الانطلاق من العلم، فكانت السرديات، اشتغلت بها في مختلف كتبي، وكان كل كتاب جديد يطور ويوسع ما قدم في السابق. ومن هنا كان أيضا الانتقال من الرواية إلى السرد القديم، فالرقمي. فكانت المراوحة بين المفاهيم هي الخطاب، النص، والنص المترابط، وما يجمع بينها هو: السرد من منظور علمي.
أسهمتم في ترسيخ السرديات بوصفها مجالا نقديا له مفاهيمه وأدواته. كيف تقيمون اليوم حضور هذا التخصص في النقد العربي؟ وهل نجح في تغيير طريقة قراءة الرواية، أم أن توظيف المناهج الحديثة مازال في كثير من الأحيان شكليا؟
النقد العربي لا يؤمن بالتخصص، ولذلك لم نهتم أو ننتج نظريات، لذلك فالقراءة العربية للنصوص ما تزال عاجزة عن التطور لتدفع أولا في اتجاه خلق القارئ، وثانيا في تطوير أشكال قراءاته والاستفادة منها في تكوين شخصيته الثقافية.
ما موقع الرواية المغربية داخل خريطة الرواية العربية اليوم؟ وماذا عن تجربة الذكاء الاصطناعي؟
فرضت الرواية نفسها عربيا، ونجحت في الانتقال من دائرة الاهتمام المحلي إلى فضاء أوسع من التداول والقراءة، غير أن هذا الحضور لم تواكبه حركة نقدية بالقدر الكافي، فما يزال النقد الروائي المغربي عاجزا عن متابعة مختلف التجارب والتعريف بها، بما يتيح قراءتها قراءة معمقة وتقييم منجزها على أسس موضوعية.
أما بخصوص الذكاء الاصطناعي، فما نزال أمام تجربة في بدايتها، لم تتراكم بشأنها نماذج كافية تسمح بتقويمها والحكم على نتائجها. لذلك، فإن النقاش الدائر حولها لا يزال محكوما بتوقعات وأفكار عامة، تفتقر في كثير من الأحيان إلى الدقة، وتتأرجح بين الحماس لإمكاناتها والتوجس من تأثيراتها.
في ظل التحولات التي تعرفها عادات القراءة، ما مسؤولية الجامعة والناقد والمؤسسات الثقافية في إعادة الاعتبار للقراءة بوصفها فعلا معرفيا لا مجرد استهلاك للمحتوى؟
مع العصر الرقمي تتضاعف مسؤولية المدرسة والجامعة في إعادة النظر في الكتابة والقراءة، وطرائق التفكير فيهما، فالنقد الأدبي، والإنسانيات في حاجة إلى تجديد النظر والعمل فيما تراكم من معارف، والعمل على تطويرها للإجابة عن كل الأسئلة التي يفرضها الواقع، من جهة، والذكاء الاصطناعي من جهة ثانية. وعلى كل المؤسسات أن تتحمل مسؤوليتها في تدارك ما فات، والتخطيط للممكن والمحتمل.
ما الذي تتمنون أن يبقى من مشروع سعيد يقطين لدى الأجيال المقبلة: المفاهيم التي طورتموها، أم طريقة التفكير في الأدب، أم الإصرار على أن يظل النقد مجالا لإنتاج المعرفة لا مجرد إصدار الأحكام.
أتمنى أن يبقى كل هذا، والأمر متروك للتحولات الثقافية والفكرية مستقبلا، لكن الأهم في كل ما ذكرت هو أن يكون لأي باحث مشروع خاص ينطلق منه، ويعمل على تطويره. المشاريع هي التي تبقى، لأنها قابلة للتطوير والتوسيع.