من تجربة صناعة المحتوى وتقديم البودكاست، انتقل رجل الأعمال المغربي رشيد لابريك إلى خوض تجربة التأليف، من خلال كتاب مشترك مع حسين المحمودي، المدير التنفيذي لمجمع الشارقة للبحوث والتكنولوجيا والابتكار، اختارا له عنوان «A Nation’s Human Capital DNA»، أو "بصمة وطن" لتقديم قراءة في التجربة الإماراتية من زاوية الاستثمار في الإنسان وبناء الكفاءات.
ولم تكن فكرة الكتاب، الذي قدم خلال جلسة حوارية أقيمت في إطار فعاليات معرض الشارقة الدولي للكتاب 2026 بعنوان "البصمة الوراثية لرأس المال البشري في وطن"، وليدة مشروع تأليفي مسبق، بقدر ما جاءت نتيجة تساؤلات راودت لابريك، المقيم بالإمارات، حول العوامل التي مكنت هذه الدولة من تحقيق تحول عمراني واقتصادي وتكنولوجي لافت. وهي تساؤلات تعززت من خلال تنقله بين بلدان مختلفة، قبل أن يجد في لقائه بالمحمودي، واستماعه إلى محطات من تجربته الشخصية والمهنية، مدخلا لفهم جانب آخر من هذه التجربة، يرتبط بالإنسان الذي كان في صلب التحولات التي عرفتها البلاد.
ويعود لابريك، في حديثه مع "الصحراء المغربية"، إلى بداية هذا المشروع، موضحا أن اهتمامه بالتجربة الإماراتية لم يكن مرتبطا فقط بما تشهده من تطور عمراني، وما تعرفه مدنها من توسع في البنيات التحتية والمشروعات التكنولوجية، وإنما برغبته في معرفة الكيفية التي استطاع بها أبناء هذا البلد الإسهام في تحقيق هذه التحولات. وقال إن تنقله عبر بلدان مختلفة لم ينه تساؤلاته حول سر هذا التطور، إلى أن جمعه لقاء بحسين المحمودي، خلال استضافته في برنامجه الحواري الذي يستقبل فيه رؤساء تنفيذيين ومسؤولين عن مؤسسات وشركات.
وكان حديث المحمودي عن طفولته ومساره التعليمي والمهني، وما عايشه من تحولات منذ نشأته إلى اليوم، نقطة التحول في مسار الفكرة، إذ وجد لابريك في هذه التجربة الشخصية مدخلا لفهم العلاقة بين بناء الإنسان وتطور الدولة، قبل أن يقترح تحويل هذا الحوار إلى مشروع كتاب مشترك.
ويوضح لابريك أن الإصدار ينطلق من محاولة قراءة التطور الإماراتي من زاوية مغايرة، لا تجعل الأبراج والمشروعات الاقتصادية واجهة وحيدة للتجربة، وإنما تبحث في الجهود التي بذلت في تكوين الأفراد وتأهيلهم، وإعدادهم للمساهمة في تحقيق الطموحات التنموية. فخلف كل مشروع، بحسب هذه الرؤية، مسار من التعليم والتكوين وإتاحة الفرص، وهي عناصر تستحق التوثيق والتعريف بها.
من جانبه، يرى حسين المحمودي أن الكتاب يتيح التعريف بالتجربة الإماراتية في تنمية رأس المال البشري، ونقل صورة عن النموذج الذي اعتمدته الدولة في تطوير شبابها وكفاءاتها، في وقت يظل فيه الاهتمام الخارجي منصبا، في كثير من الأحيان، على المؤشرات الاقتصادية والعمرانية والسياحية.
وقال المحمودي، في تصريحه لـ"الصحراء المغربية"، إن الكتاب يشكل فرصة لتقديم تجربة الاستثمار في الإنسان من خلال منظور شخص عاش مراحل تطور بلاده، وعايش مختلف التحولات التي مرت بها، مضيفا أن ما يميز هذا العمل أيضا هو أنه ثمرة تعاون ثقافي بين كفاءتين عربيتين تنتميان إلى مجال الأعمال، اختارتا توظيف خبرتهما في مشروع معرفي مشترك.
ولفت إلى أن التعاون العربي يشهد نماذج متعددة في مجالات الأعمال والشركات الناشئة والتكنولوجيا، غير أن الشراكات الثقافية تتيح بدورها إمكانات مهمة لتبادل التجارب ونقل المعرفة، معربا عن أمله في أن يشكل هذا العمل رسالة إلى الشباب والشابات في العالم العربي للاهتمام بالتجارب الناجحة في بلدانهم، والتعريف بها وإتاحة الاستفادة منها على نطاق أوسع.
ولا يقدم الكتاب مسيرة المحمودي باعتبارها تجربة مهنية منفصلة عن سياقها، بل يتخذ منها مدخلا لاستعراض التحولات التي عرفتها الإمارات، وكيف أسهمت فرص التعليم والانفتاح على الخبرات الدولية في تشكيل مسارات أفرادها وإعدادهم لتحمل مسؤوليات مهنية وقيادية. كما يتوقف عند دور الرؤية القيادية في توفير البيئة التي تسمح بتطوير القدرات وتحويل الطموحات إلى مبادرات ومؤسسات.
وفي هذا الإطار، يبرز الإصدار دور سمو الشيخ سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، في دعم التعليم والمعرفة والاستثمار في الإنسان، وما أتاحته رؤيته من فرص أمام أبناء الإمارة لتنمية مؤهلاتهم والانخراط في مسارات التنمية والابتكار.
ويتناول الكتاب نماذج من التجارب التي ارتبطت بمسيرة المحمودي، من بينها مشروع «الشارقة 2050»، ومجمع الشارقة للبحوث والتكنولوجيا والابتكار، ومركز الشارقة لريادة الأعمال «شراع»، إلى جانب أهمية بناء جسور التعاون بين الجامعات ومراكز البحث العلمي والقطاع الصناعي، والاستفادة من الخبرات الدولية في تطوير مجالات البحث والابتكار وريادة الأعمال.
ويكتسب هذا التعاون المغربي الإماراتي بعدا إضافيا من خلال تطلع مؤلفي الكتاب إلى نقل التجربة إلى قراء خارج حدود الإمارات، وعدم حصرها في سياقها المحلي. وفي هذا الصدد، كشف رشيد لابريك عن وجود خطة للنشر والتوزيع تستهدف مختلف البلدان العربية، إلى جانب أسواق أوروبية، بهدف توسيع دائرة التعريف بمضامين الإصدار وما يقدمه من قراءة للتجربة الإماراتية.