الدكتور حمضي يقدم حقائق سريرية حول داء الدفتيريا ومستجدات الحالة الوبائية بالمغرب

الصحراء المغربية
الثلاثاء 29 شتنبر 2026 - 17:38

أوضح الدكتور الطيب حمضي، طبيب وباحث في سياسات ونظم الصحة (نائب رئيس الفيدرالية الوطنية للصحة)، أن الدفتيريا عدوى بكتيرية أصبحت نادرة في البلدان ذات التغطية التلقيحية المرتفعة، لكنها لم تختفِ، ويمكن أن تعاود الظهور متى وُجدت فئات لم تتلق التلقيح بشكل كاف، مشيرا إلى أن الشكل التنفسي يُعد حالة طبية طارئة، لأن البكتيريا قد تنتج سُما قادرا على إلحاق الضرر بالمسالك التنفسية والقلب والجهاز العصبي.

وأفاد الدكتور حمص في تصريح لـ"الصحراء المغربية"، أن هذا المرض يعزى أساسا إلى بكتيريا Corynebacterium diphtérie. مضيفا أنه ليست جميع السلالات خطرة، إذ تنتج الأشكال الشديدة خصوصا عن السلالات التي تفرز ذيفان الدفتيريا، ويؤدي هذا الذيفان إلى تخريب الأنسجة موضعيا، كما يمكن أن ينتقل إلى الدم.
وحسب الدكتور حمضي، تنتقل العدوى أساسا عبر الرذاذ التنفسي والمخالطة القريبة لشخص مصاب، كما يمكن للدفتيريا الجلدية أن تنقل البكتيريا عن طريق ملامسة الجروح، ويمكن أيضا لحاملي البكتيريا من دون أعراض نقل العدوى، مشيرا إلى أن فترة الحضانة غالبا ما تتراوح بين يومين و5 أيام، وقد تمتد تقريبا من يوم واحد إلى 10 أيام.
وأضاف الدكتور حمضي أنه من دون علاج، تستمر قابلية نقل العدوى عادة نحو أسبوعين، وقد تطول أكثر من ذلك، ويؤدي العلاج الفعّال بالمضادات الحيوية إلى خفض طرح البكتيريا بشكل كبير خلال 24 إلى 48 ساعة، مشيرا إلى أن رقم التكاثر الأساسي R0 يقدر، بحسب الدراسات والسياقات، بنحو 1.7 إلى 4.3 أي إن الشخص المصاب قد ينقل العدوى إلى ما بين 1.7 و4.3 أشخاص غير مصابين، ويزداد انتقال العدوى عندما تكون مناعة السكان غير كافية.

الأعراض والأشكال السريرية

أوضح الدكتور حمضي أن المرض يبدأ غالبا بألم في الحلق، وإرهاق، وحمى معتدلة، وصعوبة في البلع، وتضخم العقد اللمفاوية في الرقبة، مشيرا إلى أن أكثر العلامات دلالةً ظهور غشاء كاذب سميك وملتصق، رمادي مائل إلى البياض، على اللوزتين أو الحلق، وقد يمتد إلى أسفل نحو الحنجرة فيعيق التنفس، وفي الحالات الشديدة قد يظهر تورم واضح في الرقبة.
وأضاف المتحدث ذاته أنه يمكن أن تكون الدفتيريا بلعومية أو لوزية أو حنجرية أو أنفية أو جلدية، وتُعد الأشكال التنفسية الأكثر خطورة لأنها قد تؤدي إلى انسداد المسالك الهوائية وانتشار الذيفان في الجسم.

المضاعفات ومعدل الإماتة

أكد الدكتور حمضي أن شدة المرض ترتبط أساسا بآليتين: انسداد المسالك التنفسية بسبب الغشاء الكاذب، وتأثير الذيفان، حيث يمكن أن يسبب الذيفان التهاب عضلة القلب مع اضطرابات في النظام القلبي أو قصوراً في القلب، كما قد يؤدي إلى اعتلالات عصبية يمكن أن تسبب شللاً، بما في ذلك شلل عضلات التنفس في بعض الحالات.
ويبقى معدل الإماتة في حالات الدفتيريا السريرية عموماً، حسب الدكتور حمضي، في حدود 5 إلى 10 في المائة رغم العلاجات الحديثة (أي إنها تودي بحياة 5 إلى 10 في المائة من الحالات). وقد يصل إلى نحو 20 في المائة لدى الأطفال الصغار جداً ولدى البالغين الأكبر سناً، وقد يكون أعلى بكثير في غياب التلقيح أو العلاج المناسب.

التشخيص والاستشفاء والعلاج

أبرز الدكتور حمضي أن التشخيص يعتمد أولا على العلامات السريرية، ثم يُؤكد بواسطة أخذ عينات، وأنه عند الاشتباه القوي في دفتيريا تنفسية، لا ينبغي انتظار التأكيد النهائي من المختبر قبل بدء العلاج.
وأشار إلى أن الحالة المشتبه في كونها دفتيريا تنفسية عادة تتطلب الاستشفاء والعزل المناسب، وتعتمد الرعاية على مضاد ذيفان الدفتيريا (المصل المضاد للدفتيريا)، الذي يعادل الذيفان الذي لا يزال حرا في الجسم، وعلى المضادات الحيوية التي تقضي على البكتيريا وتحد من انتقال العدوى. ويجب تحديد المخالطين المقرّبين ومتابعتهم، وتقديم الوقاية بالمضادات الحيوية واستدراك التلقيح لهم بحسب حالتهم.

التلقيح..

أفاد الدكتور حمضي أن لقاح الدفتيريا هو لقاح يعتمد على ذيفان مُعطل، إذ يُعطل الذيفان لتحفيز استجابة مناعية من دون التسبب في المرض، ويُعطى عادة ضمن لقاحات مشتركة ضد الكزاز والسعال الديكي، وأحيانا مع مستضدات أخرى، مؤكدا أن التلقيح يوفر حماية فعالة جدا من الأشكال الشديدة، إلا أن مستوى الحماية ينخفض مع مرور الوقت، لذلك تكتسي الجرعات التذكيرية أهمية كبيرة. ويحمي اللقاح أساسا من آثار الذيفان، وقد تُستعمر البكتيريا جسم شخص مُلقح في حالات استثنائية، لكنه يظل أكثر حماية بكثير من الإصابة بمرض شديد.

الوضع العالمي

ذكر الدكتور حمضي أن الدفتيريا تراجعت بشكل كبير بفضل التلقيح، لكن ما تزال تُسجل عدة آلاف من الحالات سنوياً، وتعاود الفاشيات الظهور خصوصا عندما تتراجع التغطية التلقيحية أو تصبح غير متكافئة، لا سيما في سياقات النزاعات أو نزوح السكان أو ضعف الوصول إلى الرعاية الصحية، مشيرا إلى أنه في إفريقيا، شهدت عدة بلدان فاشيات حديثة، من بينها الجزائر وموريتانيا.

تاريخ الدفتيريا في المغرب

على المستوى الوطني، أفاد الدكتور حمضي أن المغرب شهد أوبئة للدفتيريا قبل تعميم التلقيح، وأدى تطوير البرنامج الوطني للتمنيع إلى انخفاض كبير جدا في عدد الحالات، إذ سُجلت 14 حالة سنة 1989 وحالة واحدة فقط سنة 1991، ثم اختفى المرض عملياً من البلاغات لعدة عقود، مشيرا إلى أن التغطية الوطنية بالتلقيح ضد الدفتيريا تعد مرتفعة، وتبلغ نحو 96 في المائة وفق أحدث التقديرات الدولية المتاحة، مضيفا "غير أن هذا المتوسط قد يخفي جيوبا محلية ذات تغطية تلقيحية غير كافية".

مستجدات المغرب.. شتنبر 2026

وأوضح الدكتور حمضي أنه في 28 شتنبر 2026، تأكد مخبريا تسجيل حالة دفتيريا في جهة سوس-ماسة، وتم تحديد بؤرتين عائليتين في أكادير إداوتنان واشتوكة آيت باها، وكانت ثماني حالات أخرى لا تزال تخضع لتحريات مخبرية، من بينها حالتا وفاة.
ويرى الدكتور حمضي أنه من المهم التمييز بين وضعية الحالات، حيث إنه في ذلك التاريخ، لم يكن الأمر يتعلق بتسع حالات مؤكدة، بل بحالة واحدة مؤكدة مخبريا وثماني حالات قيد التحري. ووفق المعلومات المتداولة محليا، كانت الحالة المؤكدة تنتمي إلى أسرة توفي فيها طفلان، كما أن عددا من الأطفال المعنيين لم يكونوا ملقحين أو كانوا قد تلقوا التلقيح بشكل غير مكتمل.
وحسب الدكتور حمضي، تشير هذه المعطيات إلى عودة محلية مهمة للمرض، لكنها لا تكفي للحديث عن وباء وطني.

الاستجابة والنقاط الواجب تتبعها

وأفاد الدكتور حمضي أن السلطات الصحية وضعت التدابير المعتادة موضع التنفيذ: وتهم التحقيق حول الحالات، والبحث عن المخالطين وتتبعهم، وأخذ العينات، وتقديم الوقاية بالمضادات الحيوية عند الحاجة، واستدراك التلقيح، كما جرى التحقق من دفاتر التلقيح في بعض المؤسسات التعليمية.
وحسب الدكتور حمضي، ستتمثل العناصر الحاسمة المقبلة في العدد النهائي للحالات المؤكدة، والسبب الدقيق للوفيات، واحتمال ظهور حالات لا تربطها صلة عائلية بالبؤر الأولى، ورصد وجود بؤر أخرى في البلاد من عدمه.

رسائل أساسية:

وأكد الدكتور حمضي أن الدفتيريا مرض نادر، لكنه قد يكون مميتاً. ويكمن خطره الرئيسي في الذيفان الذي تنتجه بعض السلالات البكتيرية، مبرزا أن التلقيح يظل وسيلة الوقاية الأساسية. وفي المغرب، يضيف الدكتور حمضي، فإن تأكيد حالة في شتنبر 2026 بعد عدة عقود من شبه اختفاء المرض يبرر تعزيز اليقظة، خصوصا لدى الفئات التي لم تتلق التلقيح بشكل كاف.
وأضاف الدكتور حمضي أنه عند حدوث ألم في الحلق مصحوب بغشاء رمادي ملتصق، أو تورم واضح في الرقبة، أو صعوبة في التنفس، يجب طلب استشارة طبية عاجلة، ولا ينبغي محاولة إزالة الغشاء الكاذب ذاتيا.




تابعونا على فيسبوك