مع اشتداد حرارة الحملة الانتخابية التي تسبق الاستحقاقات الانتخابية، تتجه الأنظار إلى طبيعة المعركة التي ستدور رحاها، سواء على مستوى الأفكار والمشاريع أو عبر المنصات والمواقع التي باتت تشكل بشكل أو بآخر فضاء مؤثرا في إدارة الحملات الانتخابية.
وفي هذا السياق، قال الدكتور رشيد لبكر، أستاذ القانون العام بكلية العلوم القانونية والسياسية- جامعة شعيب الدكالي بالجديدة للعلوم السياسية، إن "حرب" مواقع التواصل الاجتماعي مرشحة للعب دور كبير في إدارة دفة الانتخابات، وتوجيه نتائجها، مشددا على أن فعالية هذا النوع من الحملات تظل رهينة بتحولها إلى ساحة لتنافس الأفكار والمشاريع، بدل أن تنزلق إلى "كلاشات" بين الزعماء والمتحدثين، بما قد يحول النزال الانتخابي إلى "سيرك" سياسي يساهم في تمييع النقاش وتوسيع قاعدة حزب "المقاطعين".
وأضاف رشيد لبكر، في حوار مع "الصحراء المغربية"، أن معالم الخريطة السياسية بعد الانتخابات لا يبدو أنها ستشهد تغييرا في بنيتها العامة، متوقعا أن تحافظ الأحزاب الثلاثة (أحزاب الأغلبية" على تقدمها، مع إمكانية تبادل الأدوار بينها.
وفيما يتعلق بالقوانين الانتخابية، أوضح أن هذه القوانين صممت، على العكس، بما يضع حدا لتغول أي حزب من الأحزاب المشاركة في العملية الانتخابية، مشيرا إلى أن اعتماد الحاصل الانتخابي بناء على عدد المسجلين وليس عدد المصوتين يشكل، في حد ذاته، آلية للحيلولة دون الهيمنة السياسية.
كما أعرب عن أسفه لما وصفه بإحدى أبرز مآسي الواقع الانتخابي، والمتمثلة في سهولة حشد "الفئات الهشة"، واستثمارها ضمن استراتيجيات تعبئة الأصوات الانتخابية.
- كيف تقرأون لجوء الأحزاب إلى تنظيم مهرجانات خطابية كبرى لزعمائها واستعراض أعداد المشاركين فيها، وهل تعكس هذه الأرقام فعلا حجم القوة الانتخابية أم أنها جزء من استراتيجية لإبراز الحضور السياسي؟
**من حيث المبدأ شيء عادي وطبيعي عقد مثل هذه التجمعات الخطابية، فهذا ما نجده في كل الحملات الانتخابية وعبر شتى الديمقراطيات في العالم، وكلما كان العدد كبيرا إلا وأعطى مؤشرا على قوة الحزب وتغلغله الجماهيري وامتداده الشعبي، لكن شريطة أن يكون هذا الحضور الجماهيري معبرا فعلا عن قوة الحزب، وليس مجرد حشد وتجييش لفئات معينة من المجتمع، مقابل منح معينة قد تكون نقودا، كما قد تكون مجرد استفادة من ولائم إطعام جماعي. هنا حيث يكمن الفرق، وبظني، أن العديد من هذه التجمعات، ولا أقول كلها، تنتمي إلى النوع الثاني، وقد تابعنا كيف أن الحضور في بعضها كان تائها، غائبا تماما، عندما وجه له الميكروفون للإدلاء بتصريح حول سبب حضوره للتجمع وما يقال فيه، بل إن بعض التصريحات كانت تبعث على الضحك والأسى، وشكلت بذاتها فضيحة من فضائح الحملات الكبرى، وقد تابعت أخيرا فيديو لأحد الأشخاص وهو لا يتردد في تغيير القميص الذي يحمل شعار الأحزاب، ويتنقل بين هذا التجمع وذاك، من لون إلى لون، باستهتار ولا مبالاة، لأنه وبكل بساطة غير واع بالسلوك الذي يقوم به، ولا بالجريمة التي يقترفها في حق الديموقراطية. فمثل هؤلاء في نظري، عبء حقيقي على الانتخابات و"مشوشات" حقيقية على الأحزاب الحقيقية، وعلى حرية الاختيار، ومن الصعب في نظري، بناء تمثيلية حقيقية في مجتمع غارق في بحر من الأمية السياسية…مع الأسف هذا أسلوب العديد من الأحزاب، وهي استراتيجيتها لإبراز الحضور، يؤسفني القول إن من مآسي واقعنا الانتخابي، سهولة جمع حشود المستضعفين، والاستقواء بهم في استراتيجية تعبئة الأصوات.
- في نظركم، إلى أي حد ستسهم القوانين الانتخابية في تكريس هيمنة الأحزاب الكبرى، وهل يمكن أن تحمل محطة 23 شتنبر مفاجآت تعيد رسم الخريطة السياسية وتغير موازين القوى للمرحلة المقبلة؟
** أعتقد أن القوانين الانتخابية على العكس صممت لكي تضع حدا لتوغل أي حزب من الأحزاب المشاركة في العملية الانتخابية، تكفي الإشارة بهذا الخصوص، إلى أن الحاصل الانتخابي بناء على عدد المسجلين، وليس عدد المصوتين كاف وحده للحيلولة دون الهيمنة التي نتحدث عنها. ربما كانت الفكرة هي ضمان تمثيلية برلمانية أكبر لكي تشمل حتى الأحزاب الحاصلة على أقل نسبة من الأصوات، وبالتالي تمكينها من الظفر ولو بالحد الأدنى من المقاعد، ولكن هذا التبرير يكون صحيحا لو كانت هذه الأحزاب بالفعل ذات قيمة مضافة في المشهد السياسي، وتحمل أفكارا ولها مشاريع مجتمعية كبرى تدافع عنها بعيدا عن منطق المقعد فقط، فهذا هو الشرط كي لا تنحرف التعددية كفكرة عن منطلقها الديموقراطي، وتتحول بالتالي إلى أداة لبلقنة المشهد السياسي بأشخاص يقتاتون من السياسة، بدل أن تكون مشروعا لتخصيب الرؤى وتعدد الأفكار. أما بخصوص معالم الخريطة السياسية بعد الانتخابات، فأعتقد أن لا شيء سيتغير في البنية العامة، وستحافظ الأحزاب الثلاثة (الأغلبية الحالية) على تقدمها مع تبادل الأدوار، بحيث أتوقع أن تكون الريادة هذه المرة لحزب الأصالة والمعاصرة بالنظر لقوة خطاب صقوره، واستفادته من تصدع شعبية حزب الأحرار بعد قيادته للحكومة لولايتين، كما أتوقع صعودا جديدا لحزب العدالة والتنمية دون أن أستطيع تصنيفه مع من سيكون. فخصومة الأحرار و"البام" وصلت إلى مستويات متقدمة، أما العدالة والتنمية، فلحد الآن يمارس أسلوبا هادئا ومهادنا، سيما اتجاه حزب الأصالة والمعاصرة، وقد تحدث مفاجئات فكل شيء ممكن في السياسة.
- مع تنامي الاعتماد على شبكات التواصل الاجتماعي في الحملات الانتخابية، إلى أي حد أصبحت هذه المنصات قادرة على منافسة الأساليب التقليدية في التأثير على الناخبين وتوجيه اختياراتهم؟ وهل تحولت فعلا إلى أداة فعالة لاستهداف الجمهور وإقناعه، أم أن تأثيرها يظل محصورا في صناعة التفاعل والضجة الإعلامية المؤقتة؟
** لا يمكن إطلاقا الاستهانة بالدور الذي تلعبه شبكات التواصل الاجتماعي في الحملات الانتخابية، بل على العكس من ذلك، كل حزب أهملها فهو خارج عن التاريخ ومنطق العصر. الآن مع الرقمنة، أصبح من السهل الدخول إلى المنازل ومقرات العمل، بل ومخاطبة المواطن وهو في السيارة أو في عيادة الطبيب ينتظر دوره. إذن يجب نسيان فكرة صعوبة الوصول إلى الناس، وقريبا جدا ستصبح من الماضي. فالرقمنة تلعب اليوم دورا كبيرا في مخاطبة الجماهير، سيما فئة الشباب التي تنشط كثيرا في مواقع التواصل الاجتماعى، وهذا شيء على غاية من الأهمية، المشكل إذن يبقي في المحتوى الذي يجب تمريره وفي الأسلوب المعتمد. لذا قلت سابقا إن خطاب بعض الوجوه أضحى ورقة محروقة، ولا تستطيع هي أن تقنع نفسها بما تقول، فأحرى أن تقنع الآخرين. شخصيا، أتوقع أن تلعب "حرب" المواقع دورا كبيرا في إدارة دفة الانتخابات، وتوجيه نتائج هذه الاستحقاقات، لكن شريطة أن تكون حرب أفكار ومشاريع وليس "كلاشات" بين الزعماء والمتحدثين، وإلا تحول النزال إلى "سيرك" سياسي لتمييع النقاش، وبالتالي توسيع قاعدة حزب "المقاطعين". ثم لا ننسى مسألة أخرى يجب التحذير منها، وهي استغلال الرقمنة لصناعة محتويات كاذبة وملفقة عن طريق الذكاء الاصطناعي لتشويه صورة الخصوم والحط من مكانتهم. أعتقد أن من واجب الدولة التدخل للضرب بقوة ضد كل من ضبط باقتراف مثل هذه الأعمال الدنيئة والمخلة بنظافة الحملة الانتخابية وقدسية التصويت.