تشهد التقنيات الحديثة اليوم تسارعا غير مسبوق بفعل التقدم المتسارع في مجالات الذكاء الاصطناعي التوليدي والقائم على الوكلاء، إلى جانب الآفاق التي تفتحها الحوسبة الكمية ومشاريع الذكاء الاصطناعي العام. وبينما تتيح هذه الطفرة إمكانات واسعة لخلق القيمة واختصار مسافات المعرفة والابتكار، فإنها تعيد تشكيل أنماط التعليم والعمل والتواصل الإنساني بشكل جذري.
ومن هذا المنطلق، يسلط التقرير السنوي للمجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي الضوء على نقطة يقظة رئيسية تنبه إلى أن التحول الرقمي، رغم مقوماته الواعدة، ما يزال يفتقر إلى التمركز الكافي حول الإنسان، مما يفرز تحديات عميقة تمس أبعاد الحقوق، والاستقلالية، والتماسك المجتمعي.
وأفاد المجلس في نقطة اليقظة نفسها أن البيانات الوطنية تبرز تحولا ملموسا في نسبة الولوج إلى التكنولوجيا بالمغرب، حيث تصل نسبة الاتصال بالأنترنت إلى 89.5 في المائة، بينما يتصفح نحو 79.3 في المائة من السكان شبكات التواصل الاجتماعي يوميا، مضيفا أن هذه الدينامية تواكبها مبادرات حكومية ومؤسساتية واعدة للتمكين الرقمي والحماية، تتنوع بين برامج البرمجة للمتمدرسين، وتأهيل الآلاف من الكفاءات الرقمية، وإحداث الفضاءات المعتمدة للتعليم والتكوين المهني، إلى جانب برامج ومبادرات للوقاية من التنمّر السيبراني وتوفير أطر حماية الأطفال على الشبكة.
غير أن القراءة التحليلية للمجلس تنبه إلى أن معظم هذه الجهود لا تزال تتسم بالطابع القطاعي وتفتقر إلى رؤية شمولية تتجاوز البعد التقني والأمني، لتغطي الآثار السلوكية والمعرفية والاجتماعية على نحو يضمن التكافئ والعدالة الرقمية.
ويتجلى أحد أكبر دواعي القلق في انتشار الاستخدام الاستهلاكي المكثف للشاشات والمنصات الرقمية في صفوف الأطفال والشباب، وما يرافقه من ظواهر التحرش الإلكتروني، وتشتت الانتباه، والسلوكيات الإدمانية، وتراجع التفاعل الاجتماعي الفعلي. وتزداد هذه المخاطر حدة في ظل الخوارزميات المصممة لاستنزاف وقت المستخدمين وزيادة تفاعلهم، فضلا عن انتشار التخمة المعلوماتية وانتشار الأخبار الزائفة والتضليل الإعلامي عبر الشبكات، ناهيك عن منح سلطة التقدير والحكم الإنساني لأنظمة تقنية مؤتمتة دون ضوابط كافية.
وأمام هذا الواقع، يؤكد المجلس أن الحفاظ على استقلالية الفكر وحرية القرار يظل مسؤولية بشرية أصيلة يجب عدم التفريط فيها لصالح التكنولوجيا.
ولمواجهة هذه التحديات واستثمار التحول الرقمي كرافعة للسيادة الوطنية الشاملة، يدعو المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي إلى إرساء حكامة استباقية وموحدة تقودها مختلف القطاعات ومكونات المجتمع المدني، مع إيلاء أهمية خاصة لبناء "المناعة الرقمية" لدى الأفراد والأسر باعتبار الأسرة الفضاء الأول للتنشئة. وتتضمن التوصيات إقرار سن الرشد الرقمي ووضع شروط ملزمة على المنصات لمنع تسجيل القاصرين دون موافقة أولياء الأمور، فضلا عن إدماج مسار وطني مندمج للتربية الرقمية والإعلامية والخوارزمية يواكب المواطن في كافة مراحل حياته التعليمية والمهنية.
وفي السياق ذاته، يوصي المجلس بإحداث منظومة وطنية للرصد الاستراتيجي والاستشراف المبكر، واستثمار العلوم الإنسانية والاجتماعية لفهم المتغيرات السلوكية المصاحبة للتكنولوجيا، إلى جانب صياغة إطار مرجعي وطني يعنى ببلورة مرجعية مشتركة للإنسية الرقمية المغربية، تضمن ملاءمة التطورات التكنولوجية مع الثوابت الثقافية والقانونية والروحية للمملكة. كما يحث التقرير على دعم قدرات البحث والابتكار من خلال إنشاء بيئات متكاملة تجمع بين الجامعات والقطاع الإنتاجي، وتدعيم التعاون الدولي لتبادل الخبرات وتقنين المنصات الرقمية، بما يكفل للبلاد مواكبة التحولات العالمية بثبات، وتمكين المواطنين من العصر الرقمي دون المساس بحقوقهم وكرامتهم الإنسانية.