الساعة تشير إلى الثامنة والنصف صباحا، وميناء طنجة المتوسط ينبض بحركة استثنائية، حقائب مصطفة، وعائلات تترقب موعد الإبحار، وحركة لا تتوقف داخل مختلف مرافق الميناء. عشرات السيارات القادمة من مختلف الدول الأوروبية تصطف في هدوء، فيما يواصل المسافرون استكمال آخر الإجراءات قبل الصعود إلى السفن المتجهة نحو الضفة الأخرى.
وهنا، لا يتعلق الأمر بمجرد رحلة سفر عادية كما قد تبدو للبعض، بل هي أصبحت بمثابة موعد سنوي يجمع ملايين المغاربة المقيمين بالخارج بأرض الوطن، بعد أشهر من الغياب، ولحظات الانتظار أمام بوابات الميناء وحدها كافية لتختصر شوق العودة، وتكشف حجم التنظيم الذي يرافق هذه العملية.
ووسط هذه الأجواء، رافقت كاميرا "الصحراء المغربية" مختلف مراحل عملية "مرحبا 2026"، ذلك في رحلة ميدانية انطلقت من ميناء طنجة المتوسط وصولا إلى ميناء الجزيرة الخضراء، لرؤية الجهود التي يتم بذلها لإنجاح هذه العملية.
ومن قلب هذه الرحلة، انتقلت كاميرا "الصحراء المغربية" على متن إحدى السفن المتجهة إلى ميناء الجزيرة الخضراء، حيث تمت معاينة مختلف مراحل عملية العبور، من استقبال المسافرين وإجراءات المراقبة إلى إركاب الأشخاص والسيارات، ذلك في إطار تنسيق مغربي إسباني لضمان انسيابية الحركة وسلامة العابرين.
وقبل التوجه السفينة، استهلت التغطية بحضور عرض قدمته مؤسسة محمد الخامس للتضامن، خصص لاستعراض آخر المعطيات والإحصائيات المتعلقة بعملية "مرحبا 2026"، إلى جانب مختلف التدابير التنظيمية واللوجستية التي تم اعتمادها لضمان استقبال أفراد الجالية المغربية المقيمة بالخارج في أفضل الظروف.
أرقام تعكس وتيرة متصاعدة لعملية العبور
العملية، التي تشرف عليها مؤسسة محمد الخامس للتضامن خلال الفترة الممتدة من 10 يونيو إلى 15 شتنبر، بلغت مرحلة الذروة، إذ تؤكد المعطيات الرسمية أن عدد الوافدين إلى المملكة بلغ، إلى غاية 20 يوليوز، مليونا و862 ألفا و609 مسافرين، بزيادة قدرها 1.04 في المائة مقارنة بالفترة نفسها من السنة الماضية
وتوزع الوافدون بين 938 ألفا و641 مسافرا عبر المطارات، بما يمثل 50.39 في المائة من إجمالي العابرين، و923 ألفا و968 مسافرا عبر الموانئ بنسبة 49.61 في المائة، في وقت تواصل فيه السلطات المغربية والإسبانية تعزيز التدابير التنظيمية واللوجستية لتسهيل حركة العبور.
وخلال العرض، أوضحت سناء درديخ، مديرة التواصل بمؤسسة محمد الخامس للتضامن، أن المؤسسة قدمت، إلى غاية 20 يوليوز، خدماتها لفائدة 21 ألفا و413 شخصا، من بينهم 2417 مستفيدا من الرعاية الطبية والعلاج، و3609 أشخاص من المساعدة الإدارية والقانونية وخدمات النقل، إضافة إلى 14 ألفا و417 خدمة للمواكبة والإرشاد
وأضافت أن المؤسسة عبأت، في إطار عملية "مرحبا 2026"، 26 مركز استقبال، منها 20 مركزا داخل المملكة و6 مراكز بالخارج موزعة بين إسبانيا وفرنسا وإيطاليا، لمواكبة أفراد الجالية المغربية المقيمة بالخارج منذ انطلاق رحلتهم إلى غاية وصولهم إلى أرض الوطن.
ومن داخل ميناء الجزيرة الخضراء، أكد عبد الله بيدو، القنصل العام للمملكة المغربية، أن عملية "مرحبا" تحظى بعناية خاصة من صاحب الجلالة الملك محمد السادس، وهو ما يترجم، حسب قوله، في مختلف الإجراءات المتخذة لتوفير أفضل ظروف الاستقبال والمواكبة لأفراد الجالية المغربية المقيمة بالخارج.
وأوضح بيدو أن نسخة 2026 استفادت من التجارب المتراكمة خلال السنوات الماضية، مشيرا إلى أن اعتماد النظام الأوروبي الجديد لمراقبة الحدود لم يؤثر على السير العادي للعملية، التي تتواصل في ظروف عادية ودون عراقيل تذكر. كما دعا أفراد الجالية إلى اقتناء تذاكر السفر عبر القنوات الرسمية، والتأكد من صلاحية وثائق السفر، واحترام مواعيد العبور المحددة، بما يساهم في الحفاظ على انسيابية العملية.
تنسيق مغربي إسباني لضمان نجاح العملية
ومن جانبه، أكد مانويل سانشيز ألكزار، المتحدث الرسمي باسم سلطة ميناء خليج الجزيرة الخضراء، أن نجاح عملية "مرحبا" يعود إلى التخطيط المسبق والتنسيق اليومي بين القنصلية المغربية، ومؤسسة محمد الخامس للتضامن، وسلطات الموانئ المغربية والإسبانية.
وأضاف أن التعاون القائم بين ميناء طنجة المتوسط وطنجة المدينة وميناء الجزيرة الخضراء، إلى جانب مختلف المتدخلين، يتيح الاستجابة السريعة لمختلف الحالات، ويضمن مرور مرحلتي الذهاب والإياب في أفضل الظروف، مؤكدا أن عملية "مرحبا" تعد من أكبر العمليات اللوجستية الخاصة بعبور المسافرين على الصعيد العالمي.
وهكذا، وبين ضفتي مضيق جبل طارق، تتواصل رحلات العودة إلى الوطن، حاملة معها قصص اللقاء ودفء الانتماء، ومع استمرار التعبئة الميدانية والتنسيق بين مختلف المتدخلين، تبقى عملية “مرحبا 2026” أكثر من مجرد عملية عبور، بل موعدا سنويا يجسد العناية التي يحيط بها المغرب أبناءه المقيمين بالخارج، وحرصه على أن تبدأ رحلة العودة إلى الوطن بالأمان، وتنتهي بفرحة اللقاء.