لم تعد قضايا الصحة العامة مرتبطة فقط بالبعد الطبي أو التوعوي، بل أصبحت اليوم في صلب التحولات الاقتصادية الكبرى التي تعيد تشكيل علاقة الشركات بالابتكار، والتنظيم، والمستهلك، وصناعة القرار.
ومن هذا المنطلق، شكلت فعاليات “Technovation 2026”، التي نظمتها شركة فيليب موريس إنترناشيونال بالرباط، مناسبة لإبراز كيف يمكن للعلم والابتكار أن يتحولا إلى رافعة اقتصادية، تدعم سياسات الصحة العامة وتفتح آفاقا جديدة أمام الاستثمار في حلول بديلة قائمة على المعرفة والتكنولوجيا.
التظاهرة، التي جمعت خبراء دوليين في الصحة العامة، وباحثين وأكاديميين، وممثلين عن جمعيات حماية المستهلك، إلى جانب صناع القرار ومهنيين في قطاع الإعلام، لم تكن مجرد لقاء علمي، بل منصة متعددة الأبعاد لمناقشة مستقبل قطاع يشهد تحولا عميقا على المستوى العالمي، بفعل تزايد الاهتمام بالمنتجات الخالية من الدخان، والبحث عن بدائل موجهة للمدخنين البالغين الذين لا يقلعون عن التدخين.
وتحت شعار “الابتكار في خدمة الصحة العامة”، طرحت Technovation 2026 سؤالا اقتصاديا محوريا: كيف يمكن تحويل التقدم العلمي إلى سياسات عملية، وأسواق منظمة، وحلول قابلة للقياس، بما يضمن في الوقت ذاته حماية المستهلك، وتعزيز الثقة، وتحفيز الاستثمار المسؤول؟
في هذا السياق، شدد توماسو دي جيوفاني، نائب رئيس شركة “فيليب موريس إنترناشيونال” المكلف بالتواصل والشؤون العامة، في كلمته الافتتاحية، على أن تحقيق تقدم مستدام لا يقوم على التكنولوجيا وحدها، بل يتطلب تكاملا بين البحث العلمي، والثقة، والأطر التنظيمية، وسلوكيات المستهلكين. وهي مقاربة تعكس تحولا في رؤية الفاعلين الاقتصاديين، حيث لم يعد الابتكار مجرد عامل تنافسي داخل السوق، بل أصبح جزءا من منظومة أوسع تشمل السياسات العمومية، والمعايير العلمية، والقبول المجتمعي.
ومن الناحية الاقتصادية، يبرز هذا التحول من خلال حجم الاستثمارات التي وجهتها PMI منذ سنة 2008 نحو تطوير منتجات خالية من الاحتراق والتحقق من جدواها علميا وتسويقها، والتي تجاوزت 16 مليار دولار أمريكي. ويعكس هذا الرقم حجم الرهان العالمي على البحث والتطوير، ليس فقط كأداة لتحسين المنتجات، بل كمدخل لإعادة بناء نموذج أعمال كامل ينتقل تدريجيا من المنتجات التقليدية إلى حلول بديلة تعتمد على التكنولوجيا والبيانات والدراسات العلمية.
كما تكشف الأرقام التي عرضتها الشركة عن تغير متسارع في بنية إيراداتها، إذ مثلت المنتجات الخالية من الاحتراق 41 في المائة من إجمالي صافي إيرادات PMI خلال الأشهر التسعة الأولى من سنة 2025. ويؤشر ذلك على أن التحول نحو بدائل خالية من الدخان لم يعد توجها هامشيا، بل أصبح مكونا أساسيا في الاقتصاد العالمي المرتبط بقطاع السلع الاستهلاكية، بما يحمله من آثار على سلاسل الإنتاج، والاستثمار الصناعي، والتسويق، والتنظيم، وحماية المستهلك.
وشكلت الجلسة الأولى، التي حملت عنوان “من رؤية طموحة إلى نتائج ملموسة”، مناسبة لمناقشة سبل تكييف الابتكار العلمي مع واقع أسواق شمال إفريقيا. وبرز خلال النقاش، الذي شارك فيه توماسو دي جيوفاني وتايلان سوير، المدير العام لشركة PMI بالمنطقة المغاربية، أن نجاح أي تحول اقتصادي في هذا المجال يمر عبر فهم خصوصيات الأسواق المحلية، وطبيعة الطلب، ومستوى الوعي، وقدرة الأطر التنظيمية على مواكبة التطور العلمي والتكنولوجي.
وقد حضرت هذه الرؤية بوضوح خلال الجلسة المخصصة لموضوع “السيادة الإفريقية في صنع القرار في مجال السياسات الصحية”، بمشاركة خبراء من المغرب وتونس وليبيا والسنغال. وأكد المشاركون أهمية تمكين الدول الإفريقية من بلورة سياسات صحية تستند إلى المعطيات العلمية، لكنها تنطلق أيضا من خصوصياتها الوطنية. ومن منظور اقتصادي، فإن السيادة في صنع القرار الصحي تعني كذلك القدرة على بناء منظومات تنظيمية مستقلة، وتحفيز البحث، وتوجيه الاستثمارات نحو حلول تلائم حاجيات السكان بدل الاكتفاء باستيراد نماذج خارجية.
كما سلطت جلسة “وضع المستهلك في صلب المعلومة” الضوء على أحد العناصر الحاسمة في اقتصاد الابتكار، وهو الثقة. فالمستهلك، في الأسواق الحديثة، لم يعد متلقيا سلبيا للمنتجات، بل أصبح طرفا أساسيا في تحديد نجاح التحولات الاقتصادية، خصوصا عندما يتعلق الأمر بمنتجات مرتبطة بالصحة العامة. ومن هنا تبرز أهمية توفير معلومات شفافة، دقيقة، ومبنية على الأدلة العلمية، بما يتيح للمدخنين البالغين اتخاذ قرارات مبنية على المعرفة، ويحد في الوقت ذاته من التضليل وسوء الفهم