أكد رشيد السايحي، المدير العام لمركز النقديات، أن الدورة الافتتاحية لـ "موعد المديرين الماليين ومديري الشؤون الإدارية والمالية بالمغرب" تسلط الضوء على موضوع بالغ الأهمية يتمثل في الفوترة الإلكترونية، باعتبارها ورشا تنظيميا ورقميا مقبلا على إحداث تحول عميق في طرق اشتغال المقاولات والمديريات المالية.
وأوضح السايحي، في تصريح خص به "الصحراء المغربية"، أن اختيار هذا الموضوع لم يكن اعتباطيا، بل يأتي في سياق إعلان المديرية العامة للضرائب عن قرب جاهزية مشروع الفوترة الإلكترونية، الذي يوجد حاليا في مراحل إعداد متقدمة، في أفق إصدار الإطار القانوني المنظم له ودخوله حيز التنفيذ بحلول نهاية السنة الجارية، بما سيجعل منه إجراءً إلزامياً بالنسبة إلى المقاولات. وقال في هذا الصدد "نحن نستغل هذا اللقاء لمواكبة الشركات والمديرين الماليين المغاربة، ومساعدتهم على الاستعداد والتهيؤ الاستباقي لهذا الحدث التشريعي والتنظيمي المهم".
وجاء تصريح المدير العام لمركز النقديات على هامش إطلاق أول نسخة من "موعد المديرين الماليين ومديري الشؤون الإدارية والمالية بالمغرب"، الذي احتضنته الدارالبيضاء، تحت شعار "الفاتورة الإلكترونية، الأداء الرقمي والمالية المتصلة". وشكل هذا اللقاء محطة تأسيسية جمعت عددا من الفاعلين المؤسساتيين والماليين والتكنولوجيين، إلى جانب ممثلين عن البنوك ومؤسسات الأداء، والخبراء المحاسبين، والمديريات المالية، وناشري حلول التسيير، والمقاولات المغربية المنخرطة في أوراش التحول الرقمي.
وتأتي هذه المبادرة في لحظة تعرف فيها وظيفة المالية داخل المقاولات واحدة من أعمق مراحل تحولها، بفعل التطور التدريجي للإطار التنظيمي المرتبط بالفوترة الإلكترونية، وتسارع استعمال الأداء الرقمي، واندماج أنظمة التسيير مع المنصات البنكية وواجهات البرمجة التطبيقية، إضافة إلى صعود الأتمتة والبيانات والذكاء الاصطناعي. وهي عناصر باتت تعيد تشكيل الدورة المالية للمقاولة، من الفوترة والتحصيل والتسوية والمطابقة، إلى القيادة واستغلال المعطيات في اتخاذ القرار.
وفي هذا السياق، شدد السايحي على أن التحول الذي تشهده وظيفة المالية لم يعد مقتصرا على رقمنة وسائل الأداء فقط، بل أصبح يشمل مجموع الدورة المالية للمقاولة. فالأمر، حسبه، يتعلق بتحول بنيوي يمس طريقة إصدار الفواتير، وتتبع الأداءات، ومطابقة العمليات، واستغلال البيانات، وتحسين القدرة على القيادة المالية. واعتبر أن المديريات المالية تمثل "الرئة والقلب النابض للمقاولات"، مبرزا أن تطوير آليات عملها ورقمنتها يساهمان بشكل مباشر في تحسين الأداء الإداري والاقتصادي للمقاولة ككل.
كما أبرز المدير العام لمركز النقديات، في كلمته الافتتاحية لهذا اللقاء، أن الأرقام المسجلة خلال السنوات الأخيرة تعكس تحولا عميقا في سلوك المستهلك المغربي، الذي أصبح أكثر انخراطا في استعمال القنوات الرقمية للأداء والخدمات المالية. فقد انتقلت التدفقات المالية الإلكترونية للمواطنين إلى نحو 290 مليار درهم حاليا، بما يؤكد اتساع قاعدة الثقة في حلول الأداء الرقمي، وتنامي حضورها في الحياة اليومية للأفراد والمقاولات.
وتؤكد المعطيات المرتبطة بأنشطة مركز النقديات حجم هذا التحول، إذ مكنت البنيات والمنصات التي يشغلها المركز، خلال سنة 2025، من معالجة أكثر من 500 مليون معاملة، بما يمثل أكثر من 323 مليار درهم من التدفقات المالية.
وتعكس هذه المؤشرات الدور المحوري للمركز في الربط بين الإدارات والمقاولات والبنوك ومؤسسات الأداء والمواطنين، فضلا عن موقعه المتقدم في تتبع تطور استعمالات الأداء والمالية الرقمية بالمغرب.
وفي معرض حديثه عن المنصات الرقمية، التي تواكب هذا التحول، توقف السايحي عند منصتي "فاتورتي" و"وصل"، معتبرا أنهما تشكلان رافعتين أساسيتين لإعادة تشكيل تجربة المستخدم وتبسيط مسارات الأداء. فمنصة "فاتورتي" تسجل اليوم ما يقارب 250 مليون معاملة سنويا، بفضل منظومة متكاملة تجمع البنوك ومؤسسات الأداء وشبكات القرب، ما ساهم في تقليص الضغط على القنوات التقليدية، ووضع حد تدريجي لطوابير الانتظار الطويلة، التي كانت تطبع أداء الضرائب، وواجبات "الفينييت" الضريبة على السيارات، وفواتير الماء والكهرباء وغيرها من الخدمات الأساسية.
أما منصة "وصل"، فتشكل، حسب السايحي، مرحلة جديدة في مسار التوزيع الرقمي متعدد القنوات، إذ تم إطلاقها كبنية تحتية حديثة تهدف إلى تقريب خدمات المقاولات والإدارات العمومية من القنوات الرقمية اليومية للمواطنين. ولا تقتصر أهمية هذه المنصة على تسهيل الأداء، بل تتجاوز المفهوم التقليدي للفاتورة، من خلال تمكين المستخدم من خيارات متعددة عبر تطبيقاته البنكية وقنواته الرقمية المعتادة، مع الحفاظ على سلاسة مسار الأداء ووضوحه.
من جانبه، أكد الهادي شايب عينو، المدير العام للمجموعة المهنية لبنوك المغرب، أن التحول الرقمي الذي يشهده المغرب لم يعد مجرد أفق مستقبلي، بل أصبح واقعا قائما ومحركا أساسيا للتحول الاقتصادي والاجتماعي، واعتبر أن موضوع رقمنة الفاتورة يشكل مدخلاً مركزياً لنقاش أوسع حول رقمنة المنظومة المالية والاقتصادية ككل، بالنظر إلى الترابط الوثيق بين الأداء، والتحصيل، والتصريح، والجبايات، وتدبير المعاملات داخل المقاولات والمؤسسات.
وأبرز شايب عينو أن المغرب راكم تجربة مهمة في مجال الرقمنة المالية، خاصة من خلال تطور منظومة التصريح والأداء الإلكترونيين، ورقمنة عدد من المسارات الجبائية والإدارية، بما ساهم في تسهيل حياة المواطن والمقاولة، وتقليص التعقيدات الإدارية، وتسريع المعاملات. وأشار إلى أن هذه الدينامية تنسجم مع التوجهات الوطنية الرامية إلى تسريع التحول الرقمي وتعزيز نجاعة الخدمات العمومية والمالية.
وشدد المدير العام للمجموعة المهنية لبنوك المغرب على أن إحدى نقاط قوة النموذج المغربي تكمن في "منهجية التشاور" بين القطاعين العام والخاص، مبرزاً أن التحول الرقمي لم يكن وليد قرار أحادي، بل ثمرة تنسيق بين المؤسسات العمومية والسلطات النقدية والقطاع البنكي والمالي وباقي الفاعلين. واعتبر أن هذه المقاربة التشاركية ساعدت على إنضاج عدد من المشاريع الرقمية الكبرى، ومكنت من بناء حلول أكثر مرونة وقابلية للتنفيذ.
كما توقف شايب عينو عند الأثر المباشر للرقمنة على المواطن والمقاولة، مبرزاً أنها لم تعد مجرد أداة تقنية، بل أصبحت رافعة لتبسيط المساطر، وتحسين الأداء المالي، وتقوية الإدماج الاقتصادي والمالي. وأشار في هذا السياق إلى أن الرقمنة أبانت عن نجاعتها في تدبير عدد من البرامج والخدمات، سواء من خلال تسهيل الإجراءات الإدارية والمالية، أو من خلال تمكين المواطنين من الولوج إلى خدمات رقمية أكثر سرعة وفعالية.
وفي قراءة مستقبلية لوظيفة المدير الإداري والمالي، اعتبر شايب عينو أن هذه الوظيفة مدعوة إلى إعادة ابتكار أدوارها في ظل تسارع استعمال الذكاء الاصطناعي والأتمتة. فالمهام الروتينية، حسب تصوره، تتجه أكثر فأكثر نحو المعالجة الآلية، بينما ستتجه وظيفة المالية نحو أدوار أكثر استراتيجية ترتبط بالتحليل، والتوقع، وتدبير المخاطر، ومواكبة القرار داخل المقاولة.
كما لفت إلى أن الذكاء الاصطناعي التوليدي يفتح آفاقاً جديدة أمام المديريات المالية، من خلال تسهيل معالجة المعطيات، والإجابة عن التساؤلات، وتسريع إعداد التقارير والتحليلات. غير أن المرحلة المقبلة، حسبه، قد تحمل تحولا أعمق مع بروز ما يعرف بالذكاء الاصطناعي "الوكيل"، الذي لا يكتفي بتقديم المعطيات أو الاقتراحات، بل يمكن أن ينتقل إلى تنفيذ مهام وتدبير عمليات محددة بناء على أهداف يحددها المسؤول المالي أو المؤسسة.
وتتجه الرؤية المستقبلية لهذا الورش نحو بناء تكامل رقمي شامل يربط بين الأنظمة المالية، وحلول التسيير، والمنصات البنكية، وبنيات الأداء التحتية. ومن شأن هذا التكامل أن يجعل التدفقات المالية والبيانات أكثر سرعة وانسجاما، عبر اعتماد أتمتة شاملة لعمليات مطابقة الحسابات البنكية والمعاملات بشكل فوري وتلقائي.
كما يرتقب أن تعرف مسارات الفوترة والأداء تحولاً نوعياً، بحيث تصبح الفاتورة مستقبلاً مصدرة، ومعروضة، ومصادقاً عليها، ومؤداة، ومطابقة محاسبيا في الوقت الفعلي، مع تقليص شبه تام لهامش الخطأ. وفي هذا التحول، يبرز مركز النقديات باعتباره فاعلاً محورياً لم يعد يقتصر دوره على تشغيل الخدمات، بل بات منصة للربط المتبادل والشراكة المفتوحة مع الشركات الناشئة، وفاعلي التكنولوجيا المالية، ومطوري الحلول الرقمية، بما يفتح المجال أمام ابتكار مشترك لتجارب استخدام جديدة ومتكاملة تعزز تنافسية الاقتصاد الوطني.
وقد توزعت أشغال هذا اللقاء على مسار متكامل يقوم على خمس مراحل أساسية: الفهم، والربط، والتحول، وتقاسم التجارب، واستشراف المستقبل. وركزت النقاشات على الأثر العملي للفوترة الإلكترونية،
وتطور مسارات الأداء، والتقارب بين أنظمة التسيير والبنوك وواجهات البرمجة التطبيقية وأدوات القيادة، إضافة إلى الاستخدامات الجديدة للبيانات والذكاء الاصطناعي داخل المديريات المالية.
وفي ختام الموعد، تم عرض خلاصات "بارومتر CFO Morocco 2026"، الذي استند إلى نتائج التصويت المباشر للمشاركين خلال مختلف الجلسات. وقد وفر هذا التمرين التفاعلي قراءة أولية لتصورات وأولويات ومستويات نضج المقاولات المغربية بخصوص عدد من القضايا الرئيسية، من بينها الاستعداد للفوترة الإلكترونية، والرؤية حول التدفقات المالية، وأتمتة العمليات، واندماج الأنظمة، واستغلال البيانات، واستعمال الذكاء الاصطناعي.
ومن خلال هذه النسخة الأولى، يطمح مركز النقديات إلى ترسيخ "موعد المديرين الماليين ومديري الشؤون الإدارية والمالية بالمغرب" كمنصة سنوية مرجعية لمواكبة تحول وظيفة المالية، عند تقاطع التنظيم والأداء والتكنولوجيا والبيانات والاستخدامات الجديدة. كما يعكس هذا الموعد وعيا متزايدا بأن مستقبل الخدمات المالية بالمغرب لن يبنيه فاعل واحد، بل منظومة متكاملة تجمع المؤسسات والإدارات والبنوك ومؤسسات الأداء وبنك المغرب وشركات التكنولوجيا المالية والمقاولات الناشئة، في أفق بناء اقتصاد وطني أكثر اتصالا ومرونة ونجاعة.