الوجه الإنساني لهدم دوار بلحاج.. الجرافات تنتظر التلاميذ لاجتياز امتحاناتهم

الصحراء المغربية
الثلاثاء 23 يونيو 2026 - 14:40

في صباح أمس الاثنين، اختلط فيه غبار الجرافات بأصوات الأطفال المتوجهين إلى المدارس، كانت فاطمة تقف أمام منزلها الصفيحي بدوار سيدي عبد الله بلحاج بمنطقة عين السبع في الدار البيضاء. بيدها اليمنى أمسكت بيد ابنها ياسين الذي كان يستعد لاجتياز امتحانات التاسعة إعدادي، المبرمجة يومي 24 و25 يونيو الجاري، وباليد الأخرى كانت تجمع ما تبقى من أغراض البيت استعدادا للرحيل.

لم تكن فاطمة تفكر كثيرا في الجدران التي ستسقط بعد أيام، بقدر ما كانت منشغلة بمستقبل ابنها. كانت تخشى أن يضيع تركيزه وسط ضجيج الشاحنات والجرافات، وأن تتحول أيام الامتحانات إلى مصدر قلق إضافي لأسرة تستعد لمغادرة المكان الذي عاشت فيه سنوات طويلة.
وعلى بعد أمتار قليلة، كان الحاج مصطفى، البالغ من العمر 65 عاما، يتابع بصمت مشهد الجرافات وهي تقترب من الغرف التي قضى فيها أكثر من أربعة عقود. هنا كبر أبناؤه، وهنا استقبل أحفاده، وهنا نسج ذكريات عمر كامل. وبينما كان يستعد لمغادرة الدوار، بدت على وجهه ملامح فرح ممزوجة بشيء من الحنين والقلق.
يقول الرجل "لا أحد يرفض السكن اللائق. الشقة الجديدة حلم بالنسبة لأبنائنا وأحفادنا، لكن الانتقال ليس سهلا بالنسبة لأسر محدودة الدخل مثلنا. هناك مصاريف كثيرة والتزامات جديدة نتمنى أن تراعيها الجهات المعنية".
قصتا فاطمة والحاج مصطفى تختزلان جانبا من حكاية عشرات الأسر التي تعيش هذه الأيام الفصل الأخير من تاريخ دوار سيدي عبد الله بلحاج، بعدما انطلقت عمليات هدم آخر تجمعات السكن غير اللائق بالمنطقة في إطار برنامج إعادة الإيواء.
ورغم الحزن الذي يرافق وداع المكان، فإن أغلب السكان يدركون أنهم يقفون على أعتاب مرحلة جديدة من حياتهم، عنوانها الانتقال إلى شقق أكثر كرامة بمنطقة مولاي رشيد.
تأجيل لاعتبارات إنسانية
وبينما كانت الجرافات تواصل عملها، لم تغب الاعتبارات الإنسانية عن العملية. فقرار تأجيل الهدم بالنسبة لبعض الأسر لم يكن إجراء تقنيا فقط، بل حمل بعدا إنسانيا يهدف إلى حماية التلاميذ من آثار الانتقال والرحيل خلال فترة الامتحانات الإشهادية. وقد منح هذا القرار عددا من العائلات فرصة لتوفير أجواء أكثر هدوءا لأبنائها خلال مرحلة دراسية حاسمة.
كانت فاطمة من بين المستفيدين من هذا الإجراء. وتقول وهي تتابع ابنها وهو يراجع آخر الدروس: "كنا نعيش ضغطا كبيرا بين الاستعداد للرحيل ومتابعة الامتحانات. عندما علمنا أن هدم منزلنا سيؤجل إلى ما بعد انتهاء الاختبارات شعرنا براحة كبيرة. أحسسنا أن مصلحة أبنائنا كانت حاضرة في القرار".
ولم تقتصر التسهيلات على التلاميذ فقط، بل شملت أيضا بعض الحالات الاجتماعية الخاصة. فمن بين المستفيدين سيدة وجدت نفسها وحيدة في مواجهة الإجراءات الإدارية بسبب وجود زوجها رهن الاعتقال. وكانت تخشى أن تفقد حق أسرتها في الاستفادة من السكن الجديد، قبل أن تتم مساعدتها على استكمال المساطر القانونية اللازمة لتأمين انتقالها وأبنائها إلى الشقة الجديدة.
ومع مرور الساعات، كانت معالم الدوار تتغير شيئا فشيئا. شاحنات تحمل الأثاث، وأسر تودع جيرانا عاشرتهم لسنوات، وأطفال ينظرون بحيرة إلى الأزقة التي شهدت ألعابهم الأولى.
ومع غروب الشمس، كانت السلطات تكتب نهاية فصل كامل من حياة مئات الأسر وبداية فصل جديد يحمل الكثير من الآمال. وبين ذكريات الماضي وتحديات المستقبل، غادر سكان دوار سيدي عبد الله بلحاج المكان وهم يحملون أملا في حياة أفضل، وقناعة بأن السكن اللائق ليس مجرد جدران جديدة، بل فرصة لبداية جديدة أيضا.




تابعونا على فيسبوك