لقاء دراسي يكشف تحديات الأمن المائي ويدعو إلى سياسات تواكب التحولات المتسارعة

الصحراء المغربية
الثلاثاء 05 ماي 2026 - 13:02

تدارس عدد من الباحثين والباحثات الأبعاد المرتبطة بإشكالية الماء في سياق يتسم بـ"اللايقين البيئي والاجتماعي"، ضمن أشغال يوم دراسي، سوسيو-أنثروبولوجي، بكلية الآداب والعلوم الإنسانية عين الشق يتدارس تحديات الأمن المائي بمدينة الدارالبيضاء، ويدعو إلى وضع سياسات تواكب التحولات المتسارعة احتضنته كلية الآداب والعلوم الإنسانية عين الشق بالدار البيضاء، التابعة لجامعة الحسن الثاني، قبل أيام، حول موضوع "الماء في زمن اللايقين"، بمبادرة من ماستر دينامية المؤسسات الاجتماعية.

وشهد اليوم الدراسي سلسلة من المداخلات والنقاشات، سعت إلى تعميق النقاش الأكاديمي حول الماء باعتباره قضية استراتيجية تتجاوز البعد التقني لتلامس أبعادا اجتماعية وتنموية وبيئية متداخلة، مركزة على تبادل وجهات النظر حول سبل تدبير الموارد المائية في ظل التحولات المتسارعة التي يعرفها المجتمع المغربي من خلال مقاربة تزايد التحديات المرتبطة بندرة الموارد المائية والتحولات البيئية. 
ويأتي تنظيم هذا اليوم العلمي في سياق وطني ودولي يتسم بتزايد القلق بشأن الأمن المائي، إذ أجمعت مختلف المداخلات على أن قضية الماء لم تعد مسألة تقنية محضة، بل أصبحت قضية مجتمعية بامتياز، تستدعي إعادة التفكير في السياسات العمومية، وتعزيز العدالة المجالية، وضمان حق الولوج المنصف إلى هذا المورد الحيوي.
وتبعا لذلك، شكل اللقاء مناسبة لتبادل الرؤى والخبرات بين الباحثين، وفتح نقاش أكاديمي حول سبل فهم التحولات الجارية، بما يسهم في إنتاج معرفة علمية قادرة على مواكبة التحديات الراهنة واقتراح بدائل عملية ومستدامة.
ووفقا لذلك، شهدت أشغال هذا اللقاء العلمي مداخلات رسمية أكدت في مجملها على راهنية موضوع الماء، ليس فقط كقضية بيئية، بل كمدخل لفهم التحولات الاجتماعية والاقتصادية التي يعرفها المجتمع المغربي، خاصة في الوسط الحضري. كما شددت المداخلات الافتتاحية على أهمية المقاربات متعددة التخصصات في تحليل إشكالات الماء، وربطها بسياسات التنمية والتخطيط الحضري.
وسطر اللقاء العلمي مجموعة أهداف، ترمي إلى فهم هذا التعقيد المتعلق بوفرة الماء يتجاوز دقة الدراسات الهيدرولوجية، بالاتجاه إلى فهم وتحليل الديناميات الاجتماعية والثقافية والسياسية والمجالية المتعلقة باللايقين في المدن. ويتمثل في دراسة البنية التحتية، والهشاشة والسلطة والتجارب، لفهم تأثير اللايقين المائي على المدينة، وتأثير المدينة على هذا اللايقين.
وتبعا لذلك، شهدت الجلسة العامة، تركيز النقاشات حول السياسات المائية وإشكالية التنمية، مع التركيز على ضرورة إدماج البعد الاجتماعي في صياغة السياسات العمومية المرتبطة بتدبير الموارد المائية. كما تناولت البرمجة العلمية للقاء التطرق إلى العلاقة بين الماء والمخاطر البيئية، من خلال عرض نتائج أبحاث ميدانية أبرزت تأثيرات هذه التحولات على الحياة اليومية للسكان، خاصة في ظل حالة من “اللايقين” التي تطبع تدبير هذا المورد الحيوي.
وفي السياق ذاته، سلطت مداخلات أخرى الضوء على الماء باعتباره كاشفا للفوارق المجالية والهشاشة الاجتماعية، حيث قدمت نماذج من مدن مغربية، من بينها المحمدية، توضح كيف ترتبط إشكالات الولوج إلى الماء بالتفاوتات الترابية وبالتحديات الصحية والبيئية. كما ناقش الباحثون ديناميات السلطة وإعادة تشكيل العلاقات الاجتماعية في ارتباط بتدبير الموارد المائية داخل المدن.
أما على مستوى الجلسات الموضوعاتية، فركز النقاش على إشكالية الولوج إلى الماء في مدينة الدار البيضاء، من خلال تحليل التوتر القائم بين السياسات العمومية والممارسات اليومية للسكان. كما وقفت المداخلات العلمية عند مظاهر “الضغط الصامت” المرتبط بالإكراهات المائية، خاصة في ظل التحولات العمرانية وارتفاع الكثافة السكنية، إضافة إلى دراسة أشكال تدبير الماء في بعض الأحياء الشعبية، مثل “العوينات" ببنمسيك، باعتبارها فضاءات تعكس تداخل الممارسات الاجتماعية مع أنماط الحكامة المحلية.
وفي هذا الصدد، ناقش المشاركون التحولات التي تشهدها علاقة الأفراد بالماء في سياق إعادة الإيواء، من خلال إبراز التغيرات التي تطال أنماط الاستعمال والتدبير، وما يرافقها من توترات أو محاولات لإعادة التكيف مع الواقع الجديد.
ويندرج ضمن خلاصات أعمال اللقاء العلمي التأكيد على أن حالة "اللايقين المحيطة بالماء" تلقي بظلالها الثقيلة على الفئات الأكثر هشاشة، لا سيما في أحياء الطبقة المهمشة التي غالبا ما تقع في مناطق تفتقر إلى البنية التحتية الكافية. وتواجه الأسر الأكثر حرمانا خيارات محدودة، إذ تفتقر إلى الموارد اللازمة لتركيب حواجز الفيضانات، أو الحصول على تأمين مناسب، أو الانتقال إلى مكان آخر، خاصة عندما تعلن شوارعها أنها مناطق معرضة للفيضانات. في المقابل، تستطيع الأحياء الميسورة التخفيف من آثار هذه المشكلة وحماية نفسها، من خلال توسيع المباني، واستخدام مضخات المياه الفردية، وبناء منازل ثانوية على أراض مرتفعة. وهكذا، يبرز اللايقين أحد أهم مظاهر اللامساواة الحضرية.
كما أبرز اللقاء أن حالة اللايقين المحيطة بالماء في المناطق الحضرية تؤثر على أنماط السكن، وأشكال الهشاشة، وأنظمة المعلومات، وأساليب الحكامة. ويتجلى ذلك في تجربة غمر الأقبية بالمياه، وكذلك في المباني الشاهقة التي تعاني من نقص ضغط المياه.  وبهذا الخصوص، تبرز العلاقة بين الفضاء الحضري وموارد المياه كإحدى أكثر القضايا تعقيدا  في السياق الحضري الحالي، حيث أصبحت المدن فضاءات رئيسية لإنتاج "مجتمع المخاطر" حيث تتفاقم التحديات البيئية، بما لا يسمح بفهم الماء موردا طبيعيا بسيطا، بل موضوعا اجتماعيا تتداخل فيه الشبكات المادية مع علاقات القوة والتمثلات الثقافية.




تابعونا على فيسبوك