حين يأتي الاعتراف من صوت ظل لسنوات محسوبا على خانة المنتقدين للمغرب، فإن الأمر يتجاوز مجرد رأي عابر، ليقترب من علامة دالة على تحول أعمق في نظرة جزء من الإعلام الإسباني إلى ما يجري جنوب المتوسط. ذلك ما يمكن التقاطه في قراءة الصحافي إغناسيو سيمبريرو، الذي اشتغل مراسلا ثم مديرا لمكتب صحيفة "إل باييس" الشهيرة بالرباط، وكان شاهدا على تطور البلد في عدد من المجالات، قبل أن يقر اليوم في تغريدة على منصة "إكس" بأن صعود المغرب في سباق احتضان نهائي كأس العالم 2030 لم يعد تفصيلا هامشيا، بل عاملا يخلخل توازنا كان يميل، إلى وقت قريب، لصالح إسبانيا.
في الظاهر، يبدو الأمر مجرد تنافس رياضي داخل ملف ثلاثي مشترك، لكن في العمق، نحن أمام سباق من نوع آخر: سباق على الصورة، وعلى من يكتب المشهد الأخير في أكبر تظاهرة كروية في العالم. إسبانيا تدخل هذا الرهان بثقل التاريخ، وتجربة تنظيم تعود إلى كأس العالم 1982، وبشبكة ملاعب تكاد تكون جاهزة تقدم نفسها كخيار مأمون، بلا مفاجآت.
في الجهة الأخرى، لا يراهن المغرب على التاريخ، بل على ما يتم بناؤه الآن. مشروع الملعب الكبير ببنسليمان ليس مجرد ورش رياضي، بل يمثل عنوانا لتحول أوسع. بسعة تصل إلى 115 ألف متفرج، وبمعايير تقنية وبيئية حديثة، يضع المغرب ورقة ثقيلة على الطاولة، عنوانها: القدرة على الإبهار.
لكن ما يلفت الانتباه أكثر، هو أن هذا التحول لم يعد يروى من داخل المغرب فقط. أن يكتب صحافي إسباني، عُرف بانتقاداته، وكان شاهدا من الرباط على تفاصيل هذا التطور، أن المغرب أصبح منافسا حقيقيا، فذلك يعني أن الوقائع بدأت تفرض لغتها. لم تعد المسألة مجرد خطاب رسمي أو حماس إعلامي، بل معطيات تتشكل على الأرض.
الأكيد أن القرار النهائي سيظل بيد الاتحاد الدولي لكرة القدم، الذي سيعمل على الاختيار بين بلد أوروبي يملك ذاكرة كروية، وآخر إفريقي يصعد بثقة، وهنا تبدو المعادلة أكثر تعقيدا مما كانت عليه في الدورات السابقة.
وفي الاتجاه نفسه، كشفت تصريحات لرئيس الاتحاد الإسباني لكرة القدم رافاييل لوزان عن معطى لافت، مفاده أن المغرب بات يُنظر إليه كنموذج في تدبير ملف المونديال.
فخلال تدخل نقلته صحيفة "ماركا"، دعا المسؤول الإسباني حكومته إلى التحرك السريع والانخراط بشكل أقوى في الملف، مشيرا بشكل صريح إلى أن "قوة المغرب" تفرض تسريع وتيرة العمل، خصوصا في ما يتعلق بملف المباراة النهائية.
لكن أبرز ما حملته هذه التصريحات هو الإقرار الضمني بفارق مهم بين البلدين: ففي المغرب، القرار موحد ومركزي، بينما في إسبانيا تتعدد الجهات المتدخلة، ما قد يبطئ وتيرة الحسم.
هذا المعطى يعزز صورة فوزي لقجع كأحد أبرز مهندسي الملف المغربي، حيث يُنظر إلى وحدة القيادة كعنصر قوة يمنح المملكة سرعة في اتخاذ القرار، ووضوحا في الرؤية، وقدرة أكبر على تنزيل المشاريع في آجال مضبوطة.