تطرح طبيعة اجتماعات اللجان البرلمانية سؤالا جوهريا يتقاطع فيه مطلب الشفافية مع ضرورات الفعالية التشريعية: متى يحق للمواطن أن يعرف ما يجري داخل اللجان؟
هذا السؤال رافق التجربة الدستورية المغربية منذ أول برلمان سنة 1963، وظلّ موضوع شدٍّ وجذب بين اتجاه يدافع عن العلنية باعتبارها ضمانة للمساءلة، وآخر يرى في السرية شرطا لنجاعة العمل التقني داخل اللجان.
منطقة رمادية في الدساتير الخمسة الأولى
الدساتير السابقة لسنة 2011 لم تتطرق صراحة لطبيعة اجتماعات اللجان، واكتفت بالتنصيص على علنية الجلسات العمومية مع إمكانية عقدها سرية بطلب محدد. هذا الفراغ فتح الباب أمام تأويلات متباينة.
أول اختبار جاء سنة 1963، حين أدرج مجلس النواب في نظامه الداخلي مقتضى يقضي بنشر تقرير موجز لأشغال اللجان، قياسا على نشر محاضر الجلسات العمومية. ورغم أن هذا المقتضى لم يمسّ بسرية اللجان، فإن الغرفة الدستورية اعتبرته مخالفا للدستور، مؤكدة أن اجتماعات اللجان سرية بطبيعتها ما دام الدستور لا ينص على علنيتها.
محاولات تشريعية مرفوضة
مع دستور 1992، توسعت صلاحيات البرلمان، وحاول مجلس النواب سنة 1994 إدراج إمكانية عقد اجتماعات اللجان بصورة علنية على سبيل الاستثناء؛ غير أن المجلس الدستوري، في قراره 52-95، رفض ذلك بوضوح، مجددا التأكيد على أن العلنية تخص الجلسات العامة فقط.
التمييز الوظيفي بين الجلسة العامة واللجنة
يقوم هذا التمييز على منطق مؤسسي:
- الجلسة العامة فضاء لإعلان المواقف السياسية أمام الرأي العام، ولذلك تُنشر محاضرها كاملة.
- اللجنة البرلمانية فضاء تقني لصياغة النصوص وتدقيقها والتفاوض حول حلول وسط.
في هذا المستوى، قد تُسهم السرية -بوصفها وسيلة لا غاية- في حماية حرية المداولة وتخفيف ضغط التموقعات الإعلامية، على أن تخضع مخرجات اللجنة لاحقا لرقابة العلن عبر المناقشة والتصويت في الجلسة العامة.
دستور 2011: حسمٌ بعد عقود من الجدل
جاء دستور 2011 ليضع حدا للغموض، فنصّ صراحة على أن الأصل في اجتماعات اللجان هو السرية، مع إمكانية جعلها علنية وفق حالات وضوابط يحددها النظامان الداخليان (الفصل 68).
وبذلك انتقل المغرب من منطقة رمادية إلى قاعدة واضحة ومتوازنة بين الشفافية ومتطلبات الاشتغال البرلماني.
هذا الاختيار ليس استثناء مغربيا؛ فدول مثل ألمانيا والهند ومصر والسنغال تعتمد المنطق نفسه.
متى تصبح اجتماعات اللجان علنية؟
حدد النظامان الداخليان ثلاث حالات أساسية للعلنية:
- وجود موضوع طارئ يهم الرأي العام؛
- مرحلة تقديم مشاريع القوانين والمناقشة العامة بشأنها؛
- تناول موضوع رقابي يحظى باهتمام واسع.
وقد شكّلت فترة الحجر الصحي مثالا بارزا على توسيع العلنية، حين بُثّت اجتماعات اللجان عن بُعد، ما عزز ثقة المواطنين في استمرارية عمل المؤسسات.
وفي المقابل، تعتمد برلمانات أخرى -مثل الولايات المتحدة والأرجنتين وكوستاريكا والمجر-مبدأ العلنية الواسعة كخيار مؤسسي دائم.
خلاصة:
قدّم دستور 2011 صياغة متوازنة لإشكالية شغلت الممارسة البرلمانية لعقود:
سريةٌ تحمي الفعالية التقنية، وعلنيةٌ منظمة تضمن حق المواطنين في المعرفة.
وهو ما ينسجم مع روح «البرلمان المنفتح»، حيث تُعد الشفافية آلية لبناء الثقة وشرطا للمساءلة الديمقراطية، لا مجرد شعار.
بقلم: رشيد المدور
أستاذ القانون الدستوري بجامعة الحسن الثاني بالدارالبيضاء
ومدير مجلة دفاتر برلمانية