سجلت المكاتب القضائية لتدبير القضايا الزجرية بملاعب كأس إفريقيا للأمم لكرة القدم، التي احتضنها المغرب، 529 تدخلا أمنيا، وتقديم 202 شخص أمام النيابات العامة، مع إحالة 82 على المحاكمة، إضافة إلى ضبط 396 للتورط في المضاربة في تذاكر المباريات، وذلك خلال الفترة الممتدة من 21 دجنبر 2025 إلى 18 يناير 2026.
وكشفت كل من وزارة العدل ورئاسة النيابة العامة والمديرية العامة للأمن الوطني، أمس الاثنين، عن حصيلة هذه المكاتب القضائية التي أنشأت داخل الملاعب الستة المحتضنة لـ"كان"، في سابقة أحدثتها المصالح القضائية والأمنية المغربية لأول مرة في هذه التظاهرة الرياضية القارية، وذلك في بلاغ مشترك، توصلت "الصحراء المغربية" بنسخة عنه.
وأوضح البلاغ أن المكاتب القضائية خلال فترة البطولة، سجلت تقديم 202 شخص أمامها في إطار 152 مسطرة تتعلق بأفعال جرمية معاقب عليها بمقتضى القانون الجنائي وبعض القوانين الخاصة، مضيفا أن النيابة العامة تابعت وأحالت على جلسة المحكمة 82 مسطرة، وفعلت الغرامة التصالحية في 56 آخرا، وحفظ المسطرة في حالتين، وتكليف الشرطة القضائية بإتمام البحث في 12 مسطرة.
وفي ما يخص جنسية الأشخاص المقدمين أمام المكاتب القضائية بالملاعب، شكل المغاربة نسبة 79.2 في المائة، والأجانب من مختلف الجنسيات الإفريقية والأوروبية 20.8 في المائة. أما الأفعال الجرمية الأكثر تسجيلا، فتصدرت جنحة "الدخول أو محاولة الدخول للملعب عن طريق التدليس" قائمة المخالفات بنسبة 25.48 في المائة، و"المضاربة في بيع التذاكر أو بيعها دون سند قانوني" بـ10.96 في المائة، ثم "الدخول إلى رقعة الملعب" بـ7.46 في المائة.
وخلال البطولة، أبرز البلاغ، سجل 529 تدخلا أمنيا، من بينها 307 إجراءات للتحقق من الهوية، عولجت بشكل فوري على مستوى المكاتب القضائية لضبط الحالات وحفظ النظام.
في حين، سجلت عمليات التفتيش والجس الوقائي بمداخل الملاعب، 68 محاولة لولوج الملاعب دون تذاكر، و17 حالة باستخدام تذاكر مزورة، علاوة على 16 قضية لحيازة واستهلاك المخدرات، و20 قضية تتعلق بحيازة الشهب الاصطناعية، وحجز 5 أسلحة بيضاء وعبوتين لبخاخ مسيل للدموع.
396 متورطــــــــــا في المضاربـــــة بتذاكر مباريـــــات الـ"كان"
قال البلاغ المشترك إن المصالح الأمنية، تمكنت من ضبط 396 شخصا يشتبه في تورطهم في المضاربة في تذاكر مباريات كأس أمم إفريقيا، في إطار عمليات أمنية استباقية ومنسقة همت عددا من مدن المملكة المحتضنة للتظاهرة القارية، وذلك بعد رصد منشورات على صفحات مواقع التواصل الاجتماعي، حيث أخضعوا لأبحاث قضائية أشرفت عليها النيابة العامة المختصة.
وأضاف أن هذه التدخلات الأمنية جاءت بعد رصد منظومة اليقظة الأمنية المعلوماتية إعلانات ومنشورات على مواقع التواصل الاجتماعي، تعرض تذاكر المباريات للبيع خارج القنوات الرسمية، مستغلة الإقبال الجماهيري الكبير عليها.
كما حددت الأبحاث التقنية والتحريات الميدانية هوية المشتبه فيهم وتوقيفهم في مدن متعددة، خصوصا تلك التي تحتضن مباريات البطولة.
دور محـــــوري للمكاتـــــب في البــــــت الفــــــوري للقضايــــــا
وحسب البلاغ، قامت المكاتب القضائية المحدثة بالملاعب بدور محوري في التدبير الفوري والناجع للقضايا المسجلة، بما أسهم في تفادي تراكم الملفات وضمان البت السريع في الأفعال المرتكبة داخل محيط التظاهرة.
ولفت إلى أن تنوع القرارات المتخذة، بين المتابعة والإحالة على الجلسات وتفعيل مسطرة الغرامة التصالحية والحفظ أو استكمال البحث، جاء عبر اعتماد مقاربة قانونية متوازنة تراعي جسامة الأفعال المرتكبة وخصوصية كل حالة على حدة، مع الحرص على احترام الضمانات القانونية للأشخاص المعنيين.
وأعتبر أن النسبة المهمة من الغرامات التصالحية تؤكد فعالية هذا الإجراء في معالجة بعض الأفعال ذات الطابع البسيط بشكل سريع يحقق الردع دون اللجوء إلى مساطر مطولة.
وأكد أن الطابع الغالب للأفعال المسجلة ظل مرتبطا بسلوكيات تنظيمية أو مخالفة لضوابط الولوج والتذاكر، وهو ما يعكس في المجمل انضباطا عاما للجماهير وحسن تدبير أمني وتنظيمي للتظاهرة.
كما أن نسبة الأجانب المقدمين أمام هذه المكاتب، وإن عكست الحضور الدولي المتنوع، إذ عولجت في إطار احترام تام للضمانات القانونية، مع الاستعانة بخدمات الترجمة الفورية بما يضمن حق الدفاع والتواصل السليم.
9 مكاتب قضائية موزعة على ست مدن
أشار البلاغ إلى أن فعاليات كأس الأمم الإفريقية 2025 التي احتضنتها المملكة المغربية، شكلت محطة رياضية قارية كبرى استدعت تعبئة شاملة لمختلف المتدخلين المؤسساتيين، وفي مقدمتهم مكونات العدالة، من أجل مواكبة متطلبات التنظيم وضمان الأمن القانوني المرتبط بالسير العادي لهذه التظاهرة ذات الامتداد الزمني والمجالي الواسع.
واستباقا للتحديات العملية التي قد تفرضها الطبيعة الخاصة لهذه التظاهرة، من كثافة جماهيرية وتعدد الملاعب المستضيفة وتسارع الأحداث داخل فضاءات رياضية مفتوحة، وفي إطار تنسيق مؤسساتي ثلاثي محكم جمع وزارة العدل ورئاسة النيابة العامة والمديرية العامة للأمن الوطني، تم إحداث 9 مكاتب قضائية لتدبير القضايا الزجرية على مستوى الملاعب المحتضنة للمنافسات في 6 مدن: الرباط، الدارالبيضاء، مراكش، أكادير، فاس، وطنجة.
سياق تشريعي جديد ومقاربة للعدالة التصالحية
في إطار الاستعداد لاستضافة المغرب لكأس العالم 2030 بشراكة مع إسبانيا والبرتغال، أنجزت وزارة العدل عبر المرصد الوطني للإجرام دراسة للتجارب الدولية الفضلى في مجال تدبير القضايا الزجرية خلال التظاهرات الرياضية الكبرى.
وشكل كأس أمم إفريقيا 2025 فرصة مناسبة لاختبار الآليات المقترحة في سياق تظاهرة رياضية قارية كبرى.
كما جاءت هذه التجربة متزامنة مع دخول قانون المسطرة الجنائية المعدل حيز التنفيذ في 8 دجنبر 2025، مما أتاح استثمار المقتضيات الجديدة، سيما المادة 1-41 المتعلقة بالصلح الزجري، حيث تم توسيع نطاقه ليشمل العديد من الجنح في إطار تكريس العدالة التصالحية.
وقامت الآلية على مقاربة متدرجة تهدف إلى تفادي إثقال المحاكم بقضايا بسيطة، مع ضمان حقوق المشجعين في إطار احترام تام لضمانات المحاكمة العادلة، من خلال اتخاذ الاجراء القانوني المناسب إزاء الحالات التي لا تكتسي صبغة جرمية، وتفعيل بدائل الدعوى العمومية خاصة منها الصلح، أو الإحالة على المحكمة المختصة عند الاقتضاء.
بروتوكـــــولات أمنية دقيقـــــة لتأمين التظاهـــــــرة
اعتمدت المديرية العامة للأمن الوطني، منظومة أمنية شاملة ومندمجة لتأمين منافسات كأس أمم إفريقيا، ارتكزت على إعداد بروتوكولات دقيقة للأمن والسلامة تستجيب لمختلف المتطلبات التنظيمية واللوجيستيكية، بما يضمن تأمين التظاهرة في مختلف مراحلها.
إذ انطلقت بتعزيز شرطة الحدود بمراكز العبور بالموارد البشرية اللازمة، وبالتطبيقات والحلول المعلوماتية الضرورية، لضمان انسيابية حركة المسافرين، خاصة المشجعين الأجانب الوافدين إلى المغرب لمتابعة البطولة.
كما شملت الترتيبات الأمنية وضع مخطط متكامل لتنظيم حركية الجماهير، انطلاقا من المحاور الطرقية المؤدية إلى الملاعب، مرورا بالمحيط الخارجي، ووصولا إلى داخل المنشآت الرياضية. وإرساء نظام دقيق بمنطقة البوابات الخارجية التي تضم فضاءات المراقبة والتفتيش والفرز، يجمع بين الصرامة الأمنية وسلاسة وسرعة الولوج.
إحداث مركز للتعاون الشرطي الإفريقي
جرى إحداث مركز التعاون الشرطي الإفريقي (Centre de Coopération Policière Africaine - CCPA)، الذي يعد الأول على المستوى القاري، والذي ضم ممثلين عن الأجهزة الأمنية للدول المشاركة، إلى جانب مندوبين عن الفيدرالية الدولية لكرة القدم، والكونفدرالية الإفريقية لكرة القدم، والمنظمة الدولية للشرطة الجنائية (الأنتربول)، فضلا عن ممثلين أمنيين عن قطر والبرتغال وإسبانيا.
واضطلع هذا المركز بمهام القيادة والتنسيق وتبادل المعلومات الأمنية المرتبطة بتأمين التظاهرات الرياضية الكبرى. وعلى المستوى الميداني، أحدثت قاعات للقيادة والتنسيق داخل الملاعب، مجهزة بأنظمة متطورة للمراقبة بالكاميرات، إلى جانب تسخير آليات المراقبة البصرية بالكاميرات الثابتة والطائرات المسيّرة، مع إدماج تكنولوجيات الذكاء الاصطناعي في تدبير حركية السير والجولان ورصد السلوكيات أو الأشخاص المشبوهين.
تجهيــــــزات تقنيـــــة وربـــــط فـــــوري بمنظومة التدبيـــــر القضائي
تولت وزارة العدل توفير التجهيزات التقنية اللازمة لفضاءات المكاتب القضائية المحدثة بالملاعب المعنية، مع ضمان الربط الفوري والآمن بمنظومة التدبير القضائي (SAJ)، بما يتيح معالجة الملفات وتتبع الإجراءات في أجل معقول، وتخصيص هذا النوع من القضايا برموز خاصة لتسهيل عملية التتبع والمعالجة، وترصيد المعطيات الإحصائية. فضلا عن ربط هذه الفضاءات بمنظومة الأداء الإلكتروني واعتماد أجهزة الدفع الإلكتروني (TPE) لتيسير استخلاص الغرامات والأداءات بشكل فوري.
كما تم تجهيز 17 فضاء مخصصا للمكاتب القضائية، وتأثيثها بالمكاتب والحواسيب والطوابع والوسائل اللوجستية الضرورية.
كما عبأت 60 موظفا وموظفة لتأمين السير العادي للمكاتب، بينهم 18 موظفا من كتابة النيابة العامة لتدبير الجوانب المرتبطة بالمتابعات والإجراءات، و12 من موظفي صندوق المحكمة لتدبير العمليات المالية المرتبطة بالأداءات والغرامات، وتخصيص 13 مترجما فوريا لتأمين خدمات الترجمة بثلاث لغات أساسية: الفرنسية والإنجليزية والإسبانية. إضافة إلى 8 أطر من المرصد الوطني للإجرام للمواكبة والتنسيق وتتبع المؤشرات، مع تخصيص فضاء خاص لهيئة الدفاع.