الأمطار الأخيرة تنعش ينابيع آسفي وتعيد الأمل في الأمن المائي بالإقليم

الصحراء المغربية
الأربعاء 04 فبراير 2026 - 13:01

أسهمت التساقطات المطرية التي عرفها إقليم آسفي خلال الأسابيع الماضية في إحداث تحول بيئي ومائي لافت، أعاد الحياة إلى عدد كبير من الينابيع والعيون المائية التي كانت قد تراجعت أو جفت خلال سنوات الجفاف الأخيرة، كما ساهم في رفع منسوب المياه السطحية والجوفية بمختلف مناطق الإقليم، في مؤشر إيجابي على قدرة المنظومات البيئية على التعافي متى توفرت الظروف الطبيعية الملائمة.

ورصد عدد من المهتمين بالشأن البيئي والمائي بآسفي، من خلال تتبع ميداني لتأثيرات هذه الأمطار، تحسنا واضحا في الوضع المائي بالإقليم، تمثل في عودة جريان عدد من الأودية والبرك الطبيعية، وانتعاش الفرشات المائية، وارتفاع ملحوظ في منسوب المياه الجوفية، بعد مرحلة طويلة من التراجع الذي فرضته موجات الجفاف المتتالية.
ويأتي هذا التحسن في وقت يواجه الإقليم تحديات مائية مزمنة، ما يجعل من التساقطات الأخيرة متنفسا حقيقيا وفرصة ثمينة لتعزيز الأمن المائي، شريطة اعتماد مقاربة واقعية لتدبير الموارد المائية، تقوم على الاستغلال الرشيد لمياه الأمطار وتعبئة الإمكانات المتاحة لضمان استدامتها، سواء لأغراض الشرب أو الفلاحة أو الحفاظ على التوازن البيئي.

واد تانسيفت.. إمكانات كبيرة واستغلال محدود
وحسب معطيات ودراسات مرتبطة بالمخزون المائي بالإقليم، فإن المياه السطحية بآسفي تتوفر على مؤهلات مهمة، من أبرزها مجرى واد تانسيفت الذي يخترق الإقليم من جهة الجنوب، بحمولة موسمية قد تصل إلى حوالي 250 مليون متر مكعب. ورغم هذه الإمكانيات، فإن الاستفادة من هذه الموارد تبقى محدودة، إذ لا تتجاوز المساحات المسقية حوالي 1500 هكتار بمنطقة احمر، وقرابة 2000 هكتار بمنطقة عبدة والشياظمة إلى حدود الساحل.

ثلاث فرشات مائية تشكل الاحتياطي الأساسي للإقليم
وبخصوص المياه الجوفية، تشير المعطيات نفسها إلى أن إقليم آسفي يتوفر على ثلاث فرشات مائية رئيسية تعتبر احتياطا استراتيجيا، بالنظر إلى جودتها العالية وسهولة استغلالها لقربها من سطح الأرض.

ويتعلق الأمر بـ:
-الفرشة المائية بمنطقة احمر، وهي واسعة الامتداد وتتوفر على احتياطي يقدر بنحو 100 مليون متر مكعب.
-الفرشة الساحلية الممتدة على طول الساحل من جنوب الإقليم إلى شماله، وتضم حوالي 200 مليون متر مكعب.
-فرشة عبدة الممتدة من جمعة اسحيم إلى حدود خميس الزمامرة وسيدي بنور، باحتياطي يناهز 150 مليون متر مكعب.
كما تتوزع بالإقليم نقاط مائية متوسطة وصغرى بكل من الصعادلة والمعاشات وأنكة وشمال العمامرة، ويقدر مجموع هذه الفرشات المائية بحوالي 50 مليون متر مكعب، إضافة إلى ما يفوق 300 مليون متر مكعب من المياه السطحية.

دعوات إلى حماية الثروة المائية من الاستغلال المفرط
ويرى متتبعون للشأن المائي بالإقليم أن الحفاظ على هذه الثروة المائية يظل رهينا بإرادة جماعية حقيقية، تتطلب تعبئة مختلف الفاعلين والمؤسسات، واستحضار البعد التنموي والاستراتيجي للماء، خصوصا في ظل الإكراهات المتزايدة التي تعرفها الموارد المائية، وفي مقدمتها ارتفاع الطلب نتيجة التوسع العمراني والنمو الديمغرافي، إلى جانب الاستغلال المفرط للفرشات الجوفية، وهو ما تسبب خلال السنوات الماضية في عجز متسارع وتراجع مقلق في المخزون المائي.
غير أن الأمطار الأخيرة، بحسب المتحدثين، ساهمت في إعادة التوازن نسبيا، وأثرت بشكل إيجابي على مخزونات المياه الجوفية والسطحية.

عيون عادت للحياة وغطاء نباتي يبشر بموسم ربيعي واعد
وفي هذا السياق، قال رئيس جمعية البيئة بآسفي إن التساقطات الوفيرة أعادت تفجر العديد من الينابيع التي كانت قد جفت، وأعادت الحياة إلى عيون مائية عانت من شح كبير خلال السنة الماضية، من بينها عين درق وعين بنكرارة وعين لالة ميرة، إلى جانب ظهور برك مائية طبيعية كانت قد اختفت عن الأنظار لعدة سنوات.
وأوضح المتحدث أن هذا الانتعاش من شأنه دعم التنوع البيولوجي المحلي، وتحسين الغطاء النباتي، مع عودة الأعشاب البرية والنباتات العطرية، وهو ما يبشر بموسم ربيعي مميز قد ينعكس إيجابا على الساكنة، خاصة من خلال فرص السياحة البيئية والأنشطة المرتبطة بالطبيعة.
ومن جهته، أكد أحد أعضاء جمعية مدرسي علوم الحياة والأرض فرع آسفي، أن الأمطار والسيول الأخيرة رفعت الضغط الهيدروليكي داخل الخزانات الجوفية، ما أدى إلى عودة تدفق عدد من الينابيع الصغيرة، خصوصا بالمناطق الجبلية والساحلية.

فرصة ثمينة… لكنها ليست حلا نهائيا
ورغم الإشارات الإيجابية التي حملتها هذه التساقطات، يشدد المتحدثون على أنها لا تشكل حلا جذريا لأزمة المياه بالإقليم، لكنها تبقى بمثابة نفس مهم أعاد الروح للينابيع، وفتح نافذة أمل بيئية وزراعية واقتصادية، في انتظار حلول أكثر استدامة.
ويخلص المهتمون بالشأن البيئي إلى أن الاستثمار الرشيد في مياه الأمطار، وبناء مشاريع لتخزينها وتعبئتها، وحمايتها من الهدر والتلوث، يظل خيارا استراتيجيا لتعزيز الأمن المائي، خاصة في ظل التغيرات المناخية التي باتت تهدد المنطقة بشكل متكرر.




تابعونا على فيسبوك