أرواح منسية تعود إلى الدفء .. حملة لإيواء المتخلى عنهم بالجديدة

الصحراء المغربية
الجمعة 05 دجنبر 2025 - 12:45

لم تكن ليلة أمس الخميس عادية في مدينة الجديدة. الشوارع التي اعتادت أن تهدأ مع حلول المساء، كانت هذه المرة على موعد مع حركة غير مألوفة.

سيارات للسلطة المحلية تجوب الأزقة، ترافقها فرق المديرية الإقليمية للتعاون الوطني، في مهمة لا تحمل سوى معنى واحد: إنقاذ أرواح لم يعد يلتفت إليها أحد.

 

بدأت الحكاية قبل ساعات قليلة فقط، داخل اجتماع طارئ جمع ممثلي السلطة بالتعاون الوطني ومسؤولي المركز المؤقت لإيواء المتخلى عنهم. التقارير الواردة أشارت إلى ارتفاع حالات التشرد، وإلى تدهور الوضع الصحي لبعض الأشخاص الذين يقضون لياليهم في العراء. القرار اتُّخذ بسرعة: التحرك الليلي أصبح ضرورة.
كان البرد يشتد حين توقفت أولى الفرق وسط المدينة. هناك، كان رجل ستيني يحتضن جسده بغطاء ممزق. اقترب منه أحد رجال السلطة بصوت خافت، كما لو أنه يخشى إزعاج الألم الذي يثقل حياة الرجل:
"آسيدي… الليلة ما تبقاش هنا. عندنا بلاصة دافئة ليك".
لم يقل الرجل شيئا، لكنه رفع رأسه ببطء؛ في عينيه وميض خجل يختلط بدهشة من يسمع كلاما لم يسمعه منذ زمن. لحظات، ثم حمله الفريق برفق نحو السيارة.
في الحي البرتغالي، كان المشهد أكثر ألما. امرأة تحاول الاحتماء خلف باب حجري عتيق. اقتربت منها رئيسة المركز المؤقت بنفسها.

جلست إلى جانبها، تحدثت إليها بلمسة أمّ: "خايفة؟ ما تخافيش… غير تبعيني، غادي نعتنو بيك". وفي صمتٍ مطلق، قامت المرأة، تمسح بيدها وجهاً حمل علامات طويلة لسنوات قاسية.
ومع تقدم الليل، تحوّل المركز المؤقت لإيواء المتخلى عنهم إلى خلية نشيطة. غرفة للاستقبال، أخرى للفحوصات الأولى، طاقم طبي يهيئ الأدوية، ومساعدات اجتماعيات يسألن كل وافد عن اسمه وحكايته. كل شيء كان يتحرك بانسجام، وكأن الجميع يعرف أن التأخر بدقائق قد يكلف حياة.
المدير الإقليمي للتعاون الوطني قال في تصريحات للصحافة إن العملية "ليست مجرد حملة ليلية، بل التزام يومي لحماية الفئات الهشة". وأضاف أن العمل يتم وفق مقاربة تشاركية، تجمع بين السلطات المحلية، الطواقم الصحية، والمجتمع المدني، بهدف إعادة إدماج الأشخاص بدون مأوى ومنحهم بداية جديدة.
وإلى جانب الفرق الرسمية، كان بعض الفاعلين الجمعويين يتابعون المشهد عن قرب. أحدهم علّق قائلاً: "أن ترى رجال السلطة والمصالح الاجتماعية يجولون في الأزقة بعد منتصف الليل … هذا مشهد نادر، ويعني أن المقاربة الإنسانية بدأت تصبح أولوية".
مع اقتراب الفجر، كانت سيارات الحملة عائدة بآخر من صادفتهم في الشوارع. وفي داخل المركز، كان عدد من المتشردين ينامون على أسِرّة دافئة، ربما لأول مرة منذ شهور طويلة.
انتهت الليلة، لكن أثرها بقي. فقد ذكّرت المدينة بأن خلف كل جسد يرتجف في البرد، هناك حكاية لم تُكتب بعد، وروح تنتظر من يطرق بابها بخيط أمل… ولو في منتصف الليل.




تابعونا على فيسبوك