في أحد زوايا الفضاء الأزرق، ظهر مقطع فيديو قصير لامرأة مغربية مقيمة في إسبانيا تلوّح بفنجان قهوة وتبتسم ابتسامةً من الأذن إلى الأذن، قبل أن تُلقي بجملةٍ أثقل من جبل "تييد": علاش نخدم؟ كاينين دافعي الضرائب كيخلصو كلشي!"
الجملة كانت كافية لتقلب محطات «إكس» و«إنستغرام» رأساً على عقب، وتُشعل منصّة تيك توك مثل هشيمٍ في صيف أندلسي. فتعليقات الاسبان انهالت كالمطر، بين من يعرض «دفع ثمن ترحيلها بكل سرور» ومن يحمّل الطبقة السياسية مسؤولية «فتْح الباب على مصراعيه لمن يسخر من دافعي الضرائب".
أنا نعيش… والآخر يتعب
صاحبة هذه المزحة الثقيلة، التي لم تُخفِ قهقهتها وهي تقول إنها «ستقضي الصيف في المغرب بطائرةٍ وتعود إلى إسبانيا في قارب مطاطي لتستقبلها متطوّعة من الصليب الأحمر بهاتف آيفون وحضنٍ دافئ»، بدت وكأنها تُعيد إنتاج أقدم نكتة عن «العيش على حساب الغير». لكن ما كان يُمكن أن يظل طرفةً عابرة تحوّل إلى عاصفةٍ إلكترونيةٍ عاتية، لأن القوم – في عزّ حملة انتخابات أوروبية ساخنة – ليسوا في مزاجٍ يسمح بمزيد من «الاستفزازات".
عندما يصبح المزاح… "رصاصةً طائشة"
المفارقة أنّ بعض الغاضبين لم يوجّهوا سهامَهم نحو المرأة وحدها، بل صوب السياسيين الذين – على حدّ قولهم – «مدّوا السجادة الحمراء لكل من يطرق الباب». وهنا انقسمت الردود بين من يطالب بترحيلٍ جماعي، ومن يقترح «ترحيل السياسيين أوّلاً»، ومن يستنكر خطاب الكراهية برمّته.
دروس من خلف الشاشة
ما يقوله أو يفعله أي فرد سرعان ما يُلبس الجالية المغربية بأكملها ما ليس فيها. هنا تكمن خطورة «التعميم» الذي يغذّيه تصريحٌ غير مسؤول.
لقطةٌ عفوية قد تُطارد صاحبها، وربّما «أمّته كلّها»، لسنوات. فمن العبث الاعتقاد أن فيديو اليوم يدفنه فيديو الغد.
الاحترام لا يُقاس بعدّاد الإعجابات
لعلّ البحث المحموم عن «ترند» و«مشاهدات» يدفع بعضهم إلى الخط الأحمر، ظنّاً أنّ «السخرية اللاذعة» طريقٌ مختصر إلى الشهرة. لكنها شهرةٌ تنقلب شراً مستطيراً حين تهين الآخر وتضرّ بصورة الوطن.
يا سيدتي، أنت سفيرة غير مكلَّفة. جواز سفرك يحمل خيطا رفيعا يصل الرباط بمدريد، أو باريس، أو روما… خيطاً قد ينقطع بعبارةٍ ساخرة أو فيديو مستفز. لستَ مضطرة إلى ارتداء بدلةٍ رسمية كل صباح، لكن تذكّري أنّ «كلامك هو وجهك». وإن كان لابد من المزاح، فليكن مزاحاً يشبه ذوق أهل فاس وروح طنجة وابتسامة الصويرة: خفيفاً، ذكياً، لا يَجرح ولا يُحرج.
لا أحد يمنع الضحك، فالضحك مِلْحُ العيش. لكن الملح إذا زاد أفسد الطبخة، وإذا نقص أضاع النكهة. فلنضحك مع الآخرين لا عليهم، ولْنعمل ـ قبل أن «نستمتع بفلوسهم» كما قالت تلك السيدة ـ حتى نكون جزءاً من الحل لا عنواناً للمشكل.
الكرامة لا تُصْرَف في البنوك، ولكن تُسْحَب من رصيد الأخلاق». فلنُبقِ هذا الرصيد عامراً… كي لا يُغلق الحساب!