في الوقت الذي تسجل فيه أوروبا ظهورًا مفاجئًا لبؤر جديدة من مرض الطاعون الذي يصيب المجترات الصغيرة، اختارت منصة Diario Veterinario الإسبانية، وهي واحدة من أبرز المراجع الإعلامية المتخصصة في الصحة الحيوانية والطب البيطري، أن تسلط الضوء على التجربة المغربية كنموذج يُحتذى به في محاصرة هذا الداء العابر للحدود، وذلك عبر تقرير موسع نُشر يوم الإثنين 23 يونيو 2025.
المرض، الذي يُعرف علميًا باسم طاعون المجترات الصغيرة (PPR)، يشكل خطرًا صامتًا على الأمن الغذائي والفلاحي، إذ يصيب الأغنام والماعز، ويتسبب في خسائر فادحة للكسابة، خصوصًا في المناطق الهشة.
التقرير الصادرعن هذه المنصة الموثوقة، والذي اعتمد على معطيات من منظمة الصحة الحيوانية العالمية (OMSA)، أبرز كيف نجح المغرب في التصدي لهذا المرض من خلال خطة تلقيح فعّالة طويلة الأمد، شكلت رهانًا استراتيجيًا منذ سنة 2008.
عندما تتكلم اللقاحات بلغة الأرقام
منذ ظهور أولى حالات الإصابة في المغرب، حيث نفق أكثر من 2300 رأس من الغنم و200 من الماعز، تحركت السلطات البيطرية بسرعة لاحتواء الوضع. ويُشير التقرير إلى أن المغرب قام، خلال الفترة ما بين 2008 و2010، بتلقيح 90٪ من قطيعه سنويًا، قبل أن يعتمد لاحقًا استراتيجية تقوم على تلقيح دوري كل سنتين بلقاح ثنائي يحمي من الطاعون وجدري الغنم.
وحسب معطيات التقرير المذكور، يتم تلقيح أكثر من 22 مليون رأس خلال كل حملة، ما يجعل التلقيح أداة رئيسية للسيطرة على عودة المرض، بكلفة تناهز 12 مليون دولار لكل حملة، تُوجَّه 75٪ منها لتعبئة الأطباء البيطريين، والباقي لإنتاج اللقاحات محليًا.
شبكة بيطرية قوية وراء الإنجاز المغربي
التقرير ينقل عن الدكتور عبد الرحمان الأبرك، ممثل المغرب في منظمة OMSA، تأكيده أن نجاح المغرب في هذه المعركة يرجع إلى "شبكة قوية من الأطباء البيطريين في القرى والبوادي، مدعومة بشراكة فعالة بين القطاع العام والخاص." ويضيف: "في ظل صعوبة مراقبة تحركات الحيوانات في دول المغرب الكبير، تبقى التلقيحات المتكررة هي السبيل الأكثر واقعية وفعالية".
ومن النقاط القوية التي يبرزها تقرير Diario Veterinario هو أن المغرب لا يكتفي باستيراد اللقاحات، بل يشرف على إنتاجها داخل أراضيه من خلال شركتين محليتين. هذا الإنتاج المحلي يمنح البلاد سيادة صحية ومرونة في مواجهة أي طارئ، ويقلل من خطر الانقطاعات في الإمدادات أثناء الحملات الكبرى.
هذا التقرير المدعوم بخبرة علمية وتحاليل دقيقة، يختم بتحذير من الدكتور الأبرك مفاده أن المغرب لا يمكنه بمفرده القضاء على المرض كليًا، لأن الخطر لا يأتي من الداخل فقط، بل من الحدود التي تعبرها الحيوانات في صمت، أحيانًا خارج كل رقابة. ويقول: "بدون تنسيق إقليمي حقيقي، من الصعب القضاء على هذا الوباء. لكننا نؤمن أن القضاء عليه ممكن، إذا تكاتفت الجهود".