يرى سعيد جميل، أستاذ التعليم العالي بالمحمدية، أن بعدا جديدا يلوح في أفق توجه جديد يعيد النظر في الامتحانات الجهوية المنظمة عند نهاية المرحلة الابتدائية في ظل النقاشات المتصاعدة حول فعالية منظومة التقويم المدرسي بالمغرب، وذلك في سياق سعي الدولة إلى تخفيف الأعباء النفسية والمادية عن التلاميذ والأسر، والارتقاء بجودة التعلمات.
وقال "رغم أن هذه الامتحانات لا تمثل سوى 25% من المعدل النهائي، إلا أنها تستنزف موارد بشرية ولوجستيكية ضخمة، كما تفرض على الدولة كلفة مالية عالية لا تنعكس بالضرورة على تحسين المكتسبات التعليمية. ويُطرح بذلك تساؤل مركزي حول مدى ملاءمة هذه المقاربة مع التحولات العميقة التي يشهدها قطاع التربية والتكوين".
ولفت أستاذ التعليم العالي، إلى أن التجربة تُظهر أن الجيل المولود بعد 2010 يواجه ضغوطا نفسية متزايدة في ظل تكريس ثقافة الامتحان في سن مبكرة، مما يُفضي إلى التوتر والقلق ويحد من النمو التربوي المتوازن. ويرى متخصصون أن التركيز على الامتحان الإقليمي في نهاية المستوى السادس يُعيق التعلم التراكمي، ويهمّش دور التكوين الذاتي والتدرج في بناء الكفايات.
واستطرد موضحا بقوله "في المقابل، يفترض أن تشكل السنة السادسة من التعليم الابتدائي مرحلة انتقالية تراعي خصوصيات الطفل وتُمهّد لمرحلة الإعدادي، التي تتميز بتعدد المواد واستقلالية أكبر في التعلم. في هذا السياق، يصبح من الضروري اعتماد مقاربات تقييمية مرنة، تُركز على التتبع التربوي والدعم النفسي والاجتماعي، بدل تحويل التقويم إلى عائق يُعيق المتعلم عن التقدم السلس".
ومن جهة أخرى، اعتبر الدكتور سعيد جميل في تحليله هذا، أن العبء التنظيمي للامتحانات الجهوية معضلة يُشكل حقيقية، إذ يشمل تجهيز المواضيع، وطباعة الأظرفة، وتعبئة المراقبين والمصححين، فضلًا عن التداعيات الاقتصادية المرتبطة بتغيب أولياء الأمور عن العمل لمواكبة أبنائهم. هذا بالإضافة إلى لجوء الأسر المتزايد إلى دروس الدعم الخصوصي، مما يُرسّخ منطقًا مبكرًا للاتكال ويُضعف ملكة التعلم الذاتي لدى التلاميذ، وتباع مشيرا، إلى أن الأثر السلبي لا يقتصر على المتعلمين، بل يمتد إلى المدرسين أيضًا، حيث يجد أساتذة المستوى السادس أنفسهم مضطرين للتركيز على التحضير للامتحانات بدل ترسيخ التعلمات الأساسية، مما يضعف جودة التكوين ويشوّش على أهداف المرحلة التربوية.
في هذا الإطار، يرى المتحدث أن النقاش يتزايد حول عدالة الامتحان الجهوي، الذي لا يراعي دائمًا الفوارق بين المؤسسات التعليمية من حيث السياق والإمكانيات، وهو ما قد يُكرس شعورا باللا إنصاف ويؤثر سلبًا على مصداقية منظومة التقييم العمومي.
وحول الموضوع ذاته، أكد جميل سعيد أن العديد من الدول، خاصة في أوروبا الجنوبية كفرنسا وإسبانيا وإيطاليا، اتجهت إلى اعتماد التقييم المستمر داخل المؤسسات بدل الامتحانات الموحدة، مما أتاح مرونة أكبر وعدالة أوسع، وقلص التكاليف الإدارية واللوجستيكية، مع ضمان استقرار نفسي وتربوي للتلاميذ والأسر على حد سواء.
وقال "في المغرب، يخضع تقييم مكتسبات التلاميذ في المستويين السادس ابتدائي والثالث إعدادي لإشراف مؤسسات وطنية مثل المركز الوطني للامتحانات والتقويم، والمجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي، إضافة إلى التعاون مع منظمات دولية كاليونسكو ومنظمة التعاون والتنمية الاقتصادية والبنك الدولي، في إطار مسعى مشترك لقياس الكفايات بدل الاقتصار على اختبارات منهجية مكلفة".
واختتم قائلا أستاذ التعليم العالي قائلا "تندرج هذه الرؤية ضمن توجه عالمي يروم تجاوز نموذج الامتحان النهائي في مرحلة التعليم الابتدائي، لفائدة تقييم تربوي شامل، بسيط، مرن، وفعال، يخفف من الضغط، ويُكرّس مبدأ الإنصاف، ويُسهم في إعداد التلميذ نفسيًا ومعرفيًا لولوج المرحلة الإعدادية بعقلية مستقلة ونفسية متوازنة، وبتكلفة أقل على الدولة والمجتمع."