فعاليات اليوم الثاني من تظاهرة الأبواب المفتوحة للأمن الوطني، التي تقام في مركز المعارض محمد السادس في الجديدة، حملت برنامجا حافلا للزوار تضمن العديد من الفقرات.
وأحد المواعيد التي جذبت الاهتمام كانت ندوة "أمن التظاهرات الكبرى: الجمعية العامة للمنظمة الدولية للشرطة الجنائية بمراكش نموذجا"، والتي وضعت الحضور في قلب الاستعدادات لمحطات بارزة تلوح في الأفق، فيما أتحفت الشرطة السينوتقنية ضيوف الشرطة بعرض نال الكثير من الإعجاب، والذي ميزه تقديم كلاب من سلالة نادرة، يجري تحضيرها للدخول للخدمة قريبا.
استعدادات "الإنتربول" و"الكان" والمونديال
تتقدم التحضيرات الأمنية بوتيرة متسارعة لثلاث تظاهرات كبرى تستضيفها المملكة، وهي مؤتمر منظمة الشرطة الجنائية الدولية "الإنتربول"، وكأس الأمم الإفريقية لكرة القدم "كان 2025"، ومونديال 2030".
ومع قرب استقبال أول هذه المواعيد البارزة، ألا وهو مؤتمر "الإنتربول" الذي تحتضنه مراكش بين 24 و27 نونبر المقبل، تستعد المديرية العامة للأمن الوطني لهذا الحدث الدولي عن طريق مجموعة من البروتوكولات والتكتيكات والسياسات الأمنية التي توضع كخارطة طريق لإنجاح هذه العمليات، وذلك في ظل ما تتطلبه من إمكانيات بشرية ولوجستيكية وفنية وتقنية يجب تطبيقها تطبيقا سليما.
استعراض هذه التحضيرات جاء في ندوة حول "أمن التظاهرات الكبرى: الجمعية العامة للمنظمة الدولية للشرطة الجنائية بمراكش نموذجا"، والتي شكلت آلية التعاون الدولي موضوعها الرئيسي.
في هذه المناسبة، التي نظمت، أول أمس الأحد، في إطار الدورة السادسة لأيام الأبواب المفتوحة للأمن الوطني، استحضر ما يجمع بين المغرب وإسبانيا من تعاون أمني نموذجي، وهما في طريقهما إلى احتضان كأس العالم 2030، إلى جانب البرتغال.
في هذا السياق، طرحت ما بلغته هذه الآلية من تقدم بين البلدين، والتي وصلت إلى مستويات متقدمة جدا.
وبهذا الخصوص، أكد أدريانو روبيو، عميد شرطة ممتاز، ومستشار لوزارة الداخلية بسفارة إسبانيا بالرباط، أن هناك ضابط ربط وخطوط مؤمنة للوحدات الأمنية الإسبانية والمغربية.
كما أكد أن سنتي 2024 و2025 اتسمت بأهمية بالغة في هذا المجال، مضيفا، في هذا الصدد، "بدأنا الاشتغال بتعليمات من المدير العام للأمن الوطني ومديرية مراقبة التراب الوطني عبد اللطيف حموشي، والمدير العام للشرطة الوطنية الإسبانية فرانسيسكو باردو بيكيراس، والذين يوجد بينهما اتصال مباشر".
وقال أدريانو روبيو إن "مسؤولون أمنيين مغاربة سامين كانوا حاضرين في نهائي كأس إسبانيا الذي لعب في مدينة إشبيلية"، وهي المباراة التي جمعت برشلونة بريال مدريد، مبرزا أنهم شاركوا في تأمين هذا الحدث الكروي المهم.
وشدد عميد الشرطة الممتاز على ازدهار التعاون الأمني بين الرباط ومدريد، والذي يأتي في سياقه تنظيم مونديال 2030، مشيرا إلى أن إسبانيا شريك استراتيجي للمملكة.
وأبرز روبيو، المتخصص في مجال الشرطة القضائية والجريمة المنظمة، أن المغرب، بتعاونه وتنسيقه الوثيق مع إسبانيا، عمل على التقليص من حجم الهجرة غير النظامية مع استحضار الجوانب الإنسانية واحترام تام للحقوق والحريات، مشيرا كذلك إلى العديد من العمليات الأمنية المشتركة بين البلدين، سيما في مجال تهريب المخدرات.
وذكر، في هذا الصدد، بأن المملكة المغربية سبق وأن وضعت استراتيجية وطنية للهجرة غير النظامية، كما عملت على تسوية الوضعية القانونية للكثير من المهاجرين، مؤكدا أن إسبانيا استمدت من هذه التجربة مجموعة من الممارسات الفضلى المرتبطة بهذا المجال.
ثقة عالمية بالمغرب
في سياق هذا الموضوع، كان لوالي الأمن، مصطفى حجام، رئيس مصلحة المكتب المركزي الوطني، مداخلة قال فيها إن احتضان المغرب للدورة الـ93 للجمعية العامة لمنظمة الإنتربول، يعكس مكانته كشريك موثوق به في مواجهة التحديات الأمنية العالمية والإقليمية.
وذكر حجام أن هذا الاحتضان هو بمثابة تنويه قوي بريادة المغرب في التعاون الدولي الأمني، من جهة، وبالنموذج المغربي الناجح في احتضان الفعاليات الكبرى، من جهة أخرى.
وأوضح أن "استضافة المملكة لأشغال الجمعية العامة المقبلة للإنتربول يندرج ضمن استراتيجية تروم تدعيم انخراط بلادنا في آليات التعاون الأمني الدولي"، واعترافا دوليا بالدور الريادي للمغرب في تعزيز الأمن والسلم الدوليين ومواجهة مختلف التهديدات الإرهابية ومخاطر الجريمة المنظمة العابرة للحدود، وكذا توطيد الحضور الأمني المغربي كفاعل رئيسي موثوق به في مختلف المؤتمرات والملتقيات العملية ذات الصلة بالتعاون الشرطي وقضايا العدالة الجنائية.
وأضاف المسؤول ذاته أن هذا الموعد السنوي، المزمع تنظيمه بمراكش بين 24 و27 نونبر المقبل، يشكل مناسبة متجددة ستشارك فيها مصالح الأمن المغربية بشكل فاعل في مناقشة قضايا الأمن الشامل وآليات التعاون الشرطي الدولي، واستشراف التهديدات والمخاطر المحدقة بالأمن العالمي، فضلا عن تطوير شراكات أمنية تخدم قضايا الأمن والاستقرار.
من جانبه، تطرق رئيس قسم تدبير آليات التعاون الدولي في الميدان الجنائي، ونائب مدير الشؤون الجنائية والعفو ورصد الجريمة بوزارة العدل، محسن رمضاني، إلى آليات التعاون القضائي المغربي في الميدان الجنائي.
وقدم رمضاني، بهذه المناسبة، لمحة عن التعاون القضائي الدولي كآلية تنظمها الاتفاقيات الأممية متعددة الأطراف، مؤكدا أنه عندما أبانت هذه الاتفاقيات عن قصورها، سيما في مجال الجريمة المنظمة، اهتدت الدول إلى ضرورة التوقيع على معاهدات واتفاقيات ثنائية لضمان حسن تطبيق هذا التعاون، خاصة في مجال التسليم.
وأكد أن هذه الآلية تتطلب نوعا من الثقة والفعالية، بالنظر إلى أن موضوع التسليم يفرض العديد من العقبات، كامتناع بعض الدول عن تسليم المجرمين أو المحكوم عليهم، مبرزا أن المغرب توصل إلى إبرام 82 اتفاقية في مجال التسليم، مذكرا في الوقت ذاته بالآليات الأخرى كالإنابة القضائية والشكاية الرسمية.
التعاون الدولي في أرقام
ضمن هذه المداخلة، أيضا، استعرض مصطفى حجام حصيلة التعاون الأمني المغربي مع منظمة "الإنتربول".
وضمن الأرقام التي قدمها، كشف أن المغرب تبادل المعلومات مع "الإنتربول" في 79952 قضية منذ سنة 2015، وذلك في مجال مكافحة الجريمة المنظمة العابرة للحدود الوطنية.
وتتوزع هذه القضايا، يضيف المسؤول ذاته، على 2118 قضية في مجال مكافحة الإرهاب، و37923 في مجال الاتجار في المخدرات، و4774 في مجال مكافحة الهجرة غير الشرعية، و1023 في مجال مكافحة الجريمة السيبرانية، و1846 في مايخص محاربة الجريمة الاقتصادية والمالية.
كما سجل خلال هذه الفترة، يوضح أحجام، تبادل التفاعل مع 66399 طلبات معلومات مع المكاتب المركزية الوطنية للدول الأعضاء في "الإنتربول".
وفيما يخص تسليم المجرمين، كشف عن إيقاف 427 شخصا في المغرب كانوا يشكلون موضوع أبحاث على الصعيد الدولي من طرف الدول الأعضاء في منظمة "الإنتربول"، مبرزا أن السلطات في المملكة سملت 318 منهم إلى نظيرتها الأجنبية، في المقابل ألقي القبض، على 326 شخصا مطلوبا للقضاء المغربي في الدول الأجنبية، سلم 223 منهم إلى الرباط.
وذكر أن المكتب الوطني المركزي (أنتربول الرباط) يلعب دورا في تنفيذ الإنابات القضائية الدولية التي تصدر عن دول أجنبية، خاصة عن السلطات القضائية، مشيرا إلى أنه، منذ 2015، جرى تنفيذ 1398 إنابة قضائية.
""سان إيبر" لأول مرة مع الأمن
"هادشي كيعجب"... هكذا عبر أحد الزوار، بعفوية، عن إعجابه الشديد بالعرض الذي قدمته فرقة الشرطة السينوتقنية، خلال عرض قدمته في فعاليات هذا اليوم، والذي شهد تفاعلا لافتا من الجمهور.
فقد أبهر كلاب الشرطة ومدربوهم الحاضرين بلوحات دقيقة اتسمت بالانضباط، الذكاء، والفعالية في تنفيذ الأوامر والمهام الموكلة إليهم.
لكن المفاجأة التي لم تكن في الحسبان تمثلت في عرض سلالة نادرة من الكلاب تقدم لأول مرة، والتي جرى إدماجها، قبل شهور قليلة، ضمن تشكيلة كلاب الفرقة السينوتقنية التابعة للمديرية العامة للأمن الوطني.
ويتعلق الأمر بسلاسلة "سان إيبر" البلجيكية، التي التحقت السنة الماضية بهذه التشكيلة. تتميز هذه السلالة الجديدة بحاسة شم خارقة تعد الأقوى، مقارنة مع باقي السلالات المستخدمة تقليديا في العمل الأمني.
وبخلاف السلالات المعروفة بقدرتها العالية على الانضباط، فإن هذه السلالة، رغم كونها "أقل انضباطا"، إلا أنها تعوض ذلك بقدرتها الفائقة على تتبع الروائح في الهواء، وهو ما يتيح لها أداء مهام دقيقة في جهود الإنقاذ والبحث عن من سقطوا تحت الأنقاض.
تم استقدام من الولايات المتحدة الأميركية أربعة كلاب من هذه السلالة النادرة إلى صفوف الأمن الوطني خلال السنة الماضية، في إطار مشروع تجريبي يروم توسيع قدرات الشرطة السينوتقنية، وإدماج أنواع جديدة من الكلاب تتماشى مع المهام الموكولة إلى الجهاز.
ويتواجد الكلاب الأربعة حاليا في مرحلة التدريب المتخصص "الدريساج"، تمهيدا لدمجهم في العمليات الميدانية ابتداء من السنة المقبلة.
من هنا كانت الانطلاقة
عملت المديرية العامة للأمن الوطني، منذ إنشائها، على إحداث فرق للشرطة السينوتقنية، قبل أن يتم في سنة 1992 إنشاء مركز وطني حديث بمدينة الرباط، يسهر على التكوين في مختلف التخصصات السينوتقنية، والرقي به سنة 2016 إلى قسم مركزي تابع لمديرية الشرطة القضائية، بهدف تعزيز مهامه لتشمل مراقبة وتتبع وتقييم أنشطة فرق الشرطة السينوتقنية.
وتشارك الفرقة السينوتقنية عبر رواق في الدورة السادسة للأبواب المفتوحة عبر رواق يتم فيه شرح هذا التخصص، وفضاء للتداريب يتم فيه تقديم عروض مباشرة حول التخصصات الموجودة، من قبيل البحث عن المخدرات والمتفجرات والأوراق المالية، وتقفي آثار الأشخاص والبحث عن الجثث وآثار الدم البشرية.
وتعتمد الشرطة السينوتقنية على كلاب من سلالة الراعي الألماني، والراعي البلجيكي مالينوا، والراعي الهولندي، والروتفايلر، واللبرادور، وكوكر سانيل الإنجليزي.
وتهتم تخصصات هذه الفرقة التدخل بالشارع، والبحث عن المخدرات، وكشف المتفجرات. وتخضع الكلاب المروضة بالرعاية المناسبة، إذ تخضع لنظام تغذية صحي ومتوازن وتتلقى المتابعة البيطرية التي يسهر عليها طاقم بيطري مؤهل.
"ويكاند" أمني
أجواء، أول أمس، لم تكن إلا لتعكس مشهد أن نهاية أسبوع كانت أمنية في أزمور والجديدة. المدينتان اختار سكانها، على الخصوص، إلى جانب سكان مناطق ومدن مجاورة، أن يقصدوا مركز المعارض محمد السادس، يومي السبت والأحد، لمتابعة فعاليات الدورة السادسة للأبواب المفتوحة.
وتواصل، أول أمس، تقاطر أعداد غفيرة على المركز، كما كان عليه الأمر في اليوم الأول لانطلاق التظاهرة، وذلك في مشهد يعبر بجلاء عن تطلع المواطنين وشغفهم لاكتشاف الوسائل والتجهيزات الحديثة التي تعتمدها المؤسسة الأمنية في أداء مهامها اليومية، سواء في مكافحة الجريمة أو في الحفاظ على النظام العام وضمان أمن المواطنين.
كما تجسد هذه المشاركة الواسعة النجاح المستمر لمبادرة "تواصل القرب"، التي تسهم في ترسيخ الثقة وتعزيز الشعور بالفخر والانتماء لدى المواطنين تجاه مؤسستهم الأمنية، والتي تضع في صميم وجودها خدمة الوطن والمواطن.
وما أثار الإعجاب في هذه التظاهرة هو روح الانفتاح والتفاعل التي أبان عنها رجال ونساء الشرطة، الذين حرصوا على التجاوب مع أسئلة واستفسارات الزوار من مختلف الأعمار، وشرح تفاصيل عملهم وتقنياتهم ومعداتهم بكل رحابة صدر واحترافية.
وبالنظر إلى الزخم الكبير الذي رافق انطلاقة هذه الدورة، فإن التوقعات تشير إلى إمكانية تحطيم الرقم القياسي الذي سجلته نسخة أكادير، والتي فاق عدد زوارها مليوني شخص.
وقد اختارت المديرية العامة للأمن الوطني لهذه الدورة شعار "فخورون بخدمة أمة عريقة وعرش مجيد"، وذلك كتعبير منها على اعتزاز أسرة الأمن الوطني ببذل الغالي والنفيس في سبيل خدمة الأمة المغربية والعرش العلوي المجيد.
وتهدف هذه النسخة الجديدة من أيام الأبواب المفتوحة إلى مواصلة الارتقاء بجودة هذا الموعد التواصلي السنوي، الذي أضحى تمرينا مؤسسيا تشارك في التحضير له بجدية مختلف مصالح الأمن الوطني، من خلال إنشاء فضاء عرض متكامل، مجاني ومفتوح أمام العموم، يُقدّم صورة شاملة عن مختلف المهن والتخصصات الأمنية، في إطار يجمع بين المعرفة، المتعة، والتفاعل المباشر بين رجال الشرطة والمواطنين، من جميع الفئات العمرية.
فعلى غرار الدورات الخمس السابقة بمدن الدارالبيضاء ومراكش وطنجة وفاس وأكادير، أعدت المديرية العامة للأمن الوطني في الجديدة، وعلى مساحة 20 ألف متر مربع، فضاءات عرض متنوعة، تتكون من فضاءات مغطاة تتضمن أكثر من 50 رواقا جرى تجميعها ضمن أروقة موضوعاتية، تعرض وفق تقسيم دقيق موجزا لمهن وتخصصات الشرطة، مع التركيز على تلك التي تتميز بعامل الجذب لدى المواطنين، من قبيل توظيف التكنولوجيا لخدمة الأمن والشرطة العلمية والتقنية والفرق الشرطية المتخصصة، فضلا عن فضاءات خاصة بالتوعية والتحسيس لفائدة الناشئة وكافة المواطنين.
تصوير: حسن السرادني