بعد عدة معارض ناجحة بالمغرب والخارج، يحط الفنان التشكيلي رشيد اغلي ابن مدينة مراكش، الرحال بمدينة تزنيت عبر معرض تشكيلي فردي برواق باب جديد، يستمر إلى غاية 28 دجنبر الجاري. وينضاف هذا المعرض الفردي لمساره الفني الواعد، حيث تجاوز لحظة الدهشة بتعبير الأدباء إلى مرحلة إبراز تجربته التشكيلية أمام الجمهور المهتم والنقاد الفنيين.
في حضرة لوحاته التي أثثت رواق باب جديد يسافر بنا رشيد إغلي إلى عالم متفرد لا نسعى كملاحظين ومتتبعين للشأن الفني، مغادرته، عبر أعماله الجديدة المتمثلة في أزيد من 12 لوحة تشكيلية، تنبني على ثلاثية الحرف والنقطة والدائرة، حيث تأتي هذه الأخيرة كسند للعمل، وهو سند خشبي مغلف بجلد حيواني.
وفي هذا الإطار، يقول الفنان التشكيلي رشيد اغلي، في تصريح لـ"الصحراء المغربية"، الأعمال الجديدة استعملت فيها جلد الماعز لصلابته وصفاء لونه، والدائرة مرتبطة منذ لحظات الخلق الأولى بشكل الكون الدائري، وبالتالي ففضاء العمل يستمد مرجعيته الهندسية من الشكل الدائري للكون وكذلك ارتباطا بلحظات التقعيد الأولى مع الوزير العباسي ابن مقلة، الذي جعل منها أصل كل أشكال الحروف المكونة للأبجدية العربية.
وعودة إلى أصل الحرف وفعل الكتابة إجمالا، يستحضر الفنان التشكيلي رشيد اغلي حديث الرسول(ص) أول ما خلق اللهُ القلَمَ، مضيفا أن الفضل الكبير لفعل الكتابة بما هي أداة الخلق الأولى وأصل كل الموجودات، كان الانشغال بالحرف والاشتغال عليه أحد أهم ركائز أعمالي التشكيلية.
وأوضح إغلي أن حضور الحروف في أعماله هو تساؤل مفتوح على مكانة هذه الحروف العربية بأقسامها المختلفة من حيث نطقها ورقمها يعني كتابتها وأشكالها، مؤكدا أن هذه الحروف ترتبط بعلم الكون وببنيته ونشأته عن طريق التشابه بين مراحل صدور الكلام الإنساني من القلب، أي من الغيب حتى يظهر في العالم الخارجي وهو عالم الشهادة على شكل حروف وكلام منطوق أو مكتوب.
وأشار إلى أن كل ذلك يرتبط بالكلام الإلاهي، الذي ما هو إلا أعيان الموجودات في الكون بأسره فهي كلمات الله التي لا تنفذ، فالكون كله ما هو إلا كتاب فيه أبواب وفصول وفقرات وجمل وكلمات وحروف، هي المجرات والنجوم والكواكب والجبال والرمال، والوجود الطبيعي كله رق منشور والكون فيه كتاب مسطور.
وحسب رشيد إغلي، فإن الحروف العربية بأقسامها المختلفة من حيث نطقها ورقمها ترتبط بعلم الكون عن طريق هذا التشابه على مراحل صدور الكلام الإنساني من الغيب إلى الشهادة، مضيفا أن هذا التناظر الكوني الرمزي بين الحروف والعالم يصح على مستوى الحروف المكتوبة وكذلك على مستوى الحروف المنطوقة، لأن القلم الأعلى وهو العقل الأول الذي يكتب في النفس الكلية وهي اللوح المحفوظ الذي فيه ظهر العالم.
وأوضح أن هذا العقل الأول أو القلم الأعلى يكتب مايريد الحق أن يخلقه في العالم، وهذه الكتابة ينتج عنها أصوات تسمى صريف الأقلام وهي في الحقيقة تلك الاهتزازات الكونية للأوتار الفائقة التي تظهر في الوجود على شكل الجسيمات الأولية التي تؤلف ذرات الكون. وأشار الى أن علم الحروف ومعرفتها هو في النهاية يتعلق بمعرفة الوجود ومعرفة علم الكون وهذه العلوم الحديثة بما فيها الفيزياء والنسبية والكم ونظرية الأوثار الفائقة وغيرها.
وتابع المتحدث أن النقطة وهي المبتدأ والوحدة الأساسية لكل خط وشكل، كانت من بين مميزات أعماله الجديدة، حيث تناولها في شكلها الدائري كفراغ داخل العمل ومنه ينبثق في الغالب حرف أو جزء من حرف أو بداية أو نهاية حرف، في إشارة إلى البدايات أو النهايات، فغالبا ما تحضر عبارة "نقطة البداية" أو "نقطة النهاية" في إشارة إلى ارتباطنا بالبعد الزمني كذلك.
وخلص الى أن النقطة في شكلها الدائري تحيط بها تشكيلات حرفية، وهي مجرد أصوات لا تحمل أي معنى مقصود، واعتمدها اقتباسا من الحروفيين الفرنسيين وخصوصا إزيدورإيسو "isidorisou - 1925 – 2007 " الذي اشتغل على الأصوات بعيدا عن المعنى، الشيء الذي يجعل المتلقي وهو يبحث عن المعنى ويحاول فك شيفرة اللغة المعتادة لديه يطيل النظر في العبارات اللاعبارات، وبالتالي يركز في الشكل ويبني في عالم اللغز معاني تضعه داخل تجربة جديدة.