أحمد نور الدين: استيراد 16 مليون طن لتغطية نقص مردودية الحبوب سيكلف 3.6 ملايير دولار (حوار)

الصحراء المغربية
الثلاثاء 24 ماي 2022 - 10:55

قال أحمد نور الدين، الخبير في القضايا الدولية والاستراتيجية والأمن الغذائي والطاقي، إن ميزانية الدولة ستتكبد خسارة قد تصل إلى حوالي 3,6 ملايير دولار، أي ما يناهز 7 في المائة من الميزانية العامة للدولة المتوقعة برسم 2022، نتيجة اضطرار المغرب لاستيراد 16 مليون طن من الحبوب لتغطية نقص الإنتاج هذه السنة.

واعتبر أحمد نور الدين في حوار مع "الصحراء المغربية" أن هذا الرقم كبير وقال "سيشكل عبئا ثقيلا على الاقتصاد الوطني يضاف إلى الفاتورة الطاقية التي تضاعفت هي الأخرى وانعكست بشكل مباشر على ارتفاع كلفة نقل كل البضائع، وبالتالي ارتفاع كل المواد الاستهلاكية مما قد يهدد السلم الاجتماعي على المدى المنظور".

وأضاف أن ضمان بلوغ مستوى السيادة الصناعية والطاقية والدوائية وباقي المجالات الاستراتيجية يبقى أمرا مهما، وأوضح قائلا "الأشياء تعرف بضدها، بمعنى أنه يجب النظر إلى خطورة الوضع في غياب هذه السيادة".

 

*بداية، كيف تنظرون إلى ارتدادات الوضع الجيوسياسي على الاقتصاد المغربي؟

المغرب مثل بقية دولة العالم ليس في منأى عن الآثار السلبية للحرب الروسية على أوكرانيا، وعلى عدة مستويات. فأول تأثير مباشر يتعلق بتزويد المغرب بالقمح الذي تشكل روسيا وأوكرانيا ما بين 20 في المائة إلى 30 في المائة من واردات المملكة من هذه المادة الاستراتيجية. ونظرا للحصار المفروض على روسيا من طرف الدول الغربية سواء بالنسبة للتجارة او المعاملات البنكية فأكيد أن واردات المغرب ستتأثر كما أن صادراتنا إلى البلدين ستتأثر ايضا، ونحن نعلم أن حجم المبادلات مع البلدين يناهز 3 ملايير دولار.

ولكن الخطر الأكبر يكمن في مضاعفة سعر القمح في السوق العالمية بسبب هذه الحرب، ونحن في موسم الحصاد، ولا تبدو هناك بوادر إنهاء الازمة. ويزداد الخطر حين نعلم أن توقعات المحصول الوطني لهذه السنة لن تتجاوز 32 مليون قنطار، بمعنى تراجع الإنتاج بحوالي 70 في المائة مقارنة مع السنة الماضية 2021. وارتفاع اسعار الحبوب كان بنسبة 100 في المائة تقريبا، من حوالي 250 دولار للطن إلى حوالي 500 دولار للطن كسعر مسجل خلال الأسبوع الماضي من شهر ماي، وإذا علمنا أن خزينة الدولة تتحمل الفارق عندما يتجاوز السعر 270 دولار للطن، فلكم أن تتوقعوا حجم الخسائر التي ستتكبدها ميزانية الدولة التي قد تضطر لاستيراد حوالي 16 مليون طن لتغطية نقص الإنتاج هذه السنة، وهو ما يعني خسارة قد تصل إلى حوالي 3,6 ملايير دولار، اي حوالي 7 في المائة من الميزانية العامة للدولة المتوقعة لسنة 2022.  وهو رقم كبير سيشكل عبئا ثقيلا على الاقتصاد الوطني يضاف إلى الفاتورة الطاقية التي تضاعفت هي الأخرى وانعكست بشكل مباشر على ارتفاع كلفة نقل كل البضائع، وبالتالي ارتفاع كل المواد الاستهلاكية مما قد يهدد السلم الاجتماعي على المدى المنظور لا قدر الله.

 

 *ما هي أهمية ضمان بلوغ مستوى السيادة الصناعية والطاقية والدوائية وباقي المجالات الاستراتيجية؟

بضدها تعرف الاشياء، بمعنى أنه يجب النظر الى خطورة الوضع في غياب هذه السيادة، ونعطي مثالا بالنسبة للأدوية بما وقع خلال اندلاع ازمة كورونا، فالدول التي لا تملك صناعات بيوتكنولوجية في مجالات اللقاحات كانت ساكنتها مهددة بخطر لا يقل عن خطر الحرب من حيث الضحايا وعدد الوفيات. أما بالنسبة للأمن الغذائي والطاقي فهناك مخاطر على مستوى المخزون الاستراتيجي سواء بالنسبة للقمح الذي تذهب التوقعات إلى أنه يتراوح بين 3 أشهر إلى 5 أشهر على أفضل تقدير. وبالنسبة للمحروقات فإن المخزون لا يتجاوز شهرين اثنين بالنسبة لبلد يستورد اغلب حاجاته من النفط والغاز. وهي مخزونات ضعيفة قد تشكل خطرا على الأمن القومي للمملكة، فإذا نظرنا إلى وضع الدول المتقدمة سنجد ان مخزونها الاستراتيجي لا يقل عن استهلاك سنة كاملة. لأنه في حالة وقوع إكراه ضاغط مثلا ستكون أمام خيارين أحلاهما مر، قطع الوقود عن الصناعات الوطنية وعن وسائل النقل المدنية وحتى على الفلاحة التي تستعمل الوقود في الري مثلا، وبين خيار قطع الوقود عن آليات وعتاد القوات المسلحة.. بهذه الخطورة يجب ان نتعامل مع المخزون الاستراتيجي.

 

 *ما هي الإجراءات الضرورية لتجنب مثل هذا السناريو الكارثي؟ وهل من حلول لمواجهة هذه المعضلة؟

يمكن القول إنه بفضل بعد النظر الذي تميز به جلالة الملك منذ اعتلائه العرش قبل عقدين من الزمن،  انخرط المغرب في استراتيجيات متعددة بدأت تؤتي اكلها، واذكر منها استراتيجية الاستباقية للتحول نحو الطاقات المتجددة، حيث اصبحت تشكل حوالي نصف الاستهلاك الوطني من الكهرباء، وهناك مشروع ملكي آخر لا يقل أهمية وهو ميناء الناظور غرب المتوسط، والذي يعتبر ميناء للصناعات الطاقية تكريرا وتخزينا، وسيوفر مخزونا استراتيجيا بالنسبة للمغرب من جهة، ولكنه سيورفر أيضا مخزونا لتأمين صادرات دول خليجية نحو أسواقها الأوربية والأمريكية حتى لا تتوقف إمداداتها بسبب أي توتر أو صعوبات قد تظهر في الشرق الاوسط. وأظن ان هذا الميناء سيدخل للخدمة سنة 2024.

وأكيد أن هذا مكسب مهم واستراتيجي بكل المقاييس. أضف الى ذلك المشروع الملكي في بن سليمان للصناعات البيوتكنولوجية الذي سيؤمن حاجات المملكة وجزءا كبيرا من حاجات إفريقيا من اللقاحات والأدوية.

 ولكن هناك إجراءات استعجالية يجب اتخاذها، ومنها مثلا إعادة تشغيل محطة سامير، ومحطة سيدي قاسم، بل يجب التفكير في محطات اخرى في الموانئ الجنوبية للمملكة، الجرف الاصفر، آسفي، أكادير، سيدي إفني، بوجدور، الداخلة، حتى لا ينطبق علينا المثل الدارج "اللي عندو باب واحد".

كما يجب تشجيع القطاع الخاص للاستثمار في المخزون الاستراتيجي للمواد الاستراتيجية سواء الغذائية مثل القمح أو الطاقية مثل الغاز والنفط، وذلك من خلال محفزات مالية وضريبية على اساس دفتر تحملات دقيق، ومن خلال الشراكة مع الجماعات الترابية لتحقيق مخزون جهوي في كل جهة من الجهات 12 للمملكة.




تابعونا على فيسبوك