أكد رشيد ساري، المحلل الاقتصادي في حوار لـ "الصحراء المغربية" أن المغرب تأثر جراء الأزمة العالمية الناجمة عن النزاع الروسي الأوكراني، معتبرا أن معدل النمو سيبلغ 1 في المائة خلال السنة السناء بعد توقعات بتحقيق 3.2 في المائة.
وعقب حديث عن إشكالية التضخم ومخلفاتها، تطرق ساري إلى نجاعة المخططات الاستراتيجية التي ستؤهل المملكة لبلوغ مرحلة تحقيق السيادة الطاقية والدوائية والصناعية، مشيرا كذلك إلى أن مشروع إنتاج مادة الهيدروجين سيساهم في ضمان قيمة مضافة عالية ستعزز مسارات الطاقات المتجددة التي ستتجاوز 52 في المائة في أفق 2030.
ولم يفت المحلل الاقتصادي التذكير بأن بأهمية عودة الدفء في العلاقات بين المغرب وإسبانيا باعتباره سيساعد البلدين على تنمية اقتصاداتها، وأيضا، الرفع من وتيرة المعاملات التجارية وتسهيلها وتبسيطها بشكل كبير.
في نظركم كيف ترون ارتدادات الوضع الجيوسياسي على الاقتصاد المغربي؟
الحقيقة أن الأجواء السياسية على المستوى العالمي تبعث على القلق لعدة اعتبارات، أهمها ارتجاح التعافي الاقتصادي الذي سجله العالم والمغرب عقب الاختلالات التي نجمت عن جائحة كوفيد ـ 19، وذلك بسبب الأزمة الروسية الأوكرانية، علما أن روسيا تساهم بشكل كبير تأمين الجانب الطاقي، كما أن الدولتين تعتبران مصدرا لا غنى عنه في مجال مادة القمح، في حين أن أوكرانيا تمثل المصدر الأول لمادة والزيوت النباتية.
وأدى الوضع الحالي كما معلوم إلى ارتفاع نسب التضخم على المستوى العالمي، فهناك أزمة بالنسبة للدول التي أعادت ترتيب أوراقها الاقتصادية وتوقعاتها، كما أن البنك الدولي أعاد ترتيب معدلات النمو التي توجد في منحى تنازلي.
وعلى مستوى المغرب فإنه تأثر ويتأثر بطبيعة الحال بهذه التداعيات، ولكن يمكننا القول إن الاقتصاد المغربي فوق ذلك يمر هذه السنة بفترة جد دقيقة، أولا هناك عامل الجفاف الذي يضرب البلاد وتوقعات تشير إلى إنتاج الحبوب لن يتعدى 32 مليون قنطار، بينما تأسست فرضيات قانون المالية 2022 على حوالي 80 مليون قنطار.
وبالنظر إلى ما يجري، فإننا سنكون أمام انخفاض القيمة المضافة الفلاحية ما سيكرس عجزا كبيرا، وهذا ما سيؤثر على معدل النمو الذي حدده قانون مالية السنة الجارية في 3.2 في المائة، ووفق المعطيات الحالية فإننا نتوقع نموا لن يتعدى 1 في المائة.
وأضيف أن تراجع هذا المعدل يأتي بفعل على معطيات أخرى كانت فجائية من قبيل الكلفة الطاقية التي تعتبر جد مرتفعة، فاليوم نلاحظ أن أسعار الغازوال ارتفعت بشكل صاروخي مسجلة زيادة بأكثر من 50 في المائة، وحتى الغاز الذي تدعمه الدولة سار في نفس الاتجاه.
وارتباطا بأسباب تراجع معدل النمو دائما، أشير كذلك إلى أن الميزانية المخصصة لصندوق المقاصة كانت محددة في 17 مليار درهم، واليوم نتحدث عن أرقام أخرى، وهذا يعني أن هناك إضافة 15 مليار درهم، وهو ما يجعل دعم صندوق المقاصة يعادل إجمالا 32 مليار درهم، وهو رقم قياسي، وعموما يمكن القول إن الوضع الجيوسياسي عالميا خلق نوعا من التضخم لم يكن منتظرا.
وأضيف أن المندوبية السامية للتخطيط أكدت أن معدل التضخم بلغ 6 في المائة، هو معدل تاريخي، علما أن نسب التضخم كانت تتراوح بين 0.9 في المائة حتى 1.8 في المائة كأبعد تقدير، ومن المرتقب أن تستمر هذه الأزمة فالتوقعات تؤكد أن الحرب الروسية الأوكرانية لن تنتهي قريبا، فمنذ فبراير حتى الان لم تظهر أي ملامح للتوقف، وربما ستدوم حتى دجنبر 2022.
ومما هو مؤكد أن الوضع الحالي عالميا أثر كثيرا على المغرب، وأقول إن على هذا الأخير الاستمرار ضمن أمور أخرى في استيراد الحبوب والتركيز مستقبلا على تكثيف هذه زراعة هذه المادة الأساسية تفاديا للخصاص.
ماهي أبعاد ضمان بلوغ مستوى السيادة الصناعية والطاقية والدوائية وباقي المجالات الاستراتيجية؟
قبل الجواب على هذا السؤال أقول أن المغرب انتهج سياسة من أجل تطوير صناعته منذ عقدين من الآن، فقد لاحظنا اليوم أن هناك تطورا كبيرا لصناعات السيارات والطائرات، وأكثر من هذا فإن نسبة الاستقلالية واعتماد مواد محلية في إنتاج السيارات بلغ 69 في المائة، وهو معدل إيجابي لأننا كنا نتحدث عن 10 في المائة من قبل، والمغرب يعتمد كذلك الآن على الطاقات النظيفة خاصة الشمسية وكذلك الريحية، واليوم نتحدث أيضا عن استقلالية في إنتاج الكهرباء من مصادر الطاقات النظيفة بنسبة 23 في المائة، وهناك توقعات ببلوغها 52 في المائة سنة 2030، وربما سنصل إلى مستويات أكبر.
وأقول إنه لا يمكن في هذا السياق أن نغفل أن المغرب يسير في اتجاه انتاج الهيدروجين الأخضر وهو مشروع في طور الإنجاز وسيكون بمثابة قيمة مضافة عالية للمغرب، وعلينا ألا ننسى ونحن نتحدث عن الأمن الطاقي والطاقات النظيفة، عما قام به المغرب من خلال بلورة استراتيجيات التنقيب عن الغاز، فعمليات الحفر التي شملت تقريبا 67 بئرا وتسجيل 40 تجربة ناجحة، اليوم بدأنا نستغل حقول تندرارة وهذا جد مهم ولو بكميات ليست بالكبيرة، ولكن هناك آفاق واعدة بإيجاد الغاز وبكميات كبيرة ووفيرة بحوض العرائش.
إذن هذه مجموعة من المخططات التي قام بها المغرب قبليا، أي قبل الحديث عن الأمن الطاقي، وأقول إن المغرب وفي إطار توجهاته الصائبة عقد اتفاقا مع دولة الصين لإنتاج لقاحات ضد كورونا ووقائية كذلك، فاليوم نرتبط بمجموعة من الاتفاقيات، وكمثال على ذلك مع سويسرا لإنتاج المواد الدوائية، وعلينا ألا ننسى أن الميثاق الجديد للاستثمار سيدعم الصناعات الاستراتيجية للمغرب خاصة الدفاعية وكذلك الصيدلانية.
وكل هذا يبرز أن مخططات المغرب تشجع على بلوغ الأمن الطاقي والصناعي والدوائي، ولكن اظن أن هناك خطوات أخرى يجب أن نقوم بها، فعندما نتحدث اليوم عن أزمة الغازوال والمحروقات بشكل عام، وحسب ما أفادته الوزيرة المكلفة بهذا القطاع فإن المغرب لم يعتمد استراتيجية التخزين منذ 20 سنة، واليوم هناك حديث عن تأسيس مجلس الأمن الطاقي وهو امر في غاية الأهمية، حيث سيمكن من بلوغ مرحلة التخزين.
وأنا على يقين وبالرجوع إلى الخطاب الملكي الذي ألقاء صاحب الجلالة يوم 8 أكتوبر من السنة الماضية خلال افتتاح الدورة البرلمانية الأولى لهذه الحكومة، أكد جلالته على أهمية التخزين.
واليوم كذلك نرى أن النموذج التنموي الجدي يدعو إلى اعتماد اقتصاد يواجه الأزمات، وبهذه الأسس التي سيعتمدها المغرب فإنها ستمكننا مستقبلا من رفع جميع التحديات. واليوم كما هو واضح نحن في أمس الحاجة لاقتصاد قائم على الموارد والمواد الداخلية لمواجهة أي طارئ يقع على المستوى الخارجي.
هل يمكن لعودة الدفء مع الجارة الشمالية إسبانيا أن يكون رافعة إضافية للاقتصاد المغربي، خاصة في ظل الظرفية الحالية وإكراهاتها؟
أيضا هنا قبل الإجابة على السؤال، من المهم استحضار العلاقات الاقتصادية بين المغرب وإسبانيا إبان الأزمة السياسية بين البلدين، إذ يمكن الإشارة إلى أن الجانب الاقتصادي لم يتأثر، والدليل على ذلك أننا لاحظنا ارتفاع معدلات المبادلات بين الاثنين وصل إلى 16.8 مليار أورو برسم سنة 2021، يعني أن المغرب صدر أزيد 7.3 مليار أورو بنسبة ارتفاع بلغت 14 في المائة، كما أن إسبانيا سجلت كذلك ارتفاعا بـ 29 في المائة وصدرت للمغرب ما قيمته 9.5 ملايير أورو، وهذا انعكس كثيرا على عجز الميزانية الذي قدر بـ 2.2 مليار أورو.
وأقول إنه مع عودة الدفء في علاقات الطرفية، وبداية ذلك من خلال عملية مرحبا، أرى أن المستفيد بشكل كبير هو إسبانيا، على اعتبار أن هذه العملية ستمكن إسبانيا من ضخ أكثر من مليار و200 مليون أورو، من خلال أنشطة مجموعة من البواخر والمدن الإسبانية التي كانت مثل الأشباح كطريفة وغيرها والمعبرين سبتة ومليلية.
ولكن اظن كذلك أن المغرب سيستفيد على المستوى الاجتماعي، حيث سيكون هناك مزيد من دخول مغاربة العالم وهذا أساسي، ونذكر هنا أن عددهم يبلغ ثلاثة ملايين مغربي يدخلون خلال مدة أربعة أشهر، وهو رقم قياسي وعالمي بالمقارنة مع التنقلات على المستوى العالمي بين الدول، واظن أن ما اعتمد في خارطة الطريقة للبيان المشترك الذي أشرف عليه صاحب الجلالة وكذلك رئيس الوزراء الإسباني، يعني ان هناك خطة عمل وأن العلاقات ستنبني على مقاربة رابح ـ رابح، أكثر من هذا لاحظنا أن فتح المعابر الحدودية كان بشروط مغربية تقوم على محاربة التهريب، يعني أنه لن تكون هناك هذه الممارسات التي كانت تستفيد منها إسبانيا بشكل كبير، فحجم البضائع التي تسرب كان يبلغ 2.7 مليار أورو، وهو ما كان يكبد خزينة الدولة خسائر واضحة، وهذه السنة أفادت إدارة الجمارك أن هناك تحسن بـ 4 ملايير درهم.
وارى أن عودة الدفء يجب أن تنبني على أسس أخرى، وهي علاقة رابح ـ رابح بين البلدين، وأن يكون كما كان المغرب هو المعبر لإسبانيا للولوج إلى إفريقيا، كما أن إسبانيا عليها أن تلعب دورا كبيرا من خلال تشجيع دخول المنتوجات المغربية إلى أسواق أوروبية أخرى وغيرها، ولا نقتصر فقط على الحلفاء التقليديين في الاتحاد الأوروبي الذي يضم 27 دولة، ولكن جانب المعاملات يشمل فقط 9 أو 10 دول، ولهذا فعليها في نظري التحفيز على دخول المنتوجات المغربية مثلا إلى دول أمريكا اللاتينية.
وبالفعل وجوابا على سؤالكم ففي ظل أوضاع الحالية، فإن عودة الدفء في العلاقات بين المغرب وإسبانيا سيساعد البلدين على تنمية اقتصاداتها، وأيضا، الرفع من وتيرة المعاملات التجارية وتسهيلها وتبسيطها بشكل كبير، ولكن علينا اقتحام مجالات أخرى كالمجال السياحي وغيره حتى تكون العلاقات متوازنة بين البلدين.