أعطى صدور مرسوم بالموافقة بالعدد الأخير من الجريدة الرسمية على الاتفاقية المبرمة بين المغرب والبنك الإفريقي للتنمية لتمويل مشروع الدراسة التمهيدية للتصميم الهندسي لمشروع أنبوب الغاز الرابط بين المغرب نيجيريا، نفسا جديدا. وبدأت الملامح الأولى لإنجاز مشروع أنبوب الغاز الرابط بين المغرب ونيجيريا ترى النور تدريجيا، ويرى متتبعون، أن هذا الورش غير المسبوق بين الرباط وأبوجا، سيساهم في إعادة رسم أبعاد خارطة الاندماج الاقتصادي للبلدان التي ستشارك فيه، وسيزيد من ريادة المغرب إقليميا وقاريا ودوليا. ويحظى مشروع أنبوب الغاز المغرب نيجيريا بدعم دولي، على اعتبار زخمه الكبير الذي سيتعزز باكتشافات الغاز بمصب نهر السينغال واكتشافات أخرى لعدد من حقول الغاز بالمغرب، وباعتباره مكونا سيسرع آليات الاندماج بين منطقتي شمال وغرب إفريقيا، علاوة عن تحقيق الأمن الطاقي.
وكشفت أمينة بنخضرة، المديرة العامة للمكتب الوطني للهيدروكاربورات والمعادن، أن المرحلة الثانية من الدراسات الهندسية التفصيلية الخاصة بمشروع أنبوب الغاز بين المغرب ونيجيريا ستكتمل في أوائل 2023.
وذكرت بنخضرة في إفادة "الصحراء المغربية" أنه تم الانتهاء من دراسة الجدوى، بإعلان مشترك يؤكد استعداد كلا من نيجيريا والمغرب لمواصلة تطوير هذا المشروع. وقالت "بعد ذلك اتفق الجانبان على مواصلة الدراسات الهندسية التفصيلية على مرحلتين، وأكدت المرحلة الأولى منهما الجدوى الفنية والاقتصادية للمشروع، بينما بدأت المرحلة الثانية في ماي 2021 ومن المنتظر اتمامها في أوائل عام 2023".
وتهدف المرحلة الثانية إلى إعداد الدراسات والوثائق اللازمة لإنجاز المشروع وتنفيذه والسماح بالتوقيع على قرار الاستثمار النهائي، وأشارت المديرة العامة للمكتب أنه يتم تنفيذ هذه الدراسات من قبل تحالف من الشركات العالمية الشهيرة. "بالإضافة إلى ذلك، سيتم بدأ دراسات الأثر الاجتماعي والبيئي وكذلك الدراسات الاستقصائية بحريا وبريا".
وخلصت إلى أن هذا المشروع الاستراتيجي لأنبوب الغاز بين نيجيريا والمغربي يهدف أن يكون حافزا للتنمية الاقتصادية لمنطقة شمال غرب إفريقيا. ويجسد هدا المشروع الرغبة القوية للبلدين من أجل خلق فرص التكامل وتحسين القدرة التنافسية والتنمية الاقتصادية للمنطقة.
وأبرزت أمينة بنخضرة أن تمويل الدراسات يتم بالتساوي من قبل الطرفين النيجيري (NNPC) والمغربي (ONHYM)، مبرزة أن المرحلة الثانية من الدراسة الهندسية التفصيلية (قيد التنفيذ، كما هو موضح سابقا) تتطلب استثمارا مهما.
وقالت "حصل الطرفان النيجيري والمغربي على قروض من نفس المبلغ بالتساوي، من البنك الإسلامي للتنمية لصالحNNPC ، ومن البنك الإسلامي للتنمية وكذا من صندوق الأوبك للتنمية الدولية لصالح المكتب الوطني للهيدروكربورات والمعادن"، واستطردت موضحة "سيغطي هذا التمويل الذي تقدمه المؤسسات المصرفية، الدراسات المفصلة عن الأثر الاجتماعي والبيئي وكذلك الدراسات الاستقصائية التي ستبدأ قريبًا بريا وبحريا".
وأوضح عبد الرزاق الهيري، أستاذ الاقتصاد والتدبير بجامعة سيدي محمد بن عبد الله بفاس، أن العدد الاخير من الجريدة الرسمية تضمن صدور مرسوم بالموافقة على الاتفاقية المبرمة بين المغرب والبنك الإفريقي للتنمية قصد ضمان التمويل لإجارة الخدمات بمبلغ يتجاوز 15 مليون دولار المقدم من طرف البنك لمكتب الهيدروكاربورات للمساهمة في تمويل مشروع الدراسة التمهيدية للتصميم الهندسي لمشروع أنبوب الغاز الرابط بين المغرب نيجيريا.
وأضاف في تصريح لـ "الصحراء المغربية" أن هذا المشروع يعد تمرة اتفاق بين جلالة الملك محمد السادس ورئيس دولة نيجيريا في دجنبر 2016، موضحا أن الأنبوب سيمتد على طو5660 كلم ما بين نيجيريا والمغرب وسيعبر 11 دولة من غرب إفريقيا وسيصل إلى أوروبا خلال 25 سنة.
وقال الهيري "هذا المشروع له أهمية اقتصادية وجيو استراتيجية، فنحن نعرف أهمية هذه الطاقة للاقتصاد الوطني وتلبية الحاجيات الوطنية من هذه المادة الحيوية".
ولتسليط الضوء على أبعاد هذا المشروع، اعتبر الهيري أن أهميته تكمن في ثلاث مستويات، أولها يتمثل على مستوى الاقتصاد الوطني حيث سيمكن من تلبية الحاجيات من هذه المادة، وقال الهيري "الاستهلاك الوطني من الغاز الطبيعي حسب المرصد المغربي للطاقة هو في حدود مليار متر مكعب، 10 في المائة تنتج وطنيا و90 في المائة تستورد من الخارج، ثانيا الاستهلاك الوطني من الغاز الطبيعي سيعرف تطورا من مليار و100 مليون متر مكعب سنة 2025 إلى مليار و700 مليون متر مكعب سنة 2030، وصولا إلى 3 ملايير متر مكعب برسم 2040. وهذا المشروع يشكل نظرة استراتيجية واعدة من أجل تلبية الطلب المتزايد بالنسبة لهذا المصدر من الطاقة".
واستطرد موضحا أن هذا المشروع سيلبي استهلاك مجموعة من القطاعات والمؤسسات العمومية منها على الخصوص المكتب الوطني للكهرباء والماء الصالح للشرب، والقطاعات الصناعية مثل صناعة السيارات، وصناعة السيراميك، والآجور الأحمر على أرضية ساخنة، والصناعات المعدنية والميكانيكية والكيماوية وشبه الكيماوية وكذلك الصناعات الدوائية. إضافة إلى تلبية حاجيات المكتب الشريف للفوسفاط الذي يحتاج هذه الطاقة من أجل تجفيف الفوسفاط.
أما بخصوص المستوى الثاني، فهو يرتبط حسب عبد الرزاق الهيري بأهميته من ناحية البعد أو العمق الإفريقي للمغرب، وقال "الأنبوب سيشكل لا محالة رافعة مهمة من أجل تحقيق الاندماج الاقتصادي بين الدول التي سيمر منها الأنبوب، وسيشكل منطلقا لتحقيق دينامية اقتصادية مرتبطة بالتحكم في مصادر الإمداد من الغاز الطبيعي، وسيمكن من الدفع بقارة إفريقيا إلى مزيد من التقدم والرفاه".
في حين لخص المتحدث المستوى الثالث في البعد الجيو استراتيجي، وقال "فهذا الأنبوب بما أنه سيصل إلى أوروبا، فإنه سيمكن من التخفيف من تبعيتها للغاز الآتي من روسيا، وهذا التخفيف ظهرت أهميته خلال النزاع الروسي الأوكراني الذي اندلع مؤخرا، والذي أثر على إمدادات دول غرب أوروبا بالغاز الطبيعي".
الدكتور محمد الغواطي، أستاذ التعليم العالي أوضح في تصريح لـ "الصحراء المغربية" أن الأنبوب سيشجع ويسرع من خطوات الاندماج بين منطقتي شمال وغرب إفريقيا، وتحقيق الاستقلالية في المجال الطاقي، وتسريع وتيرة إنجاز مشاريع مد الكهرباء، وأضاف "كما سيمكن المشروع من خلق فرص شغل وتحقيق استقلال طاقي لمنطقة غرب إفريقيا، فضلا عن إيصال الكهرباء إلى عدد من الدول التي تعاني شحا في الطاقة".
وتابع المتحدث قائلا "سيفتح المشروع الباب أمام المغرب للدخول بقوة إلى منطقة غرب إفريقيا، خاصة وأن المغرب معروف بمصداقية مواقفه، ووضوح تحالفاته، المبنية أساسا على دعم الاقتصاد الإفريقي، وبالتالي بناء خريطة جيو استراتيجية جديدة تربط بين المغرب ودول غرب إفريقيا، وتجاوز العقبات التي تحاول أن تقف حاجزا أمام اكتمال إنجاز هذا المشروع، وفي اعتقادي المشروع سيرى النور لكون تمويل الدراسات التمهيدية للمشروع الهندسي متوفرة اليوم، والدعم السياسي أيضا موجود".