قال رشيد لبكر، أستاذ جامعي بجامعة محمد الخامس بالرباط، إن قرار الولايات المتحدة الأمريكية القاضي بفتح قنصلية لها بالداخلة "لا يعد قرارا انفعاليا من وحي اللحظة، بل هو قرار انبنى على الواقعية، وتحكمت فيه المصالح الاستراتيجية المشتركة بين كل الأطراف". وأضاف في حوار مع "الصحراء المغربية" أن العلاقات بين المغرب والولايات المتحدة كانت دائما جيدة وعلى أحسن ما يرام، خاصة أن المغرب كان دائما حليفها الأول.
وأفاد لبكر أن اعتراف الرئيس الأمريكي بحق سيادة المغرب على مناطقه الصحراوية زائد تصريحه بعزم الإدارة الأمريكية على خلق قنصلية بالداخلة، أدى إلى خلق نقاش دولي موسع حول هذا الموضوع، "كان من نتائجه، توسيع مجال التعريف بالمنطقة وبالقضية على الصعيد الدولي، وهذا شيء مهم جدا يمكن إدخاله في باب تعزيز إشعاع المغرب بصفة عامة، والداخلة بصفة خاصة.
تم الإعلان أخيرا على عزم الولايات المتحدة الأمريكية افتتاح قنصلية لها بالداخلة، ما هي في نظركم القيمة المضافة الاقتصادية لهذا القرار؟
طبعا لا يمكن الجدال في هذه القيمة، التي لا يمكن حصرها في الجانب الاقتصادي فقط، بل هناك أيضا الجوانب السياسية والديبلوماسية، لا ننسى أن الولايات المتحدة الأمريكية مازالت تمثل القوة الاقتصادية الأولى في العالم وصاحبة الريادة في العديد من القرارات الدولية، وبالتالي فقرار فتحها لتمثيلية في الداخلة، يعد، بكل تأكيد حدثا بارزا يدشن لنهاية نزاع عمر طويلا في المنطقة. وكجواب على سؤالك، المغرب، ضاعف من مجهوداته كي ينعم مواطنوه في الصحراء من نفس حظوظ التنمية التي استفاد منها مواطنوه في باقي المناطق، مع العلم، ان نمو المنطقة الصحراوية كان سيتخذ منحى آخر أكثر إشراقا في غياب هذه الأزمة المختلقة. الآن، وبعد افتتاح هذه القنصلية، يمكن القول، إن العقل قد عاد بسكة الحكمة إلى سيرها العادي، مؤذنا كما قلت بقرب نهاية مرحلة وبداية أخرى، عنوانها السلام والتعايش والمصلحة المشتركة، وهذا ما سيؤدي بالمنطق، إلى بناء مشاريع اقتصادية جديدة، ستضمن إشعاع أكبر للمنطقة الصحراوية برمتها، وعبرها ستنتعش مداخيل الدولة المغربية ككل، مما سيؤدي إلى توفير ميزانيات ستوجه هي الأخرى لدعم الخطط الاستثمارية العملاقة التي سبق للمغرب أن سطرها لفائدة أبنائه بالصحراء والرفع من مستوى النسيج الإنتاجي، الشيء الذي سيوفر آفاقا أخرى للعيش والرفاه لأبناء الصحراء، ثم لا ننسى أن الولايات المتحدة الأمريكية، كما سبقت الإشارة، هي من الدول الرائدة في العديد من المجالات الاستثمارية المبتكرة، ومنها تقنية تحلية مياه البحر، والطاقات البديلة، والسياحة، والطرق السيارة وغيرها من مشاريع، قد يجد المستثمر الأمريكي ضالته في النهوض بها بهذه المنطقة، وبالتالي، فليس اعتباطا أن تسعى الولايات المتحدة الأمريكية إلى فتح قنصليته بالصحراء، واختيار مدينة الداخلة بالضبط، ذات الإمكانات السياحية الكبيرة والتي مازالت في طول الاستغلال رغم كل المجهودات التي قام بها بالمغرب، فاختيارها هذا إذن، يعني، بأن الولايات المتحدة قد وضعت الاستثمار في الجوانب السياحية نصب أعينها، و أن لها برنامجا استثماريا متكاملا ومدروسا، وأن قرارها هذا، ليس وليد اللحظة، بل هو تتويج لمسار طويل من المفاوضات والنقاشات الموضوعية، انتهى في الآخير، باقتناع هذه الدولة، بوجاهة الطرح المغربي، وبحقه في بسط سيادته على أراضيه، لما في ذلك، من مردودية اقتصادية وسياسية وجيو استراتيجية على منطقة شمال إفريقيا والساحل الإفريقي بأكمله، قرار الولايات المتحدة بجملة واحدة، ليس قرارا انفعاليا من وحي اللحظة، بل هو قرار دولتي انبنى على الواقعية، وتحكمت فيه المصالح الاستراتيجية المشتركة بين كل الأطراف.
ما هي قراءتكم لمستقبل العلاقات الاقتصادية المغربية ـ الأمريكية؟
العلاقات بين المغرب والولايات المتحدة كانت دائما جيدة وعلى أحسن ما يرام، ولا ننسى أن المغرب كان دائما حليفها الأول بإفريقيا الشمالية إن لم نقل مجموع القارة، و تربطه وإياها العديد من علاقات التعاون في المجالات العسكرية والأمنية والاقتصادية، فضلا عن كون الولايات المتحدة تضم جالية مغربية مهمة، بما فيها الجالية المغربية اليهودية، التي تعتبر جالية نشطة جدا ولها قوة اقتصادية كبيرة بالولايات المتحدة الأمريكية، هذا فضلا عن الجذور التاريخية لهذه العلاقات الجيدة، فالمغرب أول من اعترف بدولة الولايات المتحدة الأمريكية، إضافة إلى الزيارات الرسمية للراحل الحسن الثاني إلى هذه البلد والتي كانت أولها سنة 1962 على ما أذكر ثم ما تلاها بعد ذلك من زيارات، إلى جانب الزيارات الرسمية وغير الرسمية لخليفه جلالة محمد السادس، دون أن ننسى مؤتمر أنفا الذي انعقد بالدار البيضاء في منتصف الأربعينات من القرن الماضي وجمع أبرز قادة الحلفاء ومنهم رئيس الحكومة الإنجليزي تشيرشل، والرئيس الأمريكي روزفلت، والجنرال الفرنسي دوغول إلى جانب جلالة محمد الخامس، وهو المؤتمر الذي عبر فيه الرئيس روزفليت عن تأييده لاستقلال المغرب وكان السبب في اشتعال حدة المقاومة بالمغرب وأذن فيه جلالة محمد الخامس للولايات المتحدة الأمريكية بفتح قواعدها العسكرية بعدد من مدن المغرب...معنى هذا، أن العلاقات بين المغرب والولايات المتحدة كانت دائما قائمة وحاضرة، والمغرب دائما كان رقما ديبلوماسيا قويا لا يستهان به، وهذا ما لم يرد الخصم أن يقر ويعترف به. لذا، أعتقد أن اعتراف الولايات المتحدة الأمريكية بسيادة المغرب على صحراءه اليوم، ليس إلا تطورا طبيعيا لهذه العلاقات وتتويجا لتاريخ من التعاون والتفاهم والانسجام، الآن بعدما زال مشكل النزاع المفتعل الذي كان النقطة الوحيدة التي تؤثر في بعض الأحيان على الانسياب العادي للعلاقات بين البلدين، أعتقد أن العلاقات مرشحة إلى الانتقال من وضعية حسن إلى ّ حسن جدا" بل " وممتاز"، وبالتالي فمن المؤكد، أن الولايات المتحدة ستجد من المغرب، عبر قنصليته في الداخلة، دعامته الرئيسية للانفتاح على إفريقيا، التي مازالت تعد بإمكانات استثمارية جد واعدة، مستغلة العلاقات الجيدة التي ربطها المغرب مع غالبية الدول الأفريقية، وبالتالي فخبرة المغرب بالشأن الأفريقي، سيمكن الرأسمال الأمريكي من الاطلاع بتبصر على مجالات وفرص الاستثمار، كما يسهل عليه المأمورية، هذا فضلا، عن الفرص التي تزخر بها الصحراء المغربية ذاتها، في الجوانب المتعلقة بالمؤهلات السياحية، وكذا الصيد البحري والصناعة التحويلية المعدنية، ومشاريع البنية التحية الكبيرة المسطرة للمنطقة منذ زمان.
في نظركم كيف ستساهم هذه القنصلية العامة في تعزيز إشعاع الأقاليم الجنوبية للمملكة؟
نشير أولا إلى أن اعتراف الرئيس الأمريكي بحق سيادة المغرب على مناطقه الصحراوية زائد تصريحه بعزم الإدارة الأمريكية على خلق قنصلية بالداخلية، أدى إلى خلق نقاش دولي موسع حول هذا الموضوع، كان من نتائجه، توسيع مجال التعريف بالمنطقة وبالقضية على الصعيد الدولي، وهذا شيء مهم جدا يمكن إدخاله في باب الإشعاع الذي تتكلم عنه، لا سيما أن هذا النقاش صوحب هذه المرة باعتراف أول قوة دولية في العالم بمغربية صحراء، وهذا في اعتقادي نصر كبير وفتح مبين لا يمكن إنكاره أبدا، حصل هذا ونحن في مرحلة النقاش، فكيف سيكون الحال، عندما يتم هذا الأمر ويستكمل كل الإجراءات المتعلقة به؟ أعتقد أن السؤال يجيب عن ذاته...طبعا تواجد هذه القنصلية، سيفتح الباب أمام استثمارات كبريات الشركات الأمريكية بالمنطقة وهذا في حد ذاته كاف لضمان إشعاع للأقاليم الجنوبية، بحيث هي مرشحة الآن لكي تصبح وجهة استقطاب اقتصادي وجذب خدماتي وسياحي وسكاني، سواء على المستوى الوطني أو الدولي.