قبل خمسة أشهر نزل الآلاف من الناس إلى الشوارع في جنوب شرق تركيا الذي يغلب الأكراد على سكانه وهم يرقصون ويطلقون الألعاب النارية بعد أن دخل حزب معارض مؤيد للأكراد البرلمان للمرة الأولى. والآن تستعد المنطقة لانتخابات معادة في جو من الكآبة والمرارة.
في الوقت نفسه انهارت هدنة عمرها عامان بين الدولة والجماعة الكردية المتشددة الرئيسية لتطلق العنان لفورة من الاشتباكات لم تشهد لها البلاد مثيلا منذ تسعينات القرن الماضي وتسببت في مقتل مئات من الناس. ويلقي كل فريق باللوم على الآخر.
كانت انتخابات يونيو حزيران تمخَّضت عن مأزق أفضى إلى طريق مسدود وأجبر البلاد على الذهاب إلى صناديق الاقتراع مرة ثانية يوم الأحد. وهذه المرة يسود الخوف والقلق بدلا من مشاعر البهجة والفرح في ديار بكر المدينة الرئيسية بجنوب شرق تركيا والإقليم المحيط بها. وأُلغيت التجمعات الانتخابية ويقف أعضاء جماعات شبابية متشددة عند حواجز الطرق وتظهر على جدران المباني ثقوب حديثة لطلقات نارية.
وقال إدريس بالوكن المسؤول الرفيع في حزب الشعوب الديمقراطي المؤيد للأكراد وأبرز مرشحيه في ديار بكر "صمت الأكفان بدل الحماس لصندوق الاقتراع."
وقال في مكتبه بينما كان دوي صوت طائرة فوق الرؤوس "لم يبق سوى أقل من أسبوع على الانتخابات وظلال المدافع وأزيز الطائرات تخيم على كل مكان في كردستان."
وظلت آثار الصراع ماثلة في الأزقة في حي سور القلب الأثري لمدينة ديار بكر الذي كانت تدوي فيه التراشقات بالأسلحة النارية والانفجارات ليلا ونهارا في اشتباكات بين قوات الأمن ومتشددي حزب العمال الكردستاني أثناء حظر التجول في الشهرين الماضيين.
وسيطر رجال الشرطة على الخنادق والمتاريس التي نصبها الجناح الشبابي لحزب العمال الكردستاني في أركان الشوارع لكن جدران المنازل والمتاجر والمباني العامة لا تزال تظهر عليها آثار الأعيرة النارية. وألحقت المعارك المسلحة خارج مسجد كورسونلو الذي يرجع إلى القرن السادس عشر أضرارا كبيرة بواجهته.
ويقول حزب العدالة والتنمية الذي أسسه الرئيس طيب إردوغان وحكم البلاد أكثر من عشر سنوات إن الأكراد ضحايا التخويف الذي يمارسه حزب العمال الكردستاني الذي تعتبره تركيا والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة جماعة إرهابية.
غير أن كثيرا من الناس في حي سور يصبون جام غضبهم على السلطات. ويقول حامد زنجين البالغ من العمر 67 عاما ويرتدي الزي الكردي التقليدي "ما فعلوه هنا كان اضطهادا. فقد أطلقت الشرطة النار على المنازل والمسجد. إنها سياسة قمعية لأن الناس هنا لم يصوتوا لهم."
ووصف ساكن آخر في المنطقة هو مراد سيار البالغ من العمر 43 عاما ويعمل في أحد المتاجر العنف بأنه "أسوأ مما كان في التسعينات."
وألغى حزب الشعوب الديمقراطي الذي فاز في يونيو بكل مقاعد ديار بكر الأحد عشر ماعدا مقعدا واحدا تجمعات حملته الانتخابية بعد مقتل أكثر من 100 شخص في تفجيرين انتحاريين في مظاهرة مؤيدة للأكراد في أنقرة في العاشر من أكتوبر تشرين الأول وهو أسوأ هجوم من نوعه في تركيا الحديثة.
وكانت هذه ثالث ضربة للمصالح الكردية بعد تفجير لتجمع لحزب الشعوب الديمقراطي عشية انتخابات يونيو حزيران وهجوم انتحاري على اجتماع لنشطاء قرب الحدود السورية في يوليو تموز قتل فيهما 34 شخصا.
وقال المدعي العام لأنقرة يوم الأربعاء إنه يعتقد أن خلية لتنظيم الدولة الإسلامية هي المسؤولة عن الهجمات الثلاث جميعا.
غير أنه فضلا عن التفجيرات تدور يوميا معارك حولت أجزاء من جنوب شرق البلاد إلى ما يشبه منطقة حرب. ويكتفي المرشحون في الانتخابات الآن بالقيام بزيارات هادئة لدوائرهم الانتخابية بدلا من التجمعات الانتخابية الصاخبة في يونيو حزيران التي كانت تعلو فيها أصوات الموسيقى وتزدان فيها الشوارع بالرايات والأعلام.