أدى أمير المؤمنين، صاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله، مرفوقا بصاحب السمو الأمير مولاي إسماعيل، وفخامة رئيس جمهورية السينغال، ماكي سال، أمس، صلاة الجمعة بالمسجد الكبير بدكار.
في مستهل خطبتي الجمعة، ذكر الخطيب بالحديث القدسي الذي رواه الترمذي عن أنس بن مالك رضي الله عنه، حيث قال "سمعت رسول الله يقول: "يا ابن آدم إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي، يا ابن آدم لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك، يا ابن آدم إنك لو أتيتني بقراب الارض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئا لأتيتك بقرابها مغفرة"، موضحا أن الله تعالى بعظيم جوده وكرمه، وسع على الإنسان وفسح له في الأمل وبشره بشارات، من وقف عندها علم يقينا عظم منة الله تعالى على عباده وأثر رحمته الشاملة الواسعة عليهم.
وأضاف أن الله تعالى حكم، بمقتضى هذا الحديث القدسي، بأن كل من توجه إليه بصدق النية وصفاء الباطن فإنه تعالى يقبله ويتجاوز عنه على ما يصدر عنه من قبيح الفعال وذميم الخصال.
وتابع أن محل نظر الله تعالى من عبده قلبه، مصداقا لقوله تعالى "إن يعلم الله في قلوبكم خيرا يؤتكم خيرا"، موضحا أنه إذا اطلع الله تعالى على قلب فوجده عامرا بالإخلاص والصدق، منطويا على الإقرار بالوحدانية لله عز وجل، معترفا بالعجز والتقصير، فتوجه إلى خالقه بطلب العفو والغفران والتجاوز والرضوان، فإن الله تعالى يعفو عنه ويغفر له ويتجاوز ويرضى عنه وعدا من الله لا يخلفه.
وأشار الخطيب إلى أن هذه بارقة عظيمة ومنحة إلهية نفيسة تدعو اليائسين إلى الأمل والمخطئين إلى التوبة والعاصين إلى الطاعة، وتحبب إلى الناس خالقهم ودينهم وتعمر حياتهم بالأنفاس الإيمانية والروح النورانية، وترد على المقنطين والميئسين والمتشددين بأن الله عز وجل أرحم منهم بعباده وأقدر منهم على نفاذ مراده.
وأكد الخطيب أن "مثل هذه البوارق تزيد في النفوس عزما، وفي مضمار العمل حزما، لاسيما إذا انضافت إليها مثل هذه البادرة السعيدة، ألا وهي حلول صاحب المجد والشرف أمير المؤمنين مولانا صاحب الجلالة الملك محمد السادس، الذي حل بهذه الديار السينغالية حلول خير وبركة، تؤمه السعادة وتصحبه السلامة وتنزل بحلوله أنواء اليمن والبركة وتهب نسائم البشر والسعادة وتزدهر بوجوده مشاريع النماء والزيادة، فناهيك به من ملك صالح مصلح مقتف لنهج سلفه الكرام وآباءه العظام".
وأبرز أن أهل دكار "يذكرون بمزيد من الفخر والعرفان زيارة والده المنعم مولانا المغفور له الحسن الثاني طيب الله ثراه، مفتتحا هذا المسجد العظيم عام 1964، فأحله اللهم دار الكرامة وأرزق وارثه النصر والعافية والسلامة وأيد رئيس دولتنا ماكي سال ووفقه لما تحبه وترضاه".
ومن جهة أخرى، أشار الخطيب إلى أن لحمة الدين لحمة عظيمة ورابطة قوامها الأخوة في الله تعالى، بين أناس تعاقدت على المحبة قلوبهم وتعاهدت على الوفاء ذممهم، معتبرا أن من ملامح هذه المحبة وهذا الوفاء ما كتبه المغرب والسينغال قيادة وشعبا على مر التاريخ من أخوة كاملة ومحبة صادقة ووفاء دائم.
وابتهل الخطيب الى الله تعالى بأن يديم الاخوة المغربية السينغالية ويباركها ويجزي راعييها والداعيين إليها صاحب الجلالة أمير المؤمنين محمد السادس وفخامة الرئيس السينغالي ماكي سال.
كما رفعت أكف الضراعة إلى الله تعالى بان يصلح أحوال المسلمين أجمعين، وأن ينعم من فضله العميم وخيره الجسيم على سائر الأمة الاسلامية.
وبعد صلاة الجمعة، تفضل أمير المؤمنين صاحب الجلالة الملك محمد السادس، حفظه الله، بإهداء الجهات المكلفة بتدبير الشؤون الدينية بجمهورية السينغال، 10 آلاف من نسخ المصحف الشريف في طبعته الصادرة عن مؤسسة محمد السادس لنشر المصحف الشريف قصد توزيعها على مساجد الجمهورية السنغالية.
ويأتي إهداء هذه المجموعة من المصاحف في إطار تنفيذ التعليمات الملكية السامية والقاضية بأن تقوم مؤسسة محمد السادس لنشر المصحف الشريف بتزويد مساجد بلدان غرب إفريقيا بكل ما تحتاجه من مصاحف برواية ورش عن نافع، التي هي من الاختيارات المشتركة بين المغرب وهذه البلدان.
يعد المسجد الكبير بدكار، الذي أدى به أمير المؤمنين صاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله، وفخامة رئيس جمهورية السينغال السيد ماكي سال، اليوم صلاة الجمعة، جوهرة دينية ومعمارية تتجسد أهميتها بالأساس في الإقبال الكبير عليها من قبل السينغاليين وفي شعور الاعتزاز الذي تبعثه في قلوبهم.
ويبدو هذا المسجد، الذي دشنه جلالة المغفور له الحسن الثاني يوم 27 مارس 1964، مندمجا في النسيج العمراني والحضري للعاصمة السينغالية حيث ترسخت مكانته كواحد من أهم الصروح بالمدينة.
واليوم، وبعد نصف قرن من تشييده، يواصل المسجد إشعاعه كجوهرة منيرة على الجناح الغربي للقارة، ومكان للتعبد ونشر قيم السلام والتسامح.
ويقف المسجد الكبير بدكار، الذي صنف تراثا تاريخيا، شاهدا على تميز التعاون المثمر والخلاق بين المغرب والسينغال البلدان اللذان يقدمان نموذجا لشراكة عريقة ومتميزة على مختلف الأصعدة.
كما يعكس هذا المسجد، من خلال واجهته الخارجة، النموذج المعماري المغربي، الذي يبدو جليا وشاهدا على مستوى الخبرة وهندسة البناء الرائعة التي تميز مساجد المملكة. ومن الداخل هناك أيضا تشابه كبير للمسجد مع العديد من المساجد في المدن المغربية.
ويتميز المسجد، الذي يجسد تمسك السينغاليين بالدين الإسلامي السمح، بمئذنة يفوق طولها 67 مترا. ويتوفر، إلى جانب قاعة الصلاة، على قاعات للدروس وتعليم اللغة العربية.
كما يتضمن هذا الصرح الديني الكبير مقر المعهد الإسلامي لدكار، الذي تأسس عام 1974 كمركز للتعليم والبحث في علوم الدين.