خلد الشعب المغربي، وفي طليعته أسرة المقاومة وجيش التحرير، أمس الاثنين، الذكرى 81 لمعارك جبل بادو، التي دارت رحاها خلال غشت من سنة 1933، كآخر حلقة في مسلسل المعارك التي خاض غمارها أبناء إقليم الرشيدية ضد قوات الاحتلال الفرنسي، ليس فقط على صعيد المنطقة بل على الصعيد الوطني.
ذكرت المندوبية السامية لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير، في مقال بالمناسبة، أن هذه المعارك جسدت أشرس مواجهة بين الغزاة والمجاهدين، حيث شاركت فيها جميع القوات النظامية القادمة من المناطق العسكرية التي انتشرت فيها قوات الاحتلال بتادلة ومراكش ومكناس. أما المجاهدون فاحتشد عدد كبير منهم من كافة القبائل المرابطة بالإقليم، اعتصموا مقاومين بقمم ومغارات وكهوف جبل بادو بعد تشديد الحصار عليهم وقصف جميع المداشر والقصور المجاورة للمنطقة وسد الثغور والمعابر والممرات لمنع المجاهدين المحاصرين من الحصول على الإمدادات والمؤن.
وقاومت قبائل إقليم تافيلالت بضراوة منذ مطلع القرن العشرين، وضحت بالغالي والنفيس من أجل صد العدوان الأجنبي والأطماع الاستعمارية خاصة في سنة 1908، بعد أن أقامت القوات الفرنسية أول مركز استعماري لها بمنطقة بوذنيب، كان بمثابة قاعدة لانطلاق هجوماتها ومد سيطرتها على باقي تراب الإقليم.
هكذا، شهدت المنطقة سلسلة من المعارك بدءا بمعركة بوذنيب سنة 1908، ثم معركة افري سنة 1914، ومعركة الرجل بمسكي سنة 1918، ثم معارك تافيلالت، ومعارك نواحي كلميمة، وتاديغوست التي امتدت إلى أوائل الثلاثينيات من القرن العشرين.
لم تتمكن سلطات الاحتلال من بسط نفوذها على باقي تراب الإقليم، ودخلت في أعنف مواجهة شهدتها المنطقة بجبل بادو خلال غشت 1933، أبلى خلالها المجاهدون من مختلف قبائل الإقليم البلاء الحسن، وتمكنوا من الصمود وإرباك صفوف الجيش الفرنسي المدجج بأحدث الأسلحة والآليات الحربية الجوية والبرية، ما أدى إلى استشهاد العديد من النساء والشيوخ والأطفال الأبرياء.
فابتداء من أواخر يوليوز من سنة 1933، تلقت ثلاث مجموعات من القوات العسكرية الاستعمارية تعليماتها من القيادة العليا للزحف على مشارف اغبالو نكردوس، وهي مجموعة التخوم التي اتخذت من تنغير قاعدة لها وقامت بالهجوم على اغبالو نكردوس، انطلاقا من الجنوب، ومجموعة مكناس في تيزي تغرغوزين، التي استهدفت قبائل نحمدون وامدغوس، التي آزرت ودعمت المجاهدين المعتصمين بالتخوم بالإمدادات الضرورية، ومجموعة مراكش في منطقة أكدمان، وكان هدفها الهجوم على نحمدون انطلاقا من الشرق.
وفي أوائل غشت 1933، شرعت القوات العسكرية الفرنسية في عمليات تطويق المناطق الشرقية من الأطلس الكبير، إذ أعطى الجنرال هوري أوامره للمجموعات التي كانت على مشارف اغبالو نكردوس للزحف على تيزي نحمدون، ابتداء من يوم 4 غشت 1933، وتطورت الأحداث في أواخر الشهر نفسه إلى مواجهات عنيفة في جبل بادو بين فرق المجاهدين والقوات الاستعمارية، حيث أبان المغاربة في هذه المعارك عن روح قتالية عالية لصد المعتدين، وأذاقوا فرق الغزاة أقسى الضربات وكبدوها خسائر فادحة في الأرواح والعتاد.
وكان المجاهدون يأتمرون بقادة اشتهروا باستماتتهم القتالية وبغنى تجاربهم الميدانية وحنكتهم التي اكتسبوها من قبل في مختلف جهات الإقليم، ومن بين هؤلاء البطل زايد اوسكونتي، قائد آيت عيسى ازم، قبيلة آيت مرغاد، والقائد علي اوطرمون، قائد آيت عيسى من زاوية اسول، إلى جانب عدد كبير من الزعماء الآخرين الذين تصدروا الصفوف الأولى للمجاهدين، فضلا عن الفقهاء والوجهاء الذين شاركوا في القتال، بعد أن حثوا على الجهاد وأصدروا الفتاوى بشأنه.
ووقف أبطال الربوع المجاهدة لتافيلالت صامدين أمام جحافل القوات الأجنبية التي حاصرت الجهة الشرقية من الأطلس الكبير الشيء الذي جعل المجاهدين أمام اختيارين: إما الاستسلام أو القتال، فقرروا الجهاد والاستشهاد. وهكذا، قام المجاهدون بقيادة زايد اوسكونتي بتنظيم صفوفهم وتهييء مقاومتهم في منطقة أوسكرسو بادو، فاتخذوا المغارات والكهوف للإيواء عند الحاجة وخزن المؤن، استعدادا لطول أمد الحرب. وأبدى المجاهدون مقاومة شديدة أرغموا فيها قوات الاحتلال على التراجع في بعض المواقع وألحقوا بها خسائر فادحة.
وأمام المقاومة الشرسة لأبناء تافيلالت، سعى المستعمر إلى استخدام وسائل الترغيب واستمالة زعماء المنطقة تارة، وفرض أو محاولة فرض الحصار وتضييق الخناق على السكان وشن الهجومات المتوالية تارة أخرى، ولكن المجاهدين بفضل إيمانهم وتمسكهم بمقدساتهم الدينية وثوابتهم الوطنية، ظلوا صامدين ومتحصنين بالكهوف والمغارات بجبل بادو ونحمدون وأيوب رغم قساوة المنطقة وشدة الحر، حيث لبثوا يواجهون قوات الاحتلال.
وقامت القيادة العسكرية بمحاولات للتفاوض مع قوات المجاهدين فتوقف القتال في 24 غشت 1933، ترقبا لمفاوضات ممكنة مع البطل زايد اوسكونتي والجنرال جيرو، وطال انتظار القيادة الفرنسية ولم يلب المجاهدون دعوتها للتفاوض الذي مني بالفشل الذريع.
وبعد هذا الموقف الشجاع، قررت قوات الاحتلال شن هجوم شرس يوم 25 غشت 1933 على اسكرسو، واجهه المجاهدون ببسالة وشجاعة خارقة، وتم تبادل إطلاق النار بين الطرفين، ووصلت المعركة إلى المواجهة المباشرة باستعمال السلاح الأبيض.
وفي 26 غشت 1933، تواصلت المعارك بحدة وضراوة وبعد أن نفد زاد المجاهدين من جراء الحصار المضروب على المنطقة توقفت المعارك، لكن جذوة مقاومة الاستعمار لم تنطفئ ولم تخب، وتحول أبناء إقليم الرشيدية مؤقتا إلى الكفاح في إطار الخلايا السياسية للحركة الوطنية لينخرطوا بعدها في العمل المسلح ضمن حركة المقاومة المسلحة وجيش التحرير، فقاوموا بشجاعة وشهامة كما عهد فيهم بمختلف الوسائل دفاعا عن الشرعية التاريخية وصيانة للمقدسات الدينية والثوابت الوطنية.
وشاءت الأقدار أن تلعب منطقة اغبالو نكردوس دورا رائدا في الإشعاع الوطني لما اختارها المستعمر معتقلا ومنفى للزعماء الوطنيين مع بداية الخمسينات، حيث حشد فيها رموز ورجالات الحركة الوطنية، ومن بينهم زعماء وطنيون من الموقعين على وثيقة المطالبة بالاستقلال، حيث كانت اتصالات أبناء الإقليم بهؤلاء الزعماء فرصة لخلق إشعاع قوي للمبادئ الوطنية وإذكاء روح الجهاد التي ظلت مستمرة لتتأجج في ملحمة ثورة الملك والشعب المجيدة بعد إقدام المستعمر على نفي بطل التحرير والاستقلال جلالة المغفور له محمد الخامس، ورفيقه في الكفاح والمنفى جلالة المغفور له الحسن الثاني رضوان الله عليهما والأسرة الملكية الشريفة في 20 غشت 1953.
ولم تهدأ ثائرة أبناء تافيلالت كغيرهم من أبناء المغرب في مختلف الجهات إلى أن تحققت إرادة الملك والشعب وتكلل نضالهما بالنصر المبين وعودة الشرعية وإعلان الاستقلال في نونبر 1955، لتتواصل نضالاتهم وتضحياتهم في الملاحم البطولية وفي الجهاد الأكبر لإعلاء صروح المغرب الجديد وتثبيت وحدته الترابية.
وأكدت المندوبية السامية أن أسرة المقاومة وجيش التحرير وهي تخلد الذكرى 81 لمعارك جبل بادو البطولية، لتتوخى صيانة الذاكرة التاريخية الوطنية والتعريف بفصولها وتنوير أذهان الأجيال الجديدة والناشئة بمعانيها وعظاتها، قيمها ومثلها، عملا بالتوجيهات الملكية السامية الواردة في الخطاب الملكي السامي بمناسبة افتتاح الدورة البرلمانية الثالثة للسنة التشريعية التاسعة يوم الجمعة 10 أكتوبر 2014، الذي حمل إشارات قوية ورسائل بليغة في التشبث بقيم الوطنية الحقة والمواطنة الصالحة والملتزمة، حيث أكد جلالته على واجب الاعتزاز بالانتماء الوطني بقوله: "... وأنتم أيضا، يجب أن تعبروا عن هذا الاعتزاز بالوطن، وأن تجسدوه كل يوم، وفي كل لحظة، في عملكم وتعاملكم، وفي خطاباتكم، وفي بيوتكم، وفي القيام بمسؤولياتكم ولمن لا يدرك معنى حب الوطن، ويحمد الله تعالى، على ما أعطاه لهذا البلد، أقول: تابعوا ما يقع في العديد من دول المنطقة، فإن في ذلك عبرة لمن يعتبر. أما المغرب فسيواصل طريقه بثقة للحاق بالدول الصاعدة. إن هذا الاعتزاز بالانتماء للمغرب هو شعور وطني صادق ينبغي أن يحس به جميع المغاربة. إنه شعور لا يباع ولا يشترى، ولا يسقط من السماء. بل هو إحساس نبيل، نابع من القلب، عماده حسن التربية، على حب الوطن وعلى مكارم الأخلاق. إنه إحساس يكبر مع المواطن، ويعمق إيمانه وارتباطه بوطنه".