لم يجد الرأي العام المحلي بمدينة مكناس تفسيرا لما آل إليه الاستثمار الصناعي جراء الاختلالات البنيوية، التي تشهدها المدينة في السنوات الأخيرة.
يعيش القطبان الصناعيان بمدينة مكناس وضعية يرثى لها، وهما الحي الصناعي عين سلوكي أول حي أحدث بالمدينة من طرف المستعمر الفرنسي، خلال سنوات العشرينات من القرن الماضي، ويمتد من شارع مولاي يوسف إلى حي البساتين، وكان يضم وحداث صناعية في مجالات مختلفة.
واستفاد هذا الحي الصناعي بالقرب من مستودعات السكك الحديدية، وكذا من المدينة الجديدة (حمرية) القطب الإداري والخدماتي، حيث تمركز البنوك وشركات التأمين ومحطة القطار الكبرى ووكالات الأسفار، غير أن وضعه الحالي سيء للغاية، بعد أن تحولت تلك البنايات المهجورة، التي كانت تحتضن في وقت سابق معامل إلى خرب مهجورة، والتي شكلت نقطا أمنية سوداء.
بل الأدهي من ذلك خضعت بعضها للمضاربات العقارية بعد بناء مكانها عمارات سكنية من عدة طوابق في إطار مضاربات العقارية التي تشهدها المدينة الجديدة (حمرية) وضواحيها بمكناس، إضافة إلى تحول جيوب الحي الصناعي عين سلوكي إلى جوطية في شكل سوق ضخم لبيع الخردة والمواد وقطع الغيار المستعملة، انطلاقا من شارع شفشاوني إلى القنطرة المؤدية إلى سوق الجملة للخضر والفواكه.
من جهة أخرى، يدق الرأي العام المحلي بمكناس ناقوس الخطر بسبب حالة التسيب التي يعرفها الحي الصناعي المذكور في ظل غياب الجماعة الحضرية التي التزمت الصمت وتراجعها إلى الوراء إزاء ما يجري من تجاوزات بالحي ذاته، الذي يمتد طولا على خمسة كيلومترات وعرضا لأزيد من كيلومتر.
وحمل بعض المواطنين، في شهادتهم لـ "المغربية"، المسؤولية للجماعة الحضرية التي لم تفكر في وضع مخطط اقتصادي من شأنه تأهيل هذا الحي الصناعي، وبالتالي جلب مستثمرين جدد، من خلال إعادة تزفيت الطرق، وإصلاح الإنارة العمومية، وإعادة فتح الممر الطرقي عبر الممر السككي الرابط بين شارعي الجيش الملكي والسعديين من شأنها فك الضغط في حركة المرور بالنسبة لوسائل النقل الأخرى.
من جهة أخرى، يعيش الحي الصناعي الثاني بسيدي بوزكري الواقع جنوب مكناس وضعا مزريا بسبب اختلالات في البنية التحتية، وكذا زحف السكن العشواني في اتجاهه بسبب الهجرة القروية، دون إغفال وجود سوق أسبوعي للمواشي الذي يعقد كل يوم الأربعاء ليتحول بدوره إلى فضاء لبيع التجهيزات المنزلية والخردة يوم الأحد من كل أسبوع، وهو ما شكل عرقلة لنمو هذا الحي، والذي يرجع إلى بداية الستينات من القرن الماضي.
وفي ظل تراجع الاستثمار الصناعي بالعاصمة الإسماعيلية، عبر عدد من خريجي مراكز التكوين حاملي شهادات التكوين المهني بمدينة مكناس عن استيائهم لانقراض كل من الحي الصناعي عين سلوكي وسيدي بوزكري بناء على الاعتبارات السابقة، واللذين لم يعودا يستقطبا اليد العاملة كالسابق في إطار "تشغيل القرب"، بل أصبح البديل هو البحث عن فرص الشغل خارج المدينة.
ونظرا للحالة المقلقة للحيين المذكورين، فكرت سلطات ولاية مكناس قبل 12 سنة وقت إحداث المركز الجهوي للاستثمار في خلق منطقتين صناعيين جديدتين نموذجيتين خارج المدار الحضري بمدينة مكناس بضواحي بوفكران بكل من مجاط وسيدي سليمان مول كيفان، نظرا لوجود مواصفات تقنية في جلب الاستثمارات الوطنية والمحلية والدولية، من خلال تشجيع خلق مقاولات تعود إلى أشخاص ذاتيين أو معنيويين في تجزئات صناعية بأسعار بخسة للمتر مربع الواحد، حيث عمل المركز الجهوي للاستثمار بجهة مكناس- تافيلالت، حسب رئيسه، على تشجيع وخلق الاستثمار بالمنطقتين الصناعيتين الجديدتين.
إضافة إلى مشروع مهيكل تحت اسم AGROPOLIS وهو من نوع جيد يمتد على مساحة كبرى، وسيشكل قطبا اقتصاديا وصناعيا تنافسيا، وسيدمج فيه البحث والتكوين وكل المصالح التي تساعد الصناع والفاعلين الاقتصاديين وتسهل مأموريتهم.
ورغم تحويل الاستثمار الصناعي إلى خارج المدار الحضري لمدينة مكناس، فإن نسبة البطالة تبقى مرتفعة، إلى جانب تنامي ظاهرة الهجرة القروية واستنبات أحياء هامشية، ويبقى الاستثمار داخل المدينة في قطاع المقاهي التي تجاوز عددها 1200 مقهى على اختلاف درجاتها، بما في ذلك مقاهي لتدخين "الشيشا"، في وقت كان على المسؤولين التفكير في خلق تنمية اقتصادية داخل مدينة مكناس نظرا لموقعها الاستراتيجي وتاريخها العريق.