ازدادت أمال الأترسي يوم 10 يونيو 1975، ببورغ الفرنسية. من أصل مغربي. هاجر والدها إلى فرنسا مع والدتها في الستينيات للعمل في مصنع للأدوات الإلكترونية المنزلية.
مرت بظروف شخصية وعائلية صعبة جدا انتقلت فيها ما بين الانحراف والسجن.. وتعتمد اليوم على مؤلفها "ذئبة مسلمة" لتضميد جراحها والانطلاق في رحلة جديدة من الحياة.
الكتاب هو أول إصدار مصاغ في شكل شهادة تحكي فيه عن أوقات عصيبة من حياتها، وتبرز فيه غرابة ثقافة ظلت تبحث عن الانعتاق منها.
أمال اليوم أم لأربعة أطفال وهي الأخت الكبرى بعشر سنوات لشقيقها مصطفى الأترسي الكوميدي الذي انطلق في عالم الكوميديا بنجاح.
عن حياتها والظروف التي دفعتها للكتابة، وعن قسوة الحياة سواء في البلد الأصل، أو في بلد النشأة، تتحدث أمال لـ "المغربية" في هذا الحوار.
كيف جاءت الفكرة لتأليف مثل هذا الكتاب الصارخ؟
عندما كنت في السجن، وحينها كنت في 19 من عمري، وخلال موعد مع الطبيبة النفسية التي كانت تتابع حالتي، لاحظت هذه الأخيرة أنه ليس لدي أي فزع أو خوف من شيء. بل كنت في وضع جيد.
هذا الأمر أثار دهشتها فقالت لي: كيف يمكن أن تكوني بخير وأنت في مثل هذا المكان؟ فأجبتها، لقد عشت أشياء أفظع بكثير مما أنا فيه اليوم.. ونزلت إلى الجحيم درجة درجة، إذن، فالسجن بالنسبة إلي ليس شيئا كارثيا كما تعتقدين.
طلبت مني المختصة النفسانية أن أوضح لها الأمر أكثر وأحكي لها عن هذه المعاناة لكني قلت لها إنني غير مستعدة للحديث عن حياتي، وهنا قالت لي إن الكتابة يمكن أن تكون متنفسا ووسيلة جيدة للعلاج، فشجعتني على كتابة نوع من المذكرات الشخصية، التي يمكنني أن أدون فيها كل أحاسيسي وهكذا كانت البداية لهذا الكتاب.
حدثينا عن السبب الذي أدى إلى سجنك؟
كنا نعيش حالة اجتماعية مزرية أنا وعائلتي، ساعتها لم أكن في وضع يسمح لي بغير التفكير في أن يكون إخوتي بخير.. فكانت هناك عملية سرقة سببا في اعتقالي لأول مرة.
تحدثت أيضا عن تآمر من طرف أخيك مصطفى الأترسي الكوميدي المعروف في المغرب كما في فرنسا، لكي لا يخرج الكتاب إلى النور؟ ما هي الأسباب الحقيقية وراء محاربته والتعتيم عليه إعلاميا؟
كنت لأتفهم الأمر إلى حد ما لو تعلق الأمر بحياء، لكن الحقيقة هي غير ذلك.. لأن مصطفى يعتقد أن اسم "الأترسي" هو ملك له وحده، ولا يجب أبدا أن يرتبط به أحد آخر من أفراد العائلة. وأنه الحامي الوحيد لهذا الاسم، ولذلك حين أكتب عن حياتي ومعاناتي، فإنني سألطخ هذا الاسم.
غير مصطفى، من رفض الكتاب من عائلتك؟ هل ساندتك أخواتك مثلا؟
رفض البعض، أو بمعنى أصح، لم يساندني حتى الآن سوى والدي وأختي سهيلة. ساندني والدي رغم ما حكيت عنه بعنف، ووقف ضدي أخي مصطفى الذي كتبت عنه بكل مشاعر الود والحب التي أحملها له.
حين انتهيت من صياغة الكتاب، هل تحررت من آلامك؟ هل شعرت بالراحة؟
نعم. الكتاب كان بالنسبة إلي أنجع وسيلة علاجية، لأنني حكيت كل ما كان يجثم على صدري من ذكريات أثثت عالمي، وأنا طفلة ثم مراهقة.
ما هو الدور الذي تلعبه أسرتك الصغيرة في حياتك اليوم؟ هل ساعدك تكوينها على تجاوز كل هذا الماضي التعيس؟
الدور كبير ومهم جدا. اليوم، أنا أم لأربعة أطفال، بفضلهم، استطعت فعلا تجاوز محنتي، وأن أحقق ذاتي في أن تكون لي أسرة وحياة جديدة مستقرة.
هل توجهين رسالة معينة من خلال كتابك؟ ما هي؟
أعتبر نفسي منخرطة في مهمة التعميم والتحذير مما يمكن أن أسميه "إسلام الجاهلين" أي الأميين الذين يجعلون من إسلامنا الذي كرم الله فيه المرأة مطية كي يعتبرونها مجرد "شيء"، ليس ذي فائدة أو نفع. بينما هو دين التسامح والتفكير، ودين الرفق بالمرأة، والاعتراف بكينونتها.
ومؤلفي "ذئبة مسلمة" ليس كتابا للاستنكار، بل هو مسار امرأة منهكة استعملت الكتابة أداة ومحرك رسالة قوية تريد من ورائها إثارة الإشكاليات الاجتماعية والفكرية العميقة التي تعيشها المرأة بشكل عام.
هل تزورين المغرب؟ وما هو شعورك تجاه هذا البلد الأصلي؟
نعم، أزور المغرب باستمرار. ولا يمكن أن أقول أكثر من أنني أحب بلدي كثيرا.
هل يمكن اعتبار هذا الكتاب صرخة للتنديد بنوع من الظلم الاجتماعي الذي عانيته كامرأة؟ أو فقط هو وسيلة للتخلص من عبء أثقل كيانك مدة من الزمن؟
أعتبره مؤلفا عن النضال وكتاب الأمل الذي حييت به، وعشت حتى أرويه. هو فعلا شهادة تبرز كيف يمكن أن نتحول من كلب إلى ذئب.
كتاب "ذئبة مسلمة" هو من نوع السيرة الذاتية لمؤلفته المغربية الأصل، أمال الأترسي، وشهادة شجاعة وجريئة لامرأة استطاعت أن تتغلب على مأساة حياتها، وأن تؤسس لأسرة مستقرة وآمنة.
تعري آمال الأترسي، في كتاب يعتبر الأول من نوعه، عن واقع حياة وعادات أسرة من المهاجرين المغاربة إلى فرنسا في الستينيات.
فلأول مرة تحكي شابة مغربية، بكل هذا العنف، عن الاغتصاب، والمنفى القسري، والاعتداءات الجسدية وعن السجن.
تحكي أمال قصتها وقصة أسرتها ابتداء من معاناة أمها، التي تزوجت، رغما عنها، وعمرها 16 سنة، برجل لا تحبه، وسرعان ما تبين أنه سكير وعنيف.
يلخص الكتاب معاناة شابة متحدرة من وسط مغربي هاجر إلى فرنسا في الستينيات، وهو وسط فقير بإمكانيات مادية متدنية جدا، وبعقلية ترفض الإناث إلى درجة أن الأسرة أرادت أن تتخلص منها ومن أخواتها بالتخلي عنهن في البلدة الأصل بالمغرب، رغما عنهن لمدة ثلاث سنوات، وحيث يقنعهما الأب في كل مرة يزور فيها المغرب بأن مكوثه في فرنسا هو إجباري بحكم من المحكمة، في حين أن الواقع هو أنه يعيش حياة أخرى مع الأخوين من الذكور، الذي يعتبرهما الأحق بالعيش دون غيرهما من الإناث.
"ذئبة مسلمة" هو شهادة تتحدث فيها الكاتبة عن تجربة شخصية لواقع وسط تحكمه ثقافة تضطهد المرأة، بل تنفي كينونتها وتعتبرها "كائن غير مرغوب فيه" داخل أسرة تعتبر أن الإخوة الذكور هم فقط من يستحق الاهتمام والحق في التربية والاعتناء الأسري.
والكتاب هو أيضا بمثابة صرخة في وجه أب لا يفقه في الدين الذي كرم المرأة شيئا.
تحكي أمال بحسرة كبيرة كيف أجبرت هي وأختها على البقاء في المغرب، وبالضبط محبوستين في أحد دواوير الصفيح، بضواحي مدينة الرباط، ولمدة 3 سنوات، بعد أن تعودا على نمط عيش مختلف في فرنسا، البلد الذي ازدادتا فيه ، فيما احتفظ الوالدان بالأخوين من الذكور، إلى جانبهما.
غير أن العودة إلى فرنسا، في ما بعد، لم تكن سهلة من حيث إعادة الاندماج، ما كان له تأثير على حياة آمال، التي بدأت حياة أخرى من الانحراف والعنف توجت بدخولها السجن لأول مرة، لكنها تعلمت كيف تكون ذئبة.