في فترة الستينات، شهدت مدينة الصويرة قدوم أفواج مهمة من الأجانب، ليس بهدف السياحة، لكن رغبة في الاستقرار
وعرفت هذه الرغبة بـ "ظاهرة الهيبي"، التي ضمت مجموعة من المفكرين، والدبلوماسيين، والعسكريين، والفنانين، والصحافيين، والاقتصاديين، جاؤوا إلى الصويرة هروبا وتمردا على الحضارة، التي وصلوا إليها، وكانت سببا في تقييد حريتهم، لهذا كان هذا التيار الفكري ينادي بالحرية في كل شيء، ويعارض القيود والقوانين التي تفرضها الأنظمة السياسية والاجتماعية والأسرية والدينية، واستقرت هذه الفئة بقرية "الديابات"، وقرب البحر، كما كانوا يقطنون "دار السلطان المهدومة"، على مشارف واد القصب، وكان لهذه الفئة دور كبير في جلب العملة الصعبة للمدينة آنذاك، وكانت هذه الفئة تعيش عيشة غير طبيعية ومنحلة، وتمارس أعمالا شاذة، وبسببها تفشت في المدينة مجموعة من الممارسات المشينة والأمراض الاجتماعية، مثل تعاطي المخدرات، ولما استفحل الوضع عملت السلطات على طردهم من المدينة، وأعادتهم إلى بلدانهم، وفي سنة 1974 لم يبق لهم وجود في الصويرة، لكن مخلفاتهم بقيت عالقة بأذهان الشباب، الذين عاشروهم إلى أمد غير بعيد، وبعد ذلك ستشهد المدينة ركودا سياحيا.
لم تتخلص السياحة من هذا الركود إلا في مطلع تسعينيات القرن الماضي، إذ بدأ النشاط السياحي ينتعش تدريجيا، لكن الانطلاقة الحقيقية كانت مع بداية 1998، التي سجلت قدوم حوالي 60 ألف سائح، قضوا حوالي 107 آلاف ليلة مبيت، ليبلغ هذا العدد أقصاه سنة 1999، إذ وصل إلى حوالي 98.811 سائحا، قضوا 123.489 ليلة، وبذلك تشكل سنة 1999 أهم سنة سياحية شهدتها المدينة، منذ بداية الحركة السياحية بها، ويعزى هذا الارتفاع، أساسا، إلى تنظيم أول مهرجان للثقافة الكناوية، سنة 1998، وإلى الاهتمام الكبير، الذي أصبحت تحظى به المدينة، على الصعيدين الوطني والدولي.
تعد البلدان الأوروبية أهم الأسواق السياحية التي تزود المغرب بالسياح، ويأتي الفرنسيون في المقدمة، ويليهم سياح ألمانيا، وبريطانيا، وإيطاليا، وإسبانيا، وبلجيكا، وسويسرا، وهولندا، والدول الأسكندنافية، والبرتغال، في حين تحتل السوق الأميركية الشمالية المرتبة الثانية، فيما يسجل غياب دول أميركا الجنوبية، لعدة أسباب، من بينها بعد المسافة، وارتفاع التكاليف، ونجد في المرتبة ما قبل الأخيرة السوق العربية، وأخيرا الدول الإفريقية.
عوامل التوافد السياحي على المدينة
يمكن تقسيم عوامل التوافد السياحي على مدينة الصويرة إلى عوامل طبيعية، ويدخل ضمن هذه العوامل مجموعة من الخصوصيات المميزة للمدينة، من بينها موقعها على شكل شبه جزيرة، يحيط بها حوالي ستة كيلومترات من الشواطيء، ومناخها المتميز بهبوب الرياح على مدار السنة، ما أكسبها لقب "مدينة الرياح".
أما العوامل الثقافية، فتشكل ثاني أهم عناصر جذب السياح، خاصة ما يتعلق بتاريخها العريق، وأروقتها الفنية، ومهرجاناتها المتنوعة، ومواسمها العديدة، وإذا كان معظم السياح يبدون إعجابهم بهندسة المدينة، كأول مدينة مغربية وضع لها تصميم هندسي قبل تأسيسها، فإن البعض الآخر يبدي إعجابه بألوان المدينة المميزة عن باقي ألوان مدن المملكة، باختيار اللونين الأبيض والأزرق في صقل جدرانها وأبوابها، في حين تحتل العوامل البشرية المرتبة الثالثة، إذ الهدوء الذي تنعم به هذه المدينة، مقارنة مع باقي المدن المغربية، يعد عامل جذب للسياح.
مع ذلك، ما زال قطاع السياحة يعاني مشاكل عدة، تستدعي تكثيف الجهود للحفاظ على المكتسبات، والسعي إلى تحقيق مكاسب جديدة، وفي الوقت نفسه تجاوز السلبيات، التي نتجت عن التطورات الأخيرة للقطاع السياحي بالمدينة.
الآثار الاجتماعية للسياحة
تبرز أهمية السياحة في الحد من ظاهرة البطالة، خصوصا أنها تعمل على تشغيل اليد العاملة، هذه الأخيرة، التي يمكن أن تكون مؤهلة لخوض هذا الميدان أو غير مؤهلة لغياب التكوين لديها، فبالنسبة إلى التشغيل فإن المراقبة الإحصائية عادة ما تكون غير دقيقة، ولا يمكن اعتمادها، فهي مؤشر لا يعكس الواقع، فالمشغل يتعامل بازدواجية مع الإدارات، وهذا راجع إلى أسباب عدة، منها التملص من الضمان الاجتماعي، وأداء الحد الأدنى للأجور، ومن خلال استعراض لائحة المؤسسات السياحية الموجودة في المدينة، يتضح أن أغلب هذه المؤسسات من الحجم الصغير، وهذا ما ينعكس على عدد مستخدميها، فحوالي 92 مؤسسة من ضمن 108 يتراوح فيها عدد المستخدمين ما بين واحد و9 مستخدمين، في حين أن مؤسسة فندقية واحدة تشغل ما يزيد عن 161 عاملا، وإذا كانت القطاعات والمؤسسات المرتبطة بالقطاع السياحي مباشرة، تحدث مناصب شغل مهمة، فإنه لا يمكن إغفال دور الأنشطة والمؤسسات ذات العلاقة غير المباشرة مع السياحة، إذ تعد مكملة للجانب الأول، وتساهم بنصيب أوفر في إحداث مناصب شغل، زيادة على مساهمتها في تنشيط الاقتصاد المحلي.
الآثار المجالية في موكادور
إضافة على الآثار الاجتماعية، التي تنتج عن الحركة السياحية بالمدينة، نجد أن القطاع يساهم بقسط كبير في إحداث تحولات مجالية، خاصة في المدينة العتيقة.
ويلجأ عدد من الأجانب إلى شراء منازل في المدينة العتيقة، وترميمها من أجل تحويلها إلى مشاريع سياحية من النوع الصغير، والمفروض في عمليات الترميم أن تجري تحت ضوابط محكمة للحفاظ على طابع هذه المنازل، التي يعود أغلبها للقرن الثامن عشر، وباستعمال مواد معينة في الترميم، كالجير، والحجر، المنجور، لكن الملاحظ هو إهمال بعض الأساليب التقليدية، مثل الجدار الحامل وتعويضه بالأعمدة، التي تستعمل في البنايات الجديدة، وهذا يعود لسببين، حسب مهندس معماري، فمن جهة هناك رغبة المستثمر في استغلال أقصى للمنزل، ومن جهة أخرى ارتفاع تكاليف الترميم، التي تتراوح ما بين ألف و700 درهم، وألفي درهم للمتر المربع، إذا كان الترميم عاديا، وقد يصل المبلغ إلى ثلاثة آلاف درهم للمتر المربع، إذا كان الترميم أكثر دقة وجمالية .
والأخطر أن أغلب أصحاب هذه المنازل يفضلون بيعها، لاسيما أن الأسعار المعروضة تكون مغرية، ولا تعكس القيمة الحقيقة للعقار (مائة مليون سنتيم فما فوق).
والقطاع السياحي يبدو مزدهرا في الصويرة، لكن استفادة المدينة منه ما تزال ضعيفة، مقارنة مع بعض المحطات السياحية الأخرى، مثل محطة مراكش، ومحطة أكادير، وهذا يبدو واضحا بالنظر إلى ضعف نسبة اليد العاملة المحلية العاملة في القطاع، مقارنة مع عدد المؤسسات السياحية الموجودة في المدينة، وهذا ناتج عن غياب مدرسة فندقية بالمدينة، ولسد العجز يلجأ أرباب الفنادق والمطاعم إلى جلب اليد العاملة المؤهلة من خارجها، فيما يسندون وظائف عادية، مثل النظافة، والحراسة، والغسيل، إلى أبناء المدينة.
ومن المرتقب أن تشهد الصويرة، الجميلة والوديعة، تحولات جذرية في المجال السياحي، وستؤثر، بشكل عميق، على جوانبها الاجتماعية والاقتصادية والثقافية.