شهد اللقاء الفكري، الذي خصصته المكتبة الوطنية بالرباط، مساء أول أمس الخميس، للاحتفاء بالكتاب الأخير للمفكر والكاتب المغربي، عبد الله العروي، "السنة والإصلاح"، جدلا واسعا بين المفكر عبد الله العروي وبين الباحث الفلسفي عبد السلام بنعبد العالي، حول قضايا أسا
ويتخد العروي أساسا لمنطلقاته الفكرية، والذي تتباين مستويات اشتغاله في الكتاب، الذي يقدم فيه العروي تصورا جديدا عن السنة، التي يعتبرها متأخرة بشكل كبير، بل ينعتها بـ "الميثولوجيا"، لأنها تدعي معرفة كل شيء وتنفي ما سبقها.
يتخذ الكتاب الجديد للعروي شكل أجوبة عن تساؤلات امرأة أجنبية مسلمة، تتعلق بصورة الإسلام، وكيف يقدم نفسه، وكيف ينظر إلى الأديان الأخرى، خاصة أن هذه المسلمة تعيش في محيط تتعدد فيه الأديان.
وعبر هذه الأجوبة، يطرح العروي تصوره الشخصي، متجاوزا ما يعرف بالثوابت، نافذا إلى رحابة حرية التفكير والفهم، أمينا لمنهجه التاريخاني، الذي "يعني اكتشاف الواقع المجتمعي، الذي لا يدرك، حقا، إلا في منظور التاريخ، لأن يحرك المجتمع، ليس الحق، بقدر ما هو المنفعة".
فما هي، إذن، علاقتنا بتاريخنا، كيف فهمناه، وفي ضوء هذا التاريخ كيف نطرح، وننشد الإصلاح؟، وكيف كانت علاقتنا بالأديان الأخرى، وكيف فهمناها، وكيف تعاملنا مع تعددنا في المذاهب والشيع؟، وكيف نواجه الإشكالات الجديدة والمعاصرة في علاقتنا بالآخر، خاصة بالغرب، حيث يزداد التماس بين الأديان، وتتقارب الجغرافيا، إلى حد لم يعد بالإمكان الانفلات منه؟.
تلك بعض أسئلة هذا الكتاب، الذي أثار، منذ صدوره، العام الماضي عن المركز الثقافي العربي، الكثير من الجدل، وكتبت عنه أشياء كثيرة، بسبب طروحاته الجريئة وقراءته الجديدة للتاريخ الإسلامي، الذي لا يبتدئ، في رأي الكاتب، مع النبي، لكن يعود إلى ملايين السنين. ويرى العروي أن هذه الحقبة حدث بخصوصها تعتيم كبير، ولا نعرف عنها الشيء الكثير، ما حذا به إلى الدعوة للتسلح بالعلوم البحتة، من فيزياء وحفريات، ومعرفة علمية دقيقة "نشدانا للإصلاح الحقيقي، لأن المعرفة لا يمكن أن تنبني على الجهل، الذي كرسته السنة، التي أتت متأخرة عن القرآن بـ250 سنة، ومع ذلك يصر دعاتها على أنه لا يمكن فهم القرآن إلا من خلالها". الأمر الذي يعتبره العروي من "أكبر المغالطات، التي يجب الانقلاب عليها بالكامل".
وتباينت آراء الباحثين حول الكتاب، بين متبن ومقتنع بالأفكار والطروحات المقدمة فيه، وبين رافض لها ولمفهوم التاريخانية، الذي يتخذه العروي أساسا لفكره، لدرجة جعلت الباحث المغربي عبد السلام بنعبد العالي، يتساءل : هل ما زال العروي فعلا يرفع راية التاريخانية؟ وهل ما زال لا يرفع إلا راية التاريخانية؟.
كشف، من خلال القراءة التي قدمها لكتاب العروي، الذي اعترف بصعوبته وبقراءته لأكثر من عشر مرات، ليتمكن من النفاذ إلى عمقه، عن الكثير من الأشياء، التي عدها بنعبد العالي من صميم علم الكلام، أو علم الأديان، ما دام العروي يقوم بتحديد صوري للفلسفة، ويلغيها من حساباته، ويعد الكتابة فيها شيئا لا معنى له. كما اعتبر اعتناق العروي للتاريخانية منهجا لكتابه، أمرا لا يستجيب للتحديث والإصلاح، الذي يدعو إليه، خاصة أن العروي نفسه في كتابه يقع في هذا المأزق، لأن هناك فقرات في كتابه لا تستجيب للتحديث، الذي يدعو إليه، وما اختياره في كتابه لشكل الرد على السائلة، إلا ذريعة تعلن تردده أمام التاريخانية، واستبعاده كل القراءات المصاحبة.
وأضاف بنعبد العالي أن " حدث الكتاب أساسا هو الاستعمار، ففيه تتجمع محركات التاريخ، فالاستعمار يحل ما عقدته السنة، يعيد إلى التنور ما ليس سنة، وقد يتحول إلى سنة بديلة". وأشار إلى أنه إضافة إلى كثافة موضوع الكتاب، الذي يتطلب من الباحث بذل جهد مضاعف لاستجلاء معانيه بقراءته وإعادة قراءته، فإن شكله يستدعي وقفة من القارئ، لأنه ليس مجرد مسألة شكلية عند مفكر يعلن اعتناقه للتاريخانية، منهجا، وموقفا، بل مسألة مهمة يتعالق فيها الموضوع بالشكل، ويركب فيها المعنى انطلاقا من الشكل، ولهذا، كما قال بنعبد العالي، " لا يكفي القارئ، أن يسترسل في القراءة كي يستخلص ما يمكن استخلاصه، وإنما هو مضطر، في أغلب الأحيان، للرجوع القهقرى لتوليد المعنى. هذا الرجوع ربما لا يكفي تفسيره بعجز القارئ عن التمثل المباشر لمعاني الفقرات، وإنما مرده، فيما أعتقد إلى أن أطروحات الكتاب، لا تشكل قضايا تتوالد عن تحليل فتركيب، بقدر ما تتساكن، كي تحيل إلى بعضها البعض.
المعنى لا يؤلف هنا عبر متابعة نمو développement، بقدر ما يركب بالإحالة إلى معان أخرى متفرقة لا تخضع لتراتب أو تسلسل يجري عن كون المعاني تتقدم عندما تتراكم، إلى حد أننا لا نستطيع أن نجزم بأن السابق في هذا الكتاب يحدد اللاحق، وهو ما يفترضه كل موقف تاريخاني. يدفعنا هذا الأمر إلى التساؤل عما إذا كان منهج العرض في هذا الكتاب يكرس مفهوما عن الزمان قد لا يكون هو المفهوم ذاته الذي يفترضه الموقف التاريخاني، وهو مفهوم لا يكتفي في بعض الفقرات بأن يسكن منهج العرض، وإنما يغدو أداة تحليل".
وخلص بنعبد العالي في هذه القراءة إلى أن كتاب العروي يعتمد تصورين عن الزمان ومفهومين عن الأصل: أصل يؤسس، وآخر يتأسس، يتضحان بجلاء عند الحديث عن السنة، حيث لا يكتفي الكتاب برصد الروابط والعلاقات، ونهج تحليل تاريخاني للسنة، وإنما يسلك نهجا آخر تغذو فيه العلائق علائق المناطقة، وليس علائق الاجتماعيين، فيتحول الأمر إلى رصد منطق السنة التي، يقال عنها كل شيء سوى أنها تفتقر إلى المنطق والاتساق. وأشار إلى أنه قد يقال إنه لا ضير في أن يؤالف المحلل بين الدياكروني والسانكروني، بين البحث عن منطق التطور ومنطق الانتظام، لكن المسألة المنهجية تأخذ هنا قيمة عظمى وخطيرة، وتترتب عنها معان غير يسيرة، فاعتماد مفهوم دون آخر، قد يجعل الإسلام نقطة تحول وليس نقطة بدء.
لم يعقب المفكر عبد الله العروي على مداخلة الباحث الأنثروبولوجي عبد الله حمودي، الذي لم يستطع النفاذ إلى عمق ما جاء في كتاب"السنة والإصلاح"، ولا على مداخلة الباحث الأميركي المسلم داوود ستيفان كريسوت، الذي تكلم باللغة العربية، واعترف بصعوبة كتاب العروي، وبطروحاته القيمة، بل خص تعقيبه لمداخلة عبد السلام بنعبد العالي، التي يبدو أنها استفزته، وجعلته يقدم الكثير من التفسيرات، عن المنهج، الذي تبناه في كتابه، وعن اعتماده لمفهوم التاريخانية، الذي خصه بفصل من 30 صفحة، فند فيه المزاعم، التي يعتمد عليها معادو التاريخانية.
وانطلاقا من مفهوم "القلبة"، وتركيزه على انقلاب سقراط عن الرؤية الأولى للسفسطائيين، وانقلاب إبراهيم الخليل عن ماضيه وتنكره له، ذكر العروي أنه داخل التجربة التاريخية، يحدث نفي للتاريخ، وأنه من غير المعقول التحدث انطلاقا من مجهول، خاصة وأن هناك آلاف السنين السابقة للوعي الإنساني وللحياة. وقال العروي "لا يمكنني قول ما أقوله بناء على جهل أقوى وأكبر مما هو معروض، ولهذا فأنا أتحدث انطلاقا مما يقوله علماء الفيزياء، والحفريات، لأن المعرفة برأيي لا تنبني على الجهل، وإنما على العلم والمعرفة، التي يجب أن تلعب دورا كبيرا في الإصلاح، الذي ننشده".
وذكر العروي أن هناك سؤالا مهما من الوجهة التاريخية يجب طرحه وهو: هل الدول التي نسميها دولا إسلامية، كان المسلمون فيها أقلية أم أغلبية؟. وأجاب أنه خلال قرون طويلة، شكل المسلمون دائما أقلية: الأندلس لعدة قرون، الأمر نفسه في المغرب لمدة طويلة، وفي الدولة العثمانية، بل حتى في الجزيرة العربية في بداية القرن الأول للهجرة. وأشار إلى أن معنى هذا أن من يطالب بتعميم الشريعة، أو تطبيقها في الماضي، أو في الحاضر، إنما يطالب بذلك من منطلق غير منطلق الواقع، بل هو منطلق ما يجب أن يكون.
بناء على ما سبق، اعتبر العروي أن هناك موضوعين لا ينبغي الخوض فيهما من منطلق الدين، وهما: العلم التجريبي، والتنظيم السياسي، كما أن المطالبة بتطبيق الشرع والمسلمين أقلية في دول لائكية، أمر غير ممكن.
وبخصوص السنة، ذكر العروي أنها بمثابة الميثولوجيا، لأنها تدعي معرفة كل شيء، وتنفي ما سبقها، ولهذا رفض التفكير السني، وقال إنه لا يعقل أن نأخذ بأشياء متأخرة عن القرآن بـ 250 سنة، وأن نعتبر أن القرآن لا يمكن فهمه إلا بالسنة، التي تكونت أصلا بحملة لا تاريخانية، وكانت صورة هندسية عجيبة، ومتناظرة، ومتلاحقة، لما كان سائدا. السنة، ليست هي المنبع، ليست هي الدين، كما أشار إلى ذلك العروي، السنة لا تتكون إلا برفض التطور التاريخي.
وعلى هذا الأساس خلص العروي، إلى أنه مع كل تخلف يزداد الفكر السني صلابة والتئاما، ولهذا فلابد من العلم لتفتيت هذا البناء، لأنه هو العملية الإصلاحية الوحيدة اللازمة لتفكيك السنة. ماذا يتبقى إذن من الظاهرة الدينية، حين يترك جانبا العلم والتنظيم الاجتماعي- السياسي؟، وماذا يبقى خارج التاريخ؟، يجيب العروي بأنه تبقى التجربة، وهي التجربة المحمدية، التي يعترف بصعوبة معرفة وقائعها، لأن الكتابة حول محمد، لم تبدأ إلا بعد 150 سنة على وفاته، وإمكانية ظهور اكتشافات صادمة في المستقبل حول النص القرآني، وحتى حول اسم الله، أمر مطروح، كما أنه من الصعب الاعتراض على بعض اكتشافات البحث العلمي. وأقر العروي أن المدخل إلى استعادة التجربة المحمدية هو القرآن، وأن التجربة مع القرآن هي تجربة نفسانية وذهنية بالأساس، وتختلف باختلاف القراء. فالحقيقة المنزلة هي الحقيقة، التي أتماهى معها أنا شخصيا، عندما أقرأ النص.