عبد الكبير الخطيبي يفارق الحياة بالرباط بعد نقل الفكر العربي الحديث إلى العالمية

الثلاثاء 17 مارس 2009 - 11:28

غيب الموت الكاتب والباحث السوسيولوجي المغربي عبد الكبير الخطيبي، صباح أمس، عن عمر يناهز71 عاما، بعد معاناة مريرة مع المرض بمستشفى الشيخ زايد بالرباط، الذي دخله بداية فبراير الماضي، على نفقة جلالة الملك محمد السادس.

وأجمع عدد من الكتاب المغاربة على أن الراحل، يعتبر من الباحثين المتميزين في النقد المغربي والعربي المعاصر، سواء من حيث كم الكتب والدراسات والبحوث التي نشرها، أو من خلال نوعيتها وما تقدمه من جديد في ميدان النقد الأدبي، وما تفتحه من أسئلة حقيقية عن راهن السؤال النقدي المعاصر وتعقيداته النظرية والتطبيقية.

وأشاروا في تصريحات لـ"المغربية" إلى أن الراحل عرف في الثقافة المغربية المعاصرة بنفسه الطويل في البحث وصبره المتفاني في إخراج أعمال مركزة مليئة بالإشارات، التي تفتح مجالات خصبة في الدرس النقدي ومدارسه.

وقال الباحث فريد الزاهي "إن الخطيبي عصي على التصنيف، فمن الصعب وضعه ضمن خريطة مسكوكة وجاهزة. فهو مفكر وروائي وشاعر، وشعريته يتسرب ماؤها إلى كل أعماله، فيؤسس على رمالها المتحركة مشروعه ورؤاه الفكرية. والخطيبي يقترح، عند قراءته، استراتيجية ملتبسة. فمن خلال أعماله يقترح "المعرفة اليتيمة" التي من خلالها نتوجه إلى "تفكيك الأنساق". وهو يسعى أيضا إلى الخروج من المطابقات الباردة. هذه الأفكار كلها تهدف إلى تفكيك المركز، وإعادة النظر في الثوابت. كتابة الخطيبي تسعى إلى أن تسمم القارئ وتسمم نفسها (مجازا). أيضا، الخطيبي هو أول من تحدث عن الفيلسوف الألماني هايدغر في الفلسفة العربية، وحررت كتاباته الفكر العربي من الكثير من الدوغمائية، قبل سقوط جدار برلين وسقوط الأفكار الكبرى. كان يشتغل باستراتيجية المراجعة، أي مراجعة الأفكار ومساءلة الذات باستمرار".

ودعا الزاهي إلى ترجمة أعمال الخطيبي إلى العربية، خصوصا رواية "كتاب الدم" الصادرة سنة 1979، وأوضح "أن الخطيبي ضخ دماء جديدة في الثقافة العربية، حين أدخل إليها فكرا جديدا، سواء عن طريق جاك دريدا المعروف بفلسفة "الاختلاف" أو رولان بارث".

وأضاف الزاهي أن الخطيبي كاتب بلوري، نجد في كتاباته كل الجوانب الأخرى لشخصيته وعمق وتنوع فكره. كاتب يقظ لكل ما حوله، ويقظ لذاته. كاتب متعدد، وكاتب مستقبلي تحدث عن "التكنو-علمي" في أواخر القرن الماضي.

من جهته قال الروائي محمد برادة "إن الخطيبي، علامة من العلامات الكبرى في تاريخ الفكر المغربي، فتجربته تستحق الوقوف عندها، كان واسطة لنقل المفاهيم الحداثية، والمناهج الحديثة للثقافة المغربية، استفدت شخصيا من كتابه الأول عن الرواية المغاربية، لأنه اعتمد منهجا وألقى ضوءا جديدا عليها، وكان صديقا حميما لطالما تحاورت معه في محطات ولقاءات فكرية وأدبية متعددة".

وقال الباحث رشيد المومني "إن تجربة الخطيبي تمنحنا في الكتابة والحياة مشهدا عميقا لكينونة الفكر في علاقته بالواقع، فالفكر بهذا المعنى، يرفض بعناد وصايته على المجتمع والتاريخ، على الماضي والحاضر، ومن ثمة فرادة هذه التجربة وتميزها، ولكن أيضا وضعها المأساوي كقول يعيش وينمو خارج النسق، أعني في الهامش".

إن تصور الخطيبي لمهامه ومسؤولياته كمثقف في المدينة، أي كشاهد على عصره، يطابق تصوره لمفهوم الكتابة نفسها، إذ من حيث يرفض الأنساق والإيديولوجيات الكبرى، ويمارس عليها نقدا عنيفا وجريئا، يرفض كذلك كل هوس بعرض مشروع فكري يبين فيه طريق الخلاص لهذا البلد أو لهذا المجتمع، ويقدم فيه للحاضر مفاتيح الألغاز التاريخية التي تجعله يتقدم نحو المستقبل. بعبارة واحدة، فإن الخطيبي، من حيث يستبعد من فضاء الكتابة كفعل ثقافي مهام الإدارة وطقوسها، يستبعد أيضا طقوس النبوءة ومهام النبوة. إنه يرسم فقط شهادة، بالمعنى الأنطولوجي والاستطيقي، لا الأخلاقي أو القانوني، فالشهادة ليست عنصرا من عناصر النسق، إلا من حيث مطالبتها بقول الحقيقة.

ورأى الناقد رشيد بنحدو أن "الذاكرة الموشومة"، التي نشرها عبد الكبير الخطيبي عام1971، هي منبع كل كتابات الخطيبي، واصفا إياها " بالرحم البنيوي الخصيب الذي تناسلت منه جميع النصوص الأخرى".

وأشار بنحدو إلى أن الكتابات اللاحقة لا تعدو كونها تنويعا، وتطويرا لأفكار، وتجليات لهواجس كانت في حالتها الجنينية مبثوثة في "الذاكرة الموشومة".

وعرف الخطيبي بكتاباته النقدية والسوسيولوجية التي نبشت في الذاكرة الجماعية المغربية، من خلال الوشم وثقافة الجسد، فكتابه "الجسم العربي الجريح"، الذي ترجمه الشاعر محمد بنيس طافح بدلالات الجسد.

كثيرا ما اتهم الخطيبي بالالتباس والغموض، وبأنه غير مقروء، لكنه من القلائل، إلى جانب إدوارد سعيد وعبدالله العروي، الذين نقلوا الفكر العربي الحديث إلى العالمية، وهو كاتب مستقبلي أيضا، وصاحب مفاهيم جديدة، لا ينتظر منها أن تكون طرقا جديدة، بل فقط، مفاهيم لها حياة.
ويعتبر الراحل عبد الكبير الخطيبي، روائيا وشاعرا وعالم اجتماع مرموقا ومختصا في الأدب المغاربي، نشر قصصا وروايات ونظم قصائد تناولت فضاءات مختلفة.

ومن بين أعماله، التي تفوق 25 مؤلفا، "الذاكرة الموشومة" (1971 ) و" فن الخط العربي" (1976 ) و" الرواية المغاربية" و" تفكير المغرب" (1993 ) و"صيف بستوكهولم" (1990 ) و"صور الأجنبي في الأدب الفرنسي"(1987 ) و"كتاب الدم" (1979).

فاز الراحل، بجائزة الأدب في الدورة الثانية لمهرجان "لازيو بين أوروبا والبحر الأبيض المتوسط" في إيطاليا، عن مجمل أعماله الأدبية وتجربته التي انطلقت أواخر الستينيات من القرن الماضي، لمساهمته في خلق لغة أدبية وطنية ومستقلة في مجال العلوم الاجتماعية، والتزامه بقضايا المساواة الثقافية والتنوع الفكري بالمغرب، كما حصل أخيرا، على جائزة "الربيع الكبرى" التي تمنحها جمعية "أهل الأدب"، وهي جمعية ثقافية فرنسية عريقة يعود تأسيسها إلى عام 1838 من طرف أهم كتاب الأدب الكلاسيكي بفرنسا وأكثرهم شهرة في الوقت الحاضر، أمثال الروائي الفرنسي أونوريه دو بالزاك، والشاعر فيكتور هيغو، والروائي أليكسندر دوما.

ويعد الخطيبي أول عربي ومغربي يتوج بهذه الجائزة العريقة التي منحت له عن مجمل أعماله الشعرية التي صدر بعضها أخيرا، في ثلاثة مجلدات عن دار "الاختلاف" الباريسية، التي تعد من أرفع دور النشر الفرنسية.

وعرفانا له بمكانته في الوسط الفرنسي، خصصت جامعة ليون الثانية للخطيبي صفحة بعنوان "عبد الكبير الخطيبي"، تتضمن قائمة بكتبه ومقالات ونصوصا قصيرة له، ولائحة بالكتب والأطروحات التي تحدثت عنه.




تابعونا على فيسبوك