بدعوة من هيئة أبوظبي للثقافة والتراث، أقيمت محاضرة بعنوان "الرواية العربية وسؤال الفضاء" ألقاها الشاعر والناقد المغربي حسن نجمي.
نهاية الأسبوع الماضي بحضور حشد من الإعلاميين والمثقفين والمهتمين بالرواية والنقد الأدبي، في قاعة ابن ماجد في المركز الثقافي التابع للهيئة بأبوظبي.
وأعرب نجمي عن إعجابه بثقافة الانفتاح وبالمشروع الحضاري القائم في الإمارات، مؤكدا اعتزازه الكبير بها لما تفتحه من آفاق إبداع وإلهام أمام العرب، وهو شعور إيجابي أكد أن جميع المثقفين العرب الموضوعيين يشاركونه إياه، بقوله "لا يخفى على أحد ما للإمارات ومشروعها الفكري والثقافي والحضاري من أثر في نهضة الثقافة العربية عامة، فالإمارات هي البلد الذي يستقطب المثقفين والمبدعين العرب، ويفتح أفقاً نعتز به ونفتخر، وهذا الموقف يشاطرني إياه عدد كبير من المثقفين العرب".
وعن أسباب توجهه إلى تحليل الفضاء الروائي، قال نجمي إنه اهتم بالأدب الروائي الفلسطيني من خلال روايات الروائية الفلسطينية سحر خليفة، التي قدم عنها أطروحته الجامعية "الفضاء والهوية"، ثم كتابه "شعرية الفضاء" سنة 2000، مشيرا إلى أن المساحة الروائية توفر مشهدا أكثر وضوحا من القصيدة، نظرا لطابعها اللغوي المكثف وتقنياتها الأكثر تقشفا، مما يحتاج إلى تسلح الناقد بتقنيات التحليل النصي، منطلقا من هاجس إنصاف الروائية الفلسطينية سحر خليفة، التي لم ينتبه إلى متنها الروائي، رغم الروايات الخمس التي كتبتها.
وأكد د. نجمي على انحيازه للفضاء الروائي في الرواية الفلسطينية، التي تصور الحالة المتاهية التي يعيشها الفلسطيني ولا يعثر فيها على مكانه، فكثير من الأماكن في الخطاب الروائي الفلسطيني تصوّر بكثير من التبسيط الإيديولوجي والسياسوي برأيه، الأمر الذي يؤدي إلى اختزال الثراء الأدبي الفلسطيني ويسيء إلى تجارب إبداعية فلسطينية كبرى كتجربة محمود درويش وغسان كنفاني وغيرهما.
واستعرض نجمي في محاضرته الرواية العربية وسؤال الفضاء، بدايةً دلالة مفهوم الفضاء في السرديات عموما، مشيرا، إلى التحولات الواسعة التي عرفها هذا المفهوم خلال العقود الأخيرة خاصة في تنظير المدرسة النقدية الفرنسية البنيوية، التي استنبتت هذا المفهوم في حقلها المرجعي وانتشر منها في مختلف الثقافات الأخرى بما في ذلك الثقافة العربية التي لم يكن مفهوم الفضاء الروائي فيها متسعاً دلاليا وتصوريا كما هو الآن، وإن كانت له إرهاصات قديمة ربما تعود حتى إلى القصيدة الجاهلية. ومن حيث الدلالة يكتسي مفهوم فضاء الرواية أهمية بالغة في جهد أية قراءة أو نقد، ويتيح من فرص القراءة ما قد لا يتيحه فضاء القصيدة مثلاً، إذ يمكن للباحث أن يعثر في السرد الروائي خاصة على الكثير من إمكانيات التعبير نظراً لتقنياتها الأسلوبية الأقل كثافة والأكثر تقشفاً إذا ما قورنت بالشعر. وكلمة فضاء لا تعني في التداول النقدي الذي نتحدث عنه المكان حصراً، أي المكان الذي تقع أو تتموضع فيه أحداث السرد، كما قد يتبادر لأول وهلة، بل هو يعني حالة شعورية إدراكية لا ينفصل فيها الوعي المكاني بالوعي الزماني للحدث. إنه، بمعنى ما، حالة متاهية يصبح فيها الفضاء تعبيراً عن الذات، وآلية لاستكناه الحدث. وفي حالتي الخاصة، مثلا، حين اهتممت بمقاربة المتن الروائي من خلال روايات للكاتبة الفلسطينية سحَر خليفة اكتشفت الكثير من أوجه التميز وصور التعبير في فضاء أعمالها التي لم يتنبه لها الدرس النقدي العربي من قبل. ومع أنني كنتُ مدفوعاً بهاجس إنصاف مدونتها الروائية نقدياً وأدبيا، زيادة على شعور عام بقلة ما كتب عن تمثلات النص الفلسطيني، فإنني التفتُّ إلى السرد تحديداً لكاتبة فلسطينية بالذات لقناعة عميقة لدي بأن القضية الفلسطينية هي في المقام الأول قضية فضاء، إنها مكان منتشر، وأفق ذو علاقة بالذات المدركة التي تحتويه وتتمثله وتعبر عنه بصور شتى.
ويضيف نجمي منذ تجاوز الفهم التقليدي لمفهوم فضاء الرواية وتوسيعه، أصبحت النظرة النقدية للمحكي تتجاوز التأطير المرجعي له في سياقات مكانية حصراً، واكتسى هذا المفهوم دلالة بدرجة من التكثيف جعلت الناقد الفرنسي الشهير جيل دولوز يقول إن المهم بنيوياً ليس تخيل الفضاء، وإنما الفضاء ذاته كفكرة. والحال أن معظم النظريات في هذا المجال يمكن العودة بها إلى أصل مرجعي نقدي حاكم هو نظرية الناقد الألماني ليسنغ، الجمالية التي ظهرت في أواخر القرن السابع عشر. فقد أخرجت النقد من الشعرية القديمة، وبنيت على مقارنة نبيهة بين فضاءي القصيدة واللوحة. وقد أبرز ليسنغ خاصة أن فنون الشعرية، بما فيها القصيدة، وفنون القول والكلام عموماً قائمة على تتابع زمني، في حين أن اللوحة أو الفنون البصرية بصفة عامة قائمة على تجاور وتحايث مكاني وزماني، يسمح بالتعبير عن مفردات متعددة في الوقت نفسه. ولذا ذهب إلى أن اللغة لا تستطيع التعبير عن ثراء الواقع بقدر ما تستطيع اللوحة فعل ذلك.
ولكن بعض كتاب الرواية تمكنوا من إيجاد إزاحة بين الآليتين، وأوجدوا هذا التعدد والتزامن التعبيري في الصورة اللغوية مثل بعض مشاهد رواية مدام بوفاري لفلوبير مثلاً، ومثل ما ذهب إليه أيضا مارسيل بروست في ضد سانت بوف دفاعاً عن بعض آليات وتقنيات السرد والفضاء العام لروايته الشهيرة بحثاً عن الزمن الضائع، مبرزاً أن الفضاء مكون روائي في حد ذاته، وهو أكثر بكثير من مجرد الأمكنة الموصوفة. إنه أبعد من مجرد زخرفة للعمل الروائي، يمكن اختزالها أو الحديث عنها بلغة واصفة أو سطحية.
للتذكير فحسن نجمي مبدع متنوع الاهتمامات، ارتاد أجناسا إبداعية عديدة منها الشعر والرواية إبداعا وتنظيرا، وتولى رئاسة اتحاد كتاب المغرب لدورتين، ثم تولى رئاسة بيت الشعر المغربي، وهيئة الثقافة في وزارة الثقافة، وأنتج العديد من الكتب، التي كان لها العمق الكبير والدور الفعال في رسم اتجاه خاص به.