قال أنس الحسناوي، رئيس "الفضاء الجمعوي"، إن مشروع الميثاق الجماعي المطروح حاليا أمام البرلمان..
"لا يؤطر مشاركة الجمعيات في تدبير الشأن المحلي، لأنه لم يدقق الآليات والمساطر، التي يمكن اتباعها من أجل تحقيق هذه المشاركة، حتى لا تصبح مجرد مشاركة منصوص عليها فقط، أو مبادرات فردية، تخضع لنزوات الأشخاص. وأضاف الحنساوي "نحن نرغب في مشاركة تكون مرتبطة بمسؤولية وضرورة تقديم الحساب".
وفي حديث لـ"المغربية"، على هامش الملتقى الوطني، الذي يعتزم الفضاء الجمعوي تنظيمه نهاية الأسبوع الجاري بالرباط، تحت شعار "جميعا من أجل تفعيل حكامة محلية جيدة"، قال الحنساوي إن عدم تأطير مشاركة الجمعيات هو ما دفع بالفضاء الجمعوي إلى صياغة مذكرة مطلبية، "الغاية منها تأطير فلسفة فكرة ضرورة مشاركة الفاعل الجمعوي في التدبير المحلي، فضلا عن تقديم بعض التعديلات، التي ارتأينا أنها ضرورية"، مبرزا أن صياغة هذه المذكرة جرت من خلال عمليات متعددة، ومشاورات كثيرة، ودراسة للنصوص القانونية الموجودة حاليا، وعلى رأسها الميثاق الجماعي".
* ما هو الهدف من تنظيم لقاء "جميعا من أجل تفعيل حكامة محلية جيدة"؟
ـ يدخل تنظيم هذا الملتقى ضمن برنامج من أجل تعبئة جميع الجمعيات، ومن أجل التواصل مع جميع الأطراف المعنية بتعديل الميثاق الجماعي، في أفق الإنصات لمطالب الجمعيات في موضوع المشاركة داخل الجماعة المحلية، والمساهمة في التدبير المحلي.
ويأتي تنظيم هذا اللقاء في محطة مهمة.
وبالنسبة لتأطيره بشكل عام، ومشاركة الجمعيات في التنمية المحلية وفي التدبير المحلي، فهذا الموضوع ليس جديدا بالنسبة للفضاء الجمعوي، ولمجموعة من الفاعلين الجمعويين، ويرجع، عمليا، إلى سنة 2002، عندما قدم الفضاء الجمعوي مذكرة في الموضوع نفسه، من أجل إشراك الجمعيات في التدبير المحلي. ومنذ 2002 إلى أفق 2009، يمكن القول إن مقترحاتنا لم تحظ آنذاك بالقبول لاعتبارات متعددة، ولكن ما يهمنا، نحن، أنه مابين المحطتين حاولنا ما أمكن أن نسير في اتجاه معرفة أكثر لحاجيات الجمعيات في ما يخص مساهمتها في التدبير المحلي، وما هي المعيقات، التي تحول دون تحقيق الجمعيات لهذه المشاركة على أنجع وجه، ثم، انطلاقا من هذه التحديدات، حاولنا ما أمكن وضع برامج محلية في ما يخص الاستراتيجية، التي يعمل بها الفضاء الجمعوي ما بين 2008 و2011، استراتيجية تقوم على الأقطاب الجهوية، وتشمل الأقطاب الجمعوية في علاقتها ما باقي الفاعلين، بما في ذلك إمكانية الشراكة مع المؤسسات المحلية. ولكن كيفما كانت هذه الأنشطة والبرامج، فهي تبقى مبادرات تؤخذ من قبل الجمعيات، أو في علاقة مع باقي الأطراف المعنية بهذا الموضوع، وتبقى دون مستوى الإطار القانوني.
كما أن المشروع المقدم الآن أمام أنظار البرلمان، في الفصل 36 من الميثاق الجماعي، يشير إلى أن الفاعل الجمعوي شريك أساسي في عملية التدبير المحلي، لكنه لا يؤطر هذه المشاركة، إذ لا يدقق الآليات والمساطر، التي يمكن اتباعها من أجل تحقيق هذه المشاركة، حتى لا تصبح مجرد مشاركة منصوص عليها فقط، أو مبادرات فردية تخضع لنزوات الأشخاص. ونحن نرغب في مشاركة تكون مرتبطة بمسؤولية وضرورة تقديم الحساب.
وأعتقد أن هذا هو المسار الذي قادنا إلى المذكرة، التي هي الآن موضوعة أمام جميع الفرق البرلمانية، وأمام الوزير الأول، ووزير الداخلية، ومجموعة من المؤسسات، والغاية من ورائها تأطير فلسفة فكرة ضرورة مشاركة الفاعل الجمعوي في التدبير المحلي، فضلا عن تقديم بعض التعديلات، التي ارتأينا أنها ضرورية. وجرت صياغة هذه المذكرة من خلال عمليات متعددة، ومشاورات كثيرة، ودراسة للنصوص القانونية الموجودة حاليا، وعلى رأسها الميثاق الجماعي.
وأشير إلى أنه، من خلال هذه المشاورات، أحسسنا أن هناك رغبة كبيرة لدى الجمعيات، وترحيبا من قبل مجموعة من المستشارين البرلمانيين، بمقترحاتنا، ومع ذلك، يبدو لنا أن مقترحاتنا لا تحتل أهمية كبيرة في أجندة الأحزاب السياسية ولا الفرق البرلمانية، التي من المفروض أن تتداول في هذا الموضوع. ولهذا اغتنمنا مناسبة الدخول التشريعي الجديد، الذي سيكون من أهم نقطه مناقشة الميثاق الجماعي، لنجدد مطلبنا المتعلق بتحديد آلية المشاركة، وأشكال هذه المشاركة، حتى لا تبقى مشاركة مفتوحة من دون مأسسة داخل إطار محدد.
* وفي حالة ما إذا جوبهت مذكرتكم المقدمة للحكومة والبرلمان بالرفض، ما هو الإجراء، الذي ستقدمون عليه من أجل نزع مشاركة تتماشى مع متطلباتكم؟
ـ أولا، مطلبنا ليس مرتبطا فقط بالتعديل القانوني، بل هو يشمل مستويات متعددة، لأن في صلب عملية المشاركة، هناك الحكامة الجيدة في مسألة التدبير المحلي، التي نعتبرها مسألة أساسية، كما لا يمكن أن تجري هذه المسألة بدون مساءلة، ومن دون إشراك السكان والتنظيمات المؤطرة لهؤلاء السكان، المتمثلة في الجمعيات.
كما لا يمكننا، على مستوى ثالث، الاكتفاء بالمطلب القانوني، الذي نعتبره أساسيا. وكما سبق أن أشرت، فمن سنة 2002 إلى غاية اليوم، أقدمنا على مبادرات متعددة من أجل إعطاء نوع من التعبيرات العملية لهذا النوع من الشراكة، ونؤكد على أن هناك شروطا لإنجاح هذا النوع من العمل التشاركي.
وفي حالة عدم القبول، أو التعاطي الإيجابي مع هذه المقترحات في المرحلة الراهنة، نعتبر أن هناك الميثاق الجماعي، إلى جانب بعض النصوص التطبيقية، وخطوات يمكن إنجازها على مستوى الوزير الأول، أو على مستوى وزير الداخلية، إذا ارتأت هذه الأطراف الحكومية ضرورة التنصيص على هذه المشاركة. ولن نتوقف عند هذا المستوى، بل سنستمر على مستويات أخرى من أجل تفعيل أسس قانونية أخرى، بعيدا عن الميثاق الجماعي.
كما أننا بصدد دراسة مقترح على مستوى استراتيجية الأقطاب الجهوية، وسنحاول التقدم، بقدر الإمكان، في حالة ما إذا وجدنا مخاطبا على المستوى المحلي، يمكن أن يدخل في بعض التجارب التعاقدية، في مدة زمنية معينة، وإمكانية مشاركة تنطلق من وضع التصورات،إلى الإنجاز، حتى التقييم بشكل جماعي. ومن خلال هذا كله نترجم كيف يجب أن تكون هذه المشاركة، ومن خلالها نعطي الدليل العملي على إمكانية إنجاحها. هذا يعني أننا نراهن، من جهة، على التعديل القانوني، ومن جهة أخرى، على الإرادات الصادقة، وعلى الجماعات المحلية، وعلى المنتخبين، ليترجموا تفعيل هذه المشاركة، مع تقديم بعض الضمانات، ونوع من التجاوب الإيجابي مع هذه المتطلبات في الميدان.
وأريد أن أشير إلى أن مذكرتنا تلح على ثلاثة مستويات تهم مشاركة الجمعيات، وعلى المساواة بين الجنسين، وعلى الشفافية، كمبدأ أساسي في مسألة الحكامة. ووضعنا هذه المذكرة على أساس أن هذا الثلاثي هو الذي يشكل قطب الرحى في عمل التدبير المحلي من أجل التنمية المستدامة.
وإذا كنا مقتنعين أنه لا يمكن أن تكون هناك تنمية محلية من دون ضمانات لإشراك جميع الأطراف المعنية، ومن دون احترام حقوق المواطنين، وعلى رأسها حق المساواة، ومن دون إطلاع المواطنين على البرامج، وعلى نتائجها، وكيفية إنجازها، فإننا نؤكد أن الحكامة على المستوى المحلي لن تعرف طريق النجاح، ولهذا ركزنا، في الفضاء الجمعوي مع باقي الجمعيات الشريكة، على مشاركة الجمعيات من ناحية المقترحات، التي قدمناها، ولكننا نساند، في الوقت نفسه، وبشكل مطلق، كل مارد في مطالب "الحركة من أجل الثلث" في ما يخص المساواة بين الجنسين في التمثيلية بالجماعات المحلية. كما نشارك كل الجمعيات وكل الفاعلين في مبدأ الحكامة الجيدة، وعلى رأسها مسألة الشفافية، التي تنقص في العلاقة مابين مؤسسة الجماعة المحلية والمواطنين.
* وعلى ماذا ركزتم في صياغة المذكرة، التي قدمتم للحكومة والبرلمان؟
ـ ركزنا على ثلاث محطات، همت أولاها دراسة المراجع القانونية الأساسية المتعلقة بالتدبير الجماعي بالمغرب منذ السبعينات إلى اليوم. وتكلف بها متخصص في الموضوع كما أن هذه العملية لا تعد الأولى من نوعها بالنسبة إلينا، إذ أنجزنا دراسة سنة 2002، خلال صياغة المذكرة الأولى، تلتها دراسة أخرى سنة 2007. وواكبت هاتان الدراستان إلى حد ما، تطورات عرفتها الجماعات المحلية، وأقامت هاتان الدراستان مقارنة مع بعض النماذج لمشاركة الجمعيات في تدبير الشأن المحلي في دول أخرى. ولجأنا، بعد ذلك، إلى استشارة موسعة على المستوى المحلي داخل مجموعة من الجهات. وانطلاقا من خلاصات هذه العمليات الاستشارية، وانطلاقا من الدراسة والاستماع لبعض التجارب الناجحة، استنتجنا أن هناك إمكانية للعمل المشترك بين الجماعة المحلية والجمعيات، ترجمت بمجموعة من الآليات التنظيمية المتعلقة ببعض المشاريع أو البرامج، وتتجاوز ذلك في بعض الأحيان إلى مخطط .
أبانت هذه التجارب الناجحة أن هناك إمكانية للعمل، وارتياحا لدى الطرفين، فضلا عن اتجاه إلى حكامة جيدة، تستند على تعزيز العلاقة مع الفاعلين، في أفق تنمية مستدامة. إننا نتحرك انطلاقا من هذه المرتكزات الثلاثة، بناء على الفلسفة العامة للعمل التشاركي، والسبق لدى الجمعيات مقارنة مع الفاعلين المحليين، خاصة أن الجمعيات أصبحت اليوم تمتلك خبرة في التعاطي مع بعض القضايا، لا تلمسها الجماعة المحلية، إما بسبب ضعف الإمكانيات، أو لضعف الخبرة، ونظرا لقرب الجمعيات من المواطنين. فتاريخيا، وأمام انسحاب الدولة من القطاع الاجتماعي، كان للجمعيات دائما السبق في ملء بعض الفراغات في مجموعة من الفضاءات النائية، حيث التهميش والإقصاء، وحيث يعيش المواطنون نوعا من العزلة. كانت الجمعيات تحاول فك هذه العزلة من خلال مبادراتها.
والآن، ونحن في محطة وعي الأطراف المنتخبة بأهمية الجمعيات، يصبح ضروريا وضع كل هذا في إطار ينبني على ألا تكون المشاركة نوعا من التمييز، أو جزاء للجمعيات، بل يصبح مسألة حق، وأمرا ملزما لجميع الأطراف، لتكون في عملية المشاركة مساهمة في المستوى نفسه مع باقي الأفراد المعنيين بالتدبير المحلي، بدل جعلها مجرد منفذ للبرامج. الآن، يجب أن يتحول هذا الفاعل إلى إطار يحكمه تنظيم قانوني، لتصبح له قوة الحضور.
وخلال صياغة مذكرتنا مررنا بالعديد من المحطات، لأنه كان فيها أخذ ورد بين الجمعيات، وسنعرضها مجددا في الملتقى الوطني، الذي نعتزم تنظيمه الأسبوع المقبل، وسنستمع إلى بعض الأطراف المعنية بهذا الأمر من أجل تعزيز محتواها. ونعتبر أن لدينا حلما نتمنى أن يتحقق، وتتحقق معه مطالبنا، ولكننا لن نقف عند المتمنيات، أمام ضغط الوقت، وعدم توفر إرادات قوية تعطي للفاعل الجمعوي المكانة، التي يستحقها داخل التنمية البشرية والمستدامة.
* من خلال الدراسات، التي أنجزتموها في الجماعات المحلية، كيف تقيمون أداءها، ثم هل تطمحون إلى تحديد كوطا خاصة بتمثيلية الفاعل الجمعوي داخل الجماعات المحلية، على غرار "الحركة من أجل الثلث" لدى النساء؟
ـ إن تقييم أداء الجماعات المحلية يصعب وضعه بشكل موضوعي، على اعتبار أن الدراسات ركزت على تقييم مشاركة الجمعيات في تدبير الشأن المحلي. كما أن تقييم عمل الجماعات المحلية لم يكن هو غرضنا، لأنه أكبر من هدفنا ومن إمكانياتنا. وفي ما يخص العلاقة مع الجمعيات، فهي تخضع في أحيان كثيرة للعلاقات الشخصية، كما أنها تكون موضوع رهان انتخابي. بمعنى آخر، فإن الأطراف المعنية بالعملية الانتخابية تبحث، بدورها، على زبناء محتملين، يمكن أن يحققوا لها حضورا داخل الأجهزة المنتخبة، مع العلم أن آلية التواصل مع المواطنين هي الجمعيات. وهذا التوظيف النفعي للجمعيات يطرح في كثير من الحالات، حسب اختيار انتقائي لجمعية من دون غيرها.
وأعتقد أن هذا الأمر ضد مبدأ الحكامة الجيدة، وضد المساواة في توزيع موارد الجماعة، وضد التعددية الموجودة داخل المجتمع، وضد مبدأ الديموقراطية، لأنه خرق لنزاهة العملية الانتخابية، التي تتحول فيها العلاقة إلى الزبونية. وحكمت هذه الاعتبارات العلاقة مع الجمعيات، فضلا عن أن التعاون مع الجمعيات يجري وكأن الأمر يتعلق بمستضعفين تقدم لهم مساعدة، وليس كفاعلين، لديهم ذكاء وقدرة على الإبداع والخلق في تقديم التصورات. وتقدم لهم منح لتنفيذ بعض المشاريع الصغيرة المعزولة، وهو ما يمثل نوعا من تبذير موارد الجماعة المحلية، أو تقدم لهم منح من أجل تنفيذ برامج حددت قبلا في مكاتب دراسات من دون الأخذ بعين الاعتبار حاجيات السكان.
إن العلاقات من هذا النوع فيها خطاب مزدوج، أحدها يقول إن الجمعية شريك أساسي، في حين يتبنى الآخر ممارسة لا تسير في الاتجاه نفسه، ولا تأخذ بعين الاعتبار إشراكا في مدة معينة، وانطلاقا من رؤيا وتصورات في أفق تحقيق عمل معين بالميدان، ومراقبته من طرف السكان. وهذا النسق، الذي لا يحترم الجمعيات، والذي لا يوجد إطار لتقييمه، هو الطابع العام لهذه العلاقة.
بطبيعة الحال، كانت هناك فلتات إيجابية، ونوع من التشارك بين طرف يقدم تمويلات أو إمكانيات، وفي بعض الحالات يتجاوزها إلى المساهمة في تقديم خبرة تقنية، أو تكوين، وأحيانا يلمس آليات التفكير الجماعي، لكنها تبقى حالات محدودة، كما أنه ليس هنالك ما يؤطرها، وهناك فقط رغبات يتقاسمها الطرفان.
وبالنسبة للتقييم الإجمالي لأداء الجماعات المحلية، لا نتوفر عليه لحد الآن، وكل ما لدينا هو عناوين كبرى لهذه العلاقة، لذلك يصبح من الضروري أن تكون مشاركة الجمعيات إلزامية، وفق مقاييس ومعايير محددة ينص عليها القانون، لتصيح جميع الأطراف مسؤولة أمام السكان، وأمام الأطراف الأخرى المعنية بالتدبير الجماعي، يقدمون الحساب، ولا يبقون في حل من أمرهم.
وعلى العلاقة بين الجماعة المحلية والجمعية أن لا تنتهي في حدود تقديم دعم مادي لتنظيم نشاط ما، لأن هذه العلاقة لا تخدم بأي شكل من الأشكال التنمية المحلية، لذلك نطالب بعكسها، لتصبح المشاركة منصوصا عليها، وتكون المحاسبة واردة، حتى يكون الفاعل الجمعوي استراتيجيا، ويجب أن يكون مسؤولا قانونيا ومعنويا، وأن لا يكون هذا الفاعل الجمعوي بديلا عن المنتخب،وليست له غاية في الوصول إلى أي سلطة سياسية، ولكنه يؤدي دور المنبه، وهو ما يستدعي حضوره على امتداد جميع أطوار عملية التدبير المحلي.
وبالنسبة لتمثيلية الجمعيات داخل الجماعات المحلية، فهي محطة نطالب فيها بإلزامية المشاركة، وفي حالة ما بلغنا هذه المرحلة، مع إحالة على نصوص تنفيذية ومراسم تطبيقية لهذا الفصل، عندها سندخل محطة أخرى، تتعلق بتحديد آلية هذه المشاركة.
ونحن نبحث في سياق النقاش العام عن إطار على المستوى الوطني، يكون بمثابة هيئة للحياة الجمعوية. ومن المحتمل أن تكون مجالس محلية، يمكن أن تفرز ممثلين عنها بنسبة معينة، 5 في المائة، أو 10 في المائة، ويكون لها حضور داخل الجماعة المحلية بصفة معينة. ولكن يجب، أولا، أن نصل إلى مرحلة التعبيرات عن الإرادة والتنصيص عليها، لندخل محطة أخرى.
هذا تصور عام لكيفية توقع مخطط لهذه التمثيلية، ولدينا العديد من التجارب لدول أخرى عن كيفية إشراك المواطنين داخل تدبير الشأن المحلي، وكيفية تنظيم الانتخابات مابين مجموعة من الإطارات بشكل هرمي، وصولا إلى من يمثل المواطنين داخل برامج ومشاريع. وهذه صيغة من الصيغ التي يمكن أن تجري بها التمثيلية. ولكن، في الانتظار، ربما يخرج مرسوم يؤكد على أن تجربة تمثيلية الجمعيات داخل الجماعات المحلية يمكن تطبيقها في بعض المناطق المحددة على سبيل التجربة، ولاستخلاص الدروس، ويمكن تعميمها بالتدرج.
هذه الأفكار ليست موضوع نقاش الآن، لكنها تعبر عن رأي شخصي، مع العلم أن مجلسا من أجل الحياة الجمعوية هو موضوع نقاش منذ سنتين على مستوى وزارة التنمية الاجتماعية، ويمكن، من خلال مجالات اشتغالاته وتدخله، التفكير في تمثيلية الجمعيات داخل فضاء الجماعات المحلية.
* ألا ترون أن مطالبتكم بمنح المسؤولية للفاعل الجمعوي في تدبير الشأن المحلي يتقاطع مع الدور المنوط به أساسا داخل الجمعيات، ثم ألا تتخوفون من أن هذه التجربة قد تبعد المواطنين عن الجمعيات، التي أشرتم إلى أن بينها بعض الانتهازيين، يأخذون المنح لتلبية حاجياتهم الشخصية؟
ـ ذلك لكي أختصر العملية فقط، فالمنتخب المحلي والجماعي من طرف السكان في الانتخابات يتولى تدبير الشأن المحلي، ويعتمد على الفاعل الجمعوي لكونه في علاقة يومية مع السكان، وهؤلاء، بدورهم، في حاجة لإبلاغ صوتهم إلى الإطار الذي يدبر مواردهم، وفي حاجة لإسماع صوتهم للجهة التي تنفذ المشاريع. كما أن هذه العملية في الفترة الفاصلة بين الانتخابات ليست لها آلياتها، لأن الجمعيات، باعتبارها الطرف الأساسي المراهن عليه، غير موجودة.
وفي ما يخص التخوف من المنزلقات، فهو ما قصدنا به ضرورة وضع مقاييس، وأن يصبح الفاعل الجمعوي مسؤولا قانونيا ومعنويا. ولحد الآن، تتسلم الجمعية منحا مالية، وعلى رأسها أناس داموا سنوات طوالا في مواقعهم، وحولوها إلى مؤسسات لتحويل موارد الجماعة نحو المصالح الشخصية، تتمثل في بعض الأحيان في تحضير الانتخابات، وهذه الأمور تجري من دون رقيب أو حسيب، وهو ما يجعلنا نطالب بالشفافية الكاملة في ما يخص هذه العلاقة، التي لا تقوم حاليا على أسس قانونية واضحة، أو على مساطر تحدد المسؤوليات. وستتحول الأمور عندما يصبح لدينا إطار لمجموعة من الجمعيات، تنتخب من يمثلها داخل المجلس الجماعي، وفق دفتر تحملات محدد، ووفق أجندة للتنمية المحلية معينة، وتجري المحاسبة على أساسهما، وعندما يصبح الفاعل الجماعي مع الفاعل الجمعوي يفكران بشكل جماعي في مسألة التعبير، فلا يمكن أن يغفلا هذه الحاجيات المعبر عنها. ثم إن الفاعل الجمعوي سيصبح منبها لالتزام الجماعة مع السكان، وليس مع الحزب الفلاني، أو بمصلحة الوصول إلى منصب سياسي، وبالتالي ستصبح، بالعكس، قوة هذا الحضور ملزمة للمراقبة والتتبع. وداخل الإطار الجمعوي لا يعني هذا أن الجمعية سيصبح بإمكانها فعل ما ترغب فيه، بل سيصبح لديها إطار للتداول الجماعي حول الشأن المحلي، وهو ما نفتقده اليوم، إذ تشتغل كل جمعية بمفردها.
وبموجب هذه المشاركة سيصبح لدينا تخطيط جماعي، تساهم فيه جميع الأطراف، كل حسب مجال تدخله، ووفق رؤية مشتركة.
وبالنسبة للتخوف من نفور المواطنين من الجمعيات، فهو قائم لدينا، ونشدد على ضرورة الحرص واليقظة المستمرة، أي أنه كيفما كانت الآلية التي سيجري انتهاجها، يجب دائما تقييمها. وإذا كانت الغاية واضحة، والإرادة صادقة في الوصول إلى هذا الإشراك للسكان والجمعيات، والعمل المشترك الجماعي، وعدم تبديد مالية الجماعة، وتحقيق أهداف التنمية المستدامة، ونوع من الرقي الاجتماعي، واستقرار السكان داخل منطقة معينة، فيجب أن نضع السياسات اللازمة لها، سواء تعلق الأمر بالتشريعات القانونية، أو بمتابعة جميع أشكال التنفيذ.
* وهل تشترطون في مشاركتكم في تدبير الشأن المحلي أن تسند عملية المراقبة إلى الفاعل الجمعوي؟
ـ أعتقد أننا نشترط أن تسند إلى الجمعيات، في المشاركة في تدبير الشأن المحلي، وإشراكها في وضع التصورات للتنمية على المستوى المحلي، فهي فاعل يشتغل، ولكن ليس وفق مقاربة مندمجة داخل محيط جغرافي معين. وهناك أنواع من الجمعيات تختلف مستويات تفانيها، فضلا عن كون الفضاء الجمعوي جاء على أساس المساهمة في ترقية العمل الجمعوي، ودعمه من أجل تنمية ديموقراطية، ترتكز على أسس معينة، تشمل احترام مجموعة من القيم، ولذلك، على الصعيد المحلي، لم نصل بعد إلى هذا المستوى. وتضم الجمعيات ما هو صالح وما هو سيء، كما أن هناك جمعيات متميزة بشكل كبير وتشتغل بانفراد.
يجب تنظيم هذا العمل المبعثرإذن، وعندما نقول دور المراقبة، يجب أن يكون طبيعيا من قبل السكان، إلا أن محطات المراقبة متباعدة. كما أن المراقبة الطبيعية هي أن تخضع جميع البرامج لنوع من التقييم، وتقدم الحساب للسكان في تقارير تشمل إنجازات كل فرد بالجماعة المحلية.
كما أن عملية المراقبة، سواء كان الفاعل الجمعوي داخل أو خارج الجماعة المحلية، يجب أن تجري بشكل طبيعي، بالإضاف إلى أن السكان لا يلتقطون جميع الأشياء، ويجب توفير آليات بيداغوجية لتبسيط الأمور وإبلاغها للمواطنين. وفي هذه العملية، لا يمكن المراهنة فقط على الجماعات، التي تشتغل في دوائر محدودة، وأماكن محدودة ولديها التزامات كثيرة، في حين هناك جماعات لديها إمكانية التواصل والتأثير عبر قنوات متعددة، من بينها الجمعيات.
إذن، دور المراقبة يجب أن يكون طبيعيا، بوجود الجمعيات أو بدونها. ولكن بوجود الجمعيات سينضاف عنصر داخل مسلسل بكامله. والمغرب، كسائر البلدان الأخرى، لن تنتهي فيه حالة الانتهازية من مواقع المسؤولية، وهو ما يجعلنا نطالب بميثاق يخص الحكامة الجيدة داخل المؤسسات. وفي نهاية المطاف، عندما نقنن ونعتمد أدوات المحاسبة والمسؤولية والشفافية في التدبير، فإننا نسد الأبواب على هذه المنزلقات، التي نسعى، في مرحلة أولية، إلى تقليصها، في أفق القضاء عليها. ولكن في إطار المؤسسات، هناك ضوابط، ففي الجماعة المحلية يجب أن تشتغل الجمعيات كمؤسسة قانونية بداخلها قوانين، ومن بينها مطلب التنصيص على مشاركة الجمعيات على أساس تحقيق المراقبة، من أجل احترام المؤسسة، والنصوص المنظمة لها.
* أشرتم إلى أنكم بعثتم مذكرتكم إلى وزارة الداخلية، هل استقبلكم وزير الداخلية بعد ذلك؟
ـ لحد الآن، لم يستقبلنا وزير الداخلية، لاعتبارات مفهومة، في هذه المحطة على الأقل، أولا، بالنسبة للحكومة، التي أنهت الميثاق الجماعي وقدمته للغرفتين، ثانيا، في ما يبدو لي، هناك نصوص موازية أخرى، والحكومة الآن بصدد الاشتغال عليها. ونتمنى أن تلين الحكومة موقفها خلال النقاش.
ونحن أيضا في إطار النقاش مع البرلمانيين، لأنهم أول من سيناقش الموضوع، ونتباحث كذلك مع الوزارات المعنية، من أجل أن نصل إلى مخرج إيجابي لهذه المسألة. وإذا حصل استقبالنا سيكون ذلك مفيدا، على الأقل لتبليغ صوتنا، بطرقنا، في هذا الموضوع، وإذا استحال ذلك، فإننا نراهن على التعبئة الجماعية. وكما أشرت، فالموضوع لن ينتهي عند الميثاق الجماعي.
تأسس الفضاء الجمعوي سنة 1996، بمبادرة من عدد من الفاعلين الجمعويين، والأطر الجمعوية، ويضم 54 من الجمعيات والأشخاص الذاتيين.
ويعتبر الفضاء الجمعوي جمعية من الدرجة الثانية، يعمل بشكل غير مباشر. ومن أهدافه تقوية ومساعدة النسيج الجمعوي، والمرافقة والمناصرة، والتفكير، عبر عدد من الندوات، والملتقيات، والموائد المستديرة، وإنتاج كتب ووثائق تساعد على التفكير، وخلق إطارات للتنسيق، والتنمية الديموقراطية، بكل مضامينها.
يطالب الفضاء الجمعوي، في مشروع المذكرة المطلبية، التي قدمها للحكومة والبرلمان، حول ضمان مشاركة الجمعيات والمساواة بين الجنسين والشفافية، والتي صاغها بناء على القراءة لمضامين الميثاق الجماعي الجديد، (يطالب) بضمانات لإنجاح الحكامة بالعمل على وضع ميثاق أخلاقي للمدينة، يعترف فيه للجمعيات بالمشاركة في التخطيط، والتتبع، والتقييم، بناء على ما ورد في الميثاق الجماعي، وتلتزم من خلاله الجمعيات بالمساهمة الفعالة في التنمية المحلية.
كما يطالب الفضاء الجمعوي باستغلال المناخ العام، الذي يعيشه المغرب على المستوى المحلي والوطني، للرفع من أداء التنمية الشاملة، والحث على التقائية البرامج، فضلا عن تعزيز التعاون والشراكة على المستوى الدولي، وإعطاء أهمية قصوى للتكوين والتكوين المستمر لأجهزة الحكامة المحلية، للرفع من جودة الأداء.
وعلى مستوى الإجراءات والآليات القانونية، يقترح الفضاء الجمعوي التنصيص القانوني على مشاركة الجمعيات، باعتبارها شريكا أساسيا في التنمية الديموقراطية، وتفعيل نظام اللامركزية واللاتمركز، بإعطاء الجماعة صلاحيات واسعة، لتحقيق تنمية مستدامة معتمدة على الإمكانيات الذاتية، وفق تقطيع يستجيب لمبدأ الانسجام والتكامل، ومحددة الاختصاصات والأدوار بالنسبة لكل المتدخلين/المتدخلات في المجال التنموي، وانفتاح الجماعة على مجالها، بوضع آليات لإخبار وإشراك المواطنين والمواطنات، عبر فرق تنشيط الأحياء المكونة من الرجال والنساء، والتي تشتغل بعدة مقاربات، من المقاربة الحقوقية، ومقاربة النوع الاجتماعي، إلى المقاربة التشاركية.
ويقترح الفضاء الجمعوي، في مذكرة بشعار "جميعا من أجل تفعيل حكامة محلية جيدة"، أجرأة وتفعيل آليات الحكامة الجيدة، الواردة في النصوص التنظيمية والدوريات الداخلية، علاوة على نهج الشفافية في التسيير، والإخبار حول التدبير المحلي، وتفعيل وتوضيح دور المؤسسات المحلية والمنتخبة في مجال التنمية المستدامة والشاملة.
أما على مستوى التسيير والأداء الجمعوي، فطالب الفضاء الجمعوي بتقوية بنيات الجمعيات، من خلال توفير فضاءات الاشتغال والموارد البشرية اللازمة، وبتثمين التجربة الجمعوية في مجال التشخيص التشاركي، والتخطيط المستجيب للنوع الاجتماعي، والتنفيذ العملي للمشاريع، إلى جانب أجهزة الحكامة الأخرى. ويطالب بتسهيل وصول الجمعيات إلى الوثائق الجماعية، ومحاضر مداولات المجالس، بالإضافة إلى توضيح وضبط معالم وبنود الشراكة، كأساس للتعامل والتعاون المحلي الإيجابي، وخلق فضاءات للتواصل والتشاور حول التنمية والحكامة الجيدة، بما فيها الاختصاص، والتكامل، والمساهمة في ضمان الشفافية، وبدعم الديموقراطية التشاركية، بموازاة مع الديموقراطية التمثيلية، تماشيا مع ثقافة وسلوك المواطنة، وتوسيع هامش الديموقراطية.
وعلى مستوى دعم مقاربة النوع الاجتماعي، يقترح الفضاء الجمعوي إضافة لجنة قارة، "لجنة المساواة وتكافؤ الفرص"، مكلفة بالانفتاح وإشراك المتدخلين المحليين، وبالتنسيق بين مختلف اللجن القارة للجماعة، وباقتراح مشاريع مستجيبة لمقاربة النوع الاجتماعي، فضلا عن إنجاز مونوغرافيا (بروفيل) الجماعة وفق مقاربة النوع الاجتماعي، والتشخيص التشاركي، المستجيب لمقاربة النوع الاجتماعي، والتخطيط الاستراتيجي المستجيب للنوع الاجتماعي.
كما يقترح الفضاء، في السياق نفسه، التكريس القانوني للجنة "المساواة وتساوي الفرص"، وتفعيل دوريات توضح أهمية اعتماد المقاربات التنموية، الكفيلة بتقليص الفوارق بين الرجال والنساء، كمقاربة النوع الاجتماعي والمقاربة الحقوقية، التي جرى اعتمادها على المستوى الوطني.
ويعتبر الفضاء الجمعوي التعديلات الجديدة في الميثاق الجماعي خطوة إيجابية من أجل ترسيخ الديموقراطية المحلية، مسجلا "بارتياح" إدماج المقاربة النوعية، ومنهجية خلق اللجنة المكلفة بالتنمية البشرية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وكذلك شروط إنجاز مخطط جماعي. إلا أنه يؤكد، في الوقت نفسه، على غياب الميكانيزمات والآليات العملية والإجرائية لإرساء قواعد الحكامة المحلية الجيدة، من خلال غياب تصور واضح وصريح لمشاركة الجمعيات والشراكة المتكافئة بينها وبين الجماعة، والقطاع الخاص، والمصالح الخارجية، ومختلف الفاعلين في مجال التنمية الاجتماعية، وبالتالي لم يقع تثمين تجربة أجهزة الحكامة، وتوزيع اختصاصاتها وأدوارها ونتائجها،كما نصت على ذلك المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، وغياب إطار لتقوية قدرات الجمعيات الفاعلة في مجال التنمية المحلية، فضلا عن غياب التكوين والتكوين المستمر للمنتخبين والمنتخبات، بما يفيد تدبير الشأن المحلي والحكامة الجيدة، والإخبار والمراقبة والتقييم للشأن الجماعي، ودوريات توضح أهمية اعتماد المقاربات التنموية الكفيلة بتقليص الفوارق رجال/نساء، كمقاربة النوع الاجتماعي، والمقاربة الحقوقية، التي جرى اعتمادها على المستوى الوطني، والتنصيص القانوني على "لجنة المساواة وتساوي الفرص".