يضع مصطفى المنصوري وحسن بنعدي قرار حزبيهما بتشكيل فريقين برلمانيين مشتركين في سياق مشروع تقارب سياسي بين التشكيلتين، وفي أفق ما يعنله الطرفان من نية في تشكيل قطب سياسي كبير في الحقل الحزبي بالمغرب، واعتبر الجانبان هذه الخطوة بمثابة تقوية للأغلبية الحكومية
وفي منتدى "90 دقيقة للإقناع" لمجموعة "ماروك سوار"، شدد حسن بنعدي، الأمين العام لحزب الأصالة والمعاصرة، على طبيعة المرحلة السياسية، معتبرا أنها تتطلب مبادرة جديدة، وشجاعة، تستخلص درس نتخابات 7 شتنبر 2007، لإعادة ثقة المواطن في العمل السياسي، مشيرا إلى دعوة جلالة الملك الفاعلين الحزبيين من أجل الانصراف إلى العمل السياسي الجاد والنقي.
كما يعتبر مصطفى المنصوري، الأمين العام لحزب لتجمع الوطني للأحرار، (وهو أيضا رئيس مجلس النواب)، أن قرار تشكيل فريق مشترك في مجلسي النواب والمستشارين من شأنه أن يشجع المواطنين على الانخراط في العمل السياسي"، وأن القرار جاء بهدف "تقوية الأغلبية الحكومية الحالية، وتعزيز العمل البرلماني المشترك، ومحاربة البلقنة السياسية، وعقلنة المشهد الحزبي، قصد إعطاء نوع من المصداقية للعمل السياسي"، ويخلص المنصوري إلى أن هذا القرار من شأنه أن "يشجع المواطنين على الانخراط في العمل السياسي".
* إن السؤال الذي يفرض نفسه، مع إعلان تشكيل الفريق المشترك في غرفتي البرلمان هو: لماذا هذا التآلف على المستوى البرلماني بين التجمع والأصالة والمعاصرة؟ ما هي المصالح المتبادلة بين الحزبين؟
ـ حسن بنعدي: قبل أن أجيب عن السؤال، أود أن أشيد بهذه المنتديات التي تنظمها مجموعة ماروك سوار، وأعتقد بأنها تساهم كثيرا في الحوار والنقاش بين مختلف التيارات، حول مسيرة المغرب في الحداثة، الأمر الذي يهمنا في حزبي الأصالة والمعاصرة، والتجمع الوطني للأحرار، على السواء.
وإذا سمح لي السيد المنصوري، سأجيب على السؤال بالتأكيد على أن المبادرة، التي اتخذها حزب الأصالة والمعاصرة، تشكل خطوة طبيعية في مسار الدينامية التي أطلقناها، حينما قررت مجموعة من المواطنين، إحداث جمعية لطرح أسئلة، لكن أيضا لمحاولة إيجاد أجوبة جديدة للأسئلة المطروحة على بلادنا. وخلال المبادرة، صممنا العزم على الأخذ في الاعتبار أهمية الالتزام بالعمل السياسي، إلى جانب الأشكال الأخرى للالتزام، وعلى رأسها ترسيخ قيم المواطنة، في صيغتها الشمولية، والقيم الثقافية، والاجتماعية.
إننا نعتقد بأن الالتزام بالعمل السياسي ضروري، من منطلق أن أحد المشاكل الكبرى التي تعانيها بلادنا، في المرحلة الراهنة من تطورها، يتمثل في ضرورة تأهيل الجانب السياسي، من أجل مواكبة وتيرة الإصلاحات والتحولات الجارية على المستوى الوطني.
وكما تلاحظون، هناك إجماع في أوساط كل الفاعلين السياسيين على وجود نوع من التأخر، إذا ما قارنا أهمية الطاقات المتوفرة في البلاد على كل الأصعدة، والطاقات الكامنة في الحقل السياسي. ومن هنا نبع منطلقنا للمساهمة في تدارك هذا التأخر، من دون أن يعني ذلك أننا جئنا من أجل إحداث تغيير جذري في ما هو حاصل، وإنما للمساهمة، بأكبر قدر من الالتزام، وبمشاركة الآخرين، من أجل تأهيل الحقل السياسي، وبالتالي المنظومة الحزبية في البلاد.
ومن أهم أسباب المشاكل التي أدت إلى تأخر الفعل السياسي في البلاد، كما لاحظناه، البلقنة الكبرى للميدان السياسي. ومن هنا كانت قناعتنا في العمل من أجل بناء مجموعات قوية، تستجيب لأهداف موضوعية، علما بأن المغرب اختار منذ الاستقلال التعددية السياسية، ما مكن البلاد من تجاوز عواصف وأزمات خطيرة، كما مكنت من العمل بأقل قدر ممكن من الخسائر، لكن هذه التعددية نفسها شهدت أيضا انحرافات، تجلت في الإفراط في ممارستها، أي ظهور أحزاب كثيرة، ليست منسجمة مع الهدف الموضوعي للتعددية.
وكما تعلمون، انطلق عملنا في البداية من تجميع أحزاب صغيرة عدة، على المستوى البرلماني، في إطار مجموعة برلمانية واحدة، ضمن فريق الأصالة والمعاصرة، وأعقب هذا التجميع إدماج أحزاب صغيرة في الحزب الجديد، وهي المبادرة التي نعتبرها أفضل صيغة للمشروع الذي نؤمن به، أي الوحدة عوض التشتت، وبهذه الصيغة لم نعد الحزب رقم 34 في المغرب، وإنما في المرتبة 28 أو 29، بعد صيغة الإدماج.
وبالنسبة إلى التجمع الوطني للأحرار، وهذا هو سؤالكم، أشير إلى أن رئيس الحزب مصطفى المنصوري، كان حاضرا، بصفته رئيسا لمجلس النواب، في تشكيل الفريق البرلماني "الأصالة والمعاصرة". ورأينا أن من مصلحة البرلمان توفره على فريق من 30 عضوا تحت لواء واحد، وتعزز، بعد ذلك، بخلق مجموعة برلمانية كبيرة وقوية، من الأصالة والمعاصرة والتجمع الوطني للأحرار.
ـ مصطفى المنصوري: يسرني، من جهتي أيضا، أن أعبر عن سعادتي بمشاركتي في هذا الحوار. إن ما قاله حسن بنعدي يعتبر مهما جدا، إذ أن الإشكالية السياسية الكبرى، التي تشهدها بلادنا منذ أواخر القرن الماضي، عميقة. كثيرا ما سمعنا وقرأنا أن البلاد تحتاج إلى إعادة النظر في بنيتها السياسية، وإلى تأهيل مناهجها، سواء على المستوى الاقتصادي أو الاجتماعي. وفي المجال السياسي أحسسنا، بالفعل، أن البلاد لم تتمكن من بلورة مخطط هيكلي قادر على مواكبة التحول الديناميكي الشامل، الذي تسعى إليه.
لقد لاحظنا أن الحقل السياسي تراجع وتشتت، في السنوات الأخيرة، عوض أن يتطور، في إطار مجموعات، الأمر الذي يعتبر غير منسجم وغير واقعي مع ما نسعى إليه جميعا، أي سعينا إلى عقلنة العمل الوطني وترشيده، إن على الصعيد السياسي أو الاقتصادي أو الاجتماعي، وبالتالي، فإننا نفهم أن الدينامية التي عشناها على المستوى السياسي، هي نتاج انفجار الحقل السياسي، تماما كما حدث في الجارة إسبانيا، التي تشكلت فيها عشرات الأحزاب، بعد انهيار الفاشية الفرانكوية.
من هنا لاحظنا أيضا أن الحاجة أصبحت ضرورية، أكثر من أي وقت، لتحقيق تجمعات، على مستوى العائلات السياسية، إن صح التعبير، ووضع تصورات مشتركة. وفي هذا السياق، ظهر التقارب بين التجمع الوطني للأحرار وأصدقائنا في الأصالة والمعاصرة، وهو تقارب استوعب جيدا الرسائل، وانخرط من أجل تحقيقها، في اتجاه تأهيل طرح السؤال حول الانفجار الذي شهده العمل الحزبي، وبالتالي إعادة هيكلة الحقل السياسي، مع الأخذ في الاعتبار عدد من النقط التي نؤمن بها في تفكيرنا الفلسفي المشترك، من قبيل مسألة اللامركزية والجهوية، وهما نقطتان ضمن نقاط أخرى، شكلتا دعامات تقاربنا من قبل، في نطاق اللقاءات التي أجريناها أيام جمعية "حركة لكل الديموقراطيين"، ثم بعد ذلك، بعد إحداث "الأصالة والمعاصرة".
على الفور، انكببنا على ضرورة استغلال واستثمار الإمكانيات التي يتيحها، لا أقول تعاوننا، لكن تحالفنا، في اتجاه خلق كيان، تجتمع حوله عائلات سياسية قريبة من بعضها البعض. وكانت النقاشات التي أجريناه، منذ شتنبر الماضي، أثمرت في ما بعد، ووصلنا إلى قناعة راسخة، تتمثل في ضرورة إطلاق دينامية جديدة، عوض المكوث في وضع المتفرج على المشهد السياسي، الذي ينتظر منذ سنوات وسنوات، من دون أن تقدم أي جهة على مبادرة ما لتحريكه. فكان تشكيل فريق برلماني واحد، كخطوة، ستتلوها خطوات أخرى، وإشارة أولى للفاعلين السياسيين، من أجل إحداث تجمعات وعائلات، تستطيع أن تتحول إلى أقطاب، وهو أحد الأهداف الرئيسية التي نتطلع إليها.
لاحظنا، من خلال استعراض البرامج الانتخابية لمختلف الأحزاب السياسية، أننا لا نتوفر على 33 برنامجا، وليست لدينا خلافات جوهرية، يمكنها أن تفرق بيننا، بل توجد في العديد من البرامج أفكار إيديولوجية يمكنها أن تشكل محاور شراكات، تنمي مسلسل التحالفات، كما حصل منذ 1998، بعد تحالف الكتلة الديموقراطية، أو العائلة الحركية، بعد ذلك.
إن الهدف الرئيسي، كما قلت، هو خلق أقطاب قوية، قادرة، من خلال عملية التناوب، على اقترح برامج واضحة على الناخبين، ما يمكن من إضفاء الوضوح اللازم على المشهد السياسي. ونعتقد بأن عزوف المواطنين عن التصويت راجع أيضا إلى تعدد البرامج والمقترحات والتصورات، التي يجد الناخب صعوبة في تمييز بعضها عن بعض.
إذن، يتجلى الهدف الأول من تحالفنا، في خلق دينامية سياسية، وتدشين مرحلة جديدة في الفكر السياسي ببلادنا، وبالتالي، الخروج من دائرة الصراع الإيديولوجي التقليدي، والمرور إلى طور متجدد، من خلال خلق أقطاب واضحة، من شأنها دعم العمل الحكومي، ذلك أن الحكومة في حاجة إلى أغلبية قوية ومتماسكة ومنسجمة.
* قبل أن ننتقل إلى الحديث عن مسألة الأقطاب، يتعين أن نستعرض، أولا، بعض ملامح المشهد السياسي الوطني، ما هي، في نظركم، التفاعلات التي خلقها هذا التحالف في صفوف مناضلي التجمع الوطني للأحرار، وما هي علاقة الأصالة والمعاصرة مع "حركة لكل الديموقراطيين"؟ ثم ما هي ردود فعل الأحزاب الأخرى؟
ـ مصطفى المنصوري: عشنا، في التجمع الوطني للأحرار، مراحل تاريخية، عززنا فيها المبادئ الديموقراطية داخل الحزب. ولعلكم لاحظتم أن التجمع كان من الأحزاب التي حرصت على المبدأ الديموقراطي في الانتخابات، على صعيد كل المستويات، من دون أن نبقى منغلقين على ما يجري من تحولات من مرحلة إلى أخرى. وبهذا الصدد، أجرينا تعديلات عدة في القوانين، وحاليا، نعمل على تطوير الهياكل والفروع، من خلال إضفاء النجاعة والشفافية على العمل.
وأود أن أشير، كي أجيب على السؤال، إلى أن المكتب السياسي كان على علم، باستمرار، بمبادرة التحالف مع الأصالة والمعاصرة. وكانت المسألة محط نقاش، ومن الأكيد أن المكتب صوت بالإجماع، باستثناء صوتين أو ثلاثة، على مشروع إحداث فريق برلماني موحد،من دون الرجوع، في ذلك، إلى المؤتمر، باعتبار أن القانون لا ينص على ذلك. وإذا كان الأمر يتعلق بالاندماج، فإنه يتطلب، بالفعل، الرجوع إلى الهيكل الأساسي للحزب، أي إلى المؤتمر، الذي يتوفر وحده على صلاحية البت في مثل هذا القرار.
ـ حسن بنعدي: هناك مظهران لسؤالكم، الأول سياسي والثاني قانوني. وكي تفهموا جيدا ما حصل، خصوصا بالنسبة إلى الحزب الوطني الديموقراطي، أشير إلى أن القانون الانتخابي واضح، في ما يخص الاتحاد والاندماج بين الأحزاب، وأيضا في ما يخص الحل. وفي حالة الحزب الوطني الديموقراطي، يجب أن نفهم أن المكتب السياسي هو الذي يقرر في مثل هذا القرار، وهو ما عبر عنه بالفعل.
وأعتقد بأن الطابع السياسي لعملية الاندماج مسألة في غاية الأهمية، إذ جرى التعبير عنه بشكل حر لا لبس فيه، خصوصا أن الأصالة والمعاصرة تعامل مع هيئات وليس مع أفراد. وأود أن أشير إلى إحدى الخلاصات، التي استنتجناها، في إطار "حركة لكل الديموقراطيين"، وهي أن 2 في المائة من المغاربة، عبروا عن رغبتهم في الانخراط في هيئة سياسية جديدة. كما استنتجنا أن التعددية في المغرب، رغم ما قيل عنها، لعبت دورا كبيرا في تطوير الحياة السياسية.
وأريد أن ألفت الانتباه إلى الكثير من الأمور التي تنشر في الصحافة، خطأ، من قبيل تحالف العنصر مع الهمة، والقرارات التي يتخذها هذا الأخير وحده، وغير ذلك. إن فؤاد عالي الهمة يعتبر قيمة مضافة كبيرة للمشهد السياسي الوطني، وكان محط تقدير كبير، في ما يخص التحولات الكبرى التي يشهدها المغرب حاليا.
* لاحظنا أن الأصالة والمعاصرة يشهد وتيرة سريعة في تطوره، والسؤال يتعلق بمستقبل التحالف مع التجمع الوطني، وربما مع أحزاب أخرى، في علاقة مع مستقبل الأغلبية الحكومية الحالية؟
ـ مصطفى المنصوري: لكل هيئة سياسية رؤيتها وتصورها تجاه الأشياء. ولكل حزب استراتيجيته، وبالتالي ليس من الطبيعي أن يسير مسلسل التحالفات في الاتجاه المعاكس. كما يجب ألا ننسى أن مسألة التحالفات تترتب عنها وقائع.
وكما هو الشأن بالنسبة إلى البلدان المتقدمة ديموقراطيا، هناك إرادة ورغبة في الوصول إلى مشهد سياسي، مطبوع بثلاثة أقطاب: يسار ويمين ووسط،. وأعتقد أن هناك اتجاها متناغما يدمج برامج أحزاب اليسار واليمين نحو الوسط. إنها فكرتنا وقناعتنا، رغم أن الكل ليس متفقا في هذه النقطة.
* أثار إعلان الأمين العام للحزب الوطني الديموقراطي، عبد الله القادري، الانسحاب من الأصالة والعاصرة جدلا وتساؤلات حول طبيعة تشكيل هذا التجمع، ومدى قدرته على الصمود والاستمرار.
- حسن بنعدي: منعنا التفاوض المباشر مع الأشخاص بشكل فردي، مؤكدين على ضرورة النقاش مع الهيآت السياسية، وعندما كان عضو يأتي من أجل الالتحاق بنا، كنا نشدد على وجوب اللجوء إلى هيئات هذا الحزب، وهي قاعدة احترمناها بدقة في البداية، وسنعود لنستعرض لماذا وقع تغييرها في لحظة ما.
إن العامل السياسي أساسي، وفي حالة الحزب الوطني الديموقراطي، فهو عبر عن هذه الإرادة بكل حرية، عندما كنا جميعا، كبعثة من الأمناء العامين للأحزاب الخمسة التي انصهرت في الأصالة والمعاصرة، كان عبد الله القادري حاضرا، وحضر أيضا عند وزير الداخلية، عند إبلاغه بقرار الانصهار لتشكيل هيئة جديدة.
لماذا اخترنا هذا التوجه؟ إن هذا السؤال مهم، فنحن، في حركة لكل الديموقراطيين، كان لنا في البداية نقاش عميق، تطلب وقتا طويلا، كنا نقول إنه إذا كان 80 في المائة من المغاربة غير متحمسين، ولم يعودوا بتاتا مهتمين بالحياة السياسية، ولا بالانخراط في الأحزاب، ولن أذكر هنا الرقم الذي صدر في التقرير حول التنمية البشرية، والذي يعتبر رقما فظيعا، فالتقرير، الذي اشرف على إنجازه السيد عبد العزيز مزيان بلفقيه، كشف عن أن نسبة 2 في المائة فقط من المغاربة أكدوا اهتمامهم بحزب سياسي. وكان هناك أعضاء من الأصالة والمعاصرة يسائلوننا عن فحوى التحالف مع أشخاص مستَهلكين، وأفلسوا سياسيا تجاه المواطنين، مؤكدين على خلق هيئة سياسية جديدة مع قوى جديدة، حتى نكون في إطار متناسق، وقلنا، نحن البعض، لا، مشددين على أننا نرفض القطيعة، ففي الحقل السياسي هناك استمرارية، وهذه التعددية، وهذه الأحزاب السياسية كلها لعبت أدوارا مهمة بالنسبة إلى بلدنا، ولهذا لا يمكن الرمي بالرضيع مع ماء الحمام كما يقال، وقلنا سنبني على هذا الأساس.
كانت لنا، في حركة لكل الديموقراطيين، نقاشات ومباحثات طويلة النفس منذ البداية، وما جاء على أعمدة الصحف حول فؤاد عالي الهمة، كانت لنا بخصوصه نقاشات طويلة جدا. إن هذه الهيئة تتكون من أشخاص يتقلدون مناصب مهمة في مقاولات كبرى، ومن آخرين لهم مناصب سياسية كذلك، وهؤلاء الأشخاص لم يلتحقوا بهذه الحركة هكذا، لأن المهم هو أن ندرك أن المغرب تغير، وأن المواطنين أحرار ومستقلون، وفؤاد عالي الهمة يمكنه تقديم الكثير في هذا السياق، فهو يمثل قيمة مضافة للحقل السياسي، باعتباره كان في صلب كل التحولات التي عرفها المغرب الجديد، وفي هذا الإطار التقيناه.
وأؤكد أنه ليست هناك مشاكل بين حركة لكل الديموقراطيين وحزب الأصالة والمعاصرة.
* هل يمكن أن يؤدي التقارب، في أفق الاندماج، بين حزبي التجمع الوطني للأحرار والأصالة والمعاصرة إلى تسريع وتيرة التقاطب السياسي، من خلال تحفيز قوى أخرى على تجميع صفوفها؟
- مصطفى المنصوري: كما تعلمون، لكل حزب استراتيجيته ورؤيته الخاصة به، ومن هذا المنطلق، لا يمكننا اقتراح تجمع ضد توجه أي حزب، ويجب ألا ننسى بأنه كانت هناك محاولات للتجمع، هناك الكتلة، وهناك الوفاق، فهناك رصيد تاريخي على هذا المستوى، والانفتاح والدينامية، التي يعرفها المغرب حاليا، تعتبر أكثر تطورا من السابق، اليوم، يمكن أن نتصور قطبا في اليسار، وآخر في اليمين وثالثا في الوسط، وهذا ما يحدث في الدول المتقدمة ديموقراطيا، وهذا لا يمنع من التفكير في هذا الاتجاه، علما أنه، منذ سقوط جدار برلين، جرى تقاطع العديد من البرامج، فهناك، بالتأكيد تقاطع على مستوى برامج الوسط واليمين نحو الوسط، وهذا اعتقادنا، ولكن، عندما عشنا تجارب من قبيل تجربة المغرب خلال السنوات الماضية، خلال فترة انتقالية بطبيعة الحال، لاحظنا إمكانية حدوث تناقض على صعيد عدد من الحساسيات السياسية، وأنا لاحظت هذا منذ أن كنت في الحكومة، أي منذ 1998.
صحيح، أنه خلال هذه الفترة وضعنا كأسبقية هذه القناعة الديموقراطية، والآن، هناك نقاش حول نجاح الانتقال الديموقراطي، أو أن هذا النجاح هو في الطريق، نظن أنه يمكننا المرور إلى مرحلة أكثر تقدما. فعندما نتحدث عن التقاطب، نعلم أننا نتحرك في وقت غير محدد، لأن التقاطب لا يمكن أن يكون مسألة يوم أو يومين، باعتبار أن خلق أقطاب هو مسلسل تاريخي، يمكن أن يتطلب سنوات طويلة، والمراحل الانتقالية تكون، عادة، جد صعبة في هذا الإطار، ولا يمكن أن يكون الانتقال من دون مشاكل تذكر.
الآن، إذا أردنا الانتقال إلى تقاطب حساسيات سياسية متقاربة، من الواضح أن الحركة من أجل كل الديموقراطيين كانت نداء قويا في هذا الاتجاه، والتجمع الوطني للأحرار كان مستجيبا لهذا النداء، كونه يدرك أن المشهد السياسي المتناثر لا يمكنه أن يؤدي إلى تكريس ديموقراطية حقيقية، مبنية على التناوب الواجب إقراره.
قلنا بما أن لنا رصيدا كبيرا، وهو أن أشخاصا، من قبيل نجيب الوزاني، وأشخاصا كانوا من الحزب الوطني الديموقراطي، وأقول الأغلبية من هؤلاء هم أشخاص من عائلة التجمع الوطني للأحرار. هذا ما أعتبره رجوعا إلى الأصل، وكل مكونات حزب الأصالة والمعاصرة تجسد تدعيما لهذا المسلسل، من أجل بلوغه مراحل متقدمة، ولهذا نؤمن بأن هذا التوجه نحو التقاطب يعتبر أساسيا لبلادنا.
إن قناعتنا، حاليا، هي تدعيم الأغلبية، لأنه ستكون لنا فرق برلمانية مقلصة عدديا، ولكنها قوية ومتناسقة. وفي حالة حزبي الأصالة والمعاصرة والتجمع الوطني للأحرار، كان هناك فريقان مختلفان، يشتغلان في استقلالية تامة داخل مجموعتنا، ولم يكن هناك تنسيق يمكنه أن يعطي دعما أكبر للأغلبية، وقلنا عند إنشاء هذا الفريق إن أول أولوياتنا وانشغالنا هو عدم تغيير التوازنات الحالية، بل دعمها، ولكن سنضع أسس توجهنا نحو قناعتنا الجماعية بخصوص هذا التحالف، تدريجيا تفاديا للقطيعة مع التوازن الحالي. نظن أننا نقوي الأغلبية الحالية، وفي جميع الحالات، هناك عدة تساؤلات حول تغيير التوازنات داخل البرلمان، نحن ومنذ البداية نقول إن الوزير الأول يكون من الحزب الذي يحصل على أغلبية صناديق الاقتراع خلال الانتخابات، وحتى إذا كان هناك تغيير، فإن الأحزاب السياسية لن تكون هي التي ستنجز هذا التغيير أو تقرره، وخاصة بالنسبة للوزير الأول، فصاحب الجلالة هو الذي يقرر بهذا الشأن. ولهذا أؤكد، مرة أخرى، أننا من أجل دعم الأغلبية.
* بتجميعه لأحزاب صغيرة من اليمين، هل يمكن القول إن حزب الأصالة والمعاصرة يمكنه أن يحفز اليسار، ويسرع من وتيرة المحاولات الرامية إلى تشكيل قطب آخر أمام قطب ليبرالي، ربما بدأت ملامحه تتشكل؟
- حسن بنعدي: كما قلت سابقا، فإن التعددية الفاعلة هي التي تعكس الواقع الموضوعي، وعندما تكون التعددية غير ذلك فهي تشكل فرملة، وعلى المستوى النظري أدعو رجال الإعلام إلى الانتباه أكثر لما ينجزه الفاعلون السياسيون أكثر مما يقولونه، لأنه في مرحلة انتقالية هناك أيضا نماذج، وفي الحياة السياسية الوطنية هناك نماذج، وهذا في العالم بأسره، ولكن عندنا، وفي محيطنا، يبدو هذا الأمر أكثر حضورا، فالمغرب المستقل اختار التعددية، وكان هناك نقاش حول شرعية المؤسسات، وبعد فترة من ذلك، وفي عهد عبد الرحمان اليوسفي، حدث ذلك الانتقال، وبعد ذلك جاءت مرحلة أخرى، نادى بها المغرب عاليا، خاصة بعد صدور تقرير الخمسينية، ويتعلق الأمر بالممارسة الطبيعية للديموقراطية، وهذه الممارسة تدعو إلى انخراط الأشخاص في الأحزاب التي يميلون إليها.
وما يمكن أن يقال هنا هو أن فريقنا، الذي يعتبر الفريق الأول في البرلمان، أعلن مباشرة بعد تكوينه، خلال ندوة صحافية، أنه تشكل لهدفين، يتعلق الأمر، أولا، بتحسين أداء المؤسسة البرلمانية، وتدعيم الأغلبية الحكومية، لأن مجموعة الأصالة والمعاصرة كانت بجانب الأغلبية الحكومية، والتجمع الوطني للأحرار يتحمل المسؤولية وسط التشكيلة الحكومية مع عباس الفاسي. وهذان الفريقان، باعتبارهما أصبحا منسجمين، سيسهلان كثيرا العمل داخل الأغلبية، وأظن أن الدينامية الإيجابية ستساعد زملاءنا الأكثر مسؤولية داخل الاتحاد الاشتراكي، للتوجه في طريق الحل البناء والأكثر إيجابية لصالح هذا البلد. وكل هذا نقوم به لأننا في عالم يوجد وسط عاصفة انطلقت السنة الماضية مع ارتفاع أسعار البترول، والمواد الغذائية، والمواد الأولية، وهي أمور ستتطور أكثر، وستكون أمامنا بذلك تحديات أكبر، وسنكون بحاجة إلى حكومة قوية، ودعم قوي لها، من أجل اتخاذ الإجراءات اللازمة.
* ماذا عن اسم فريقكم، بما أن هناك أسماء تروج بالنسبة لهذا الفريق، ويتعلق الأمر بفريق التجمع الوطني للأصالة والمعاصرة، وفريق الأصالة والمعاصرة، وماذا عن بنيته؟
- مصطفى المنصوري: أريد أن أذكر أن الفريق، الذي تكون هو فريق كان موجودا من قبل، وهو فريق يساند الأغلبية الحكومية، إذن، لاشيء تغير في العمق، لا فريق الأصالة والمعاصرة ولا فريق التجمع الوطني للأحرار، فهما من بين المكونات الأساسية في الأغلبية الحكومية، ولكن الفرق هو أنه كان لنا ممثلون رسميون في الحكومة وزملاؤنا في الأصالة والمعاصرة لم يكن لهم ذلك، حتى في حالة أحمد اخشيشن (وزير التربية الوطنية والتعليم العالي وتكوين الأطر والبحث العلمي)، الذي كان رئيسا لحركة لكل الديموقراطيين، وهو أيضا وزير في حكومة عباس الفاسي، ومع ذلك، كان الأصالة والمعاصرة دائما مع الأغلبية، والآن، كونا فريقا واحدا بين التجمع و الأصالة والمعاصرة، وهذا الحدث أعطيت له اهتمامات كثيرة، لأن هناك قراءات متعددة له، إما قراءة سياسية أو قراء أخرى، ونحن، عندما قمنا بذلك، أكدنا على أن يكون هناك نقاش وتنسيق بين الفريقين، لتشكيل أغلبية متناغمة أكثر، لتسهيل العمل التشريعي، ليس داخل البرلمان فقط، ولكن أيضا مع الحكومة، التي نساندها، وبذلك نحن في الأغلبية، وسنبقى دائما في هذه الأغلبية، إذ أننا لاحظنا في السنة الماضية أنه كان هناك تذبذب، على اعتبار أن أحزابا كانت تعاني مشاكل داخلية، وهو ما انعكس على العمل داخل قبة البرلمان، إذن توجهنا يبقى توجها برلمانيا محضا، ويقوي التنسيق داخل الأغلبية، التي ننتمي إليها.
وكل ما يقال عن أن لنا طموحات أخرى، من بينها تنحية الوزير الأول، يعتبر مجرد مضاربات، لا أقل ولا أكثر.
* لكن هناك تخوفات؟
- مصطفى المنصوري: بالفعل، هناك تخوفات، وهذا أمر عادي، فحزب الاستقلال، الذي كان له الفريق الأول، سيصبح هو الثاني من حيث الترتيب، ولكن نحن نقول جهرا (التجمع والأصالة والمعاصرة)، نحن أتينا لتقوية العمل البرلماني، ولدعم الحكومة، وهناك أهداف سياسية أيضا، من بينها إعادة هيكلة الحقل السياسي كذلك، وخلق أقطاب متجانسة، يمكنها صياغة العمل الحكومي، وإعطاء وضوح أكثر للمواطن المغربي بخصوص المشهد السياسي، وهنا يمكن القول إنه إذا طرحنا سؤالا على أي مواطن بخصوص جميع أسماء الأحزاب فلن يستطيع ذلك، وبذلك، فإنه عندما يتوفر الوضوح يكون العمل أسهل، وهذه هي غايتنا.
وفي ما يتعلق بالبرلمان، أقول إن الأمور تجري بشفافية كبيرة بيننا وبين إخواننا في حزب الأصالة والمعاصرة، فقد اتفقنا على عدة أمور، واليوم (الخميس الماضي)، لنا اجتماع المكتب التنفيذي للتجمع الوطني للأحرار، وهناك اجتماع المكتب السياسي للأصالة والمعاصرة، واجتماع الفريقين، لتأسيس فريق موحد داخل مجلس المستشارين ومجلس النواب. واسم هذا الفريق شيء ثانوي، وأنا، كرئيس حزب، أرى أن هناك تشبثا بأسماء ورموز، حتى في الأصالة والمعاصرة، واقترحت اسما آخر جديدا، ففي الديموقراطيات، خاصة في فرنسا، كل سنة يتغير اسم الحزب، واسم الفريق، فإرادة التجديد غيرت فرنسا، ونحن مدعوون للتخلي عن الذاتية، فالعالم لا يرحم، كل طرف يدافع عن بلده، وعن تجمعه، ونحن ما زلنا نتخبط لا داخليا ولا جهويا. نرى، مثلا، أن الحدود مع الجزائر ما زالت مغلقة منذ 30 سنة، وهذا ليس موجودا في أي بلد، فحتى الحدود بين إسرائيل وفلسطين مفتوحة، والتبادل التجاري بين بلدان المغرب العربي غير موجود، رغم الإمكانيات المتاحة، لأن الجزائر تتشبث بالماضي، ولهذا، ومع الأسف، لا ننظر إلى المستقبل، ومن ثمة لابد أن تكون هناك إصلاحات كبيرة.
* من شأن هذه الخطوة أن تخلق مخاوف لدى الوزير الأول وحزب الاستقلال بشأن مستقبل الأغلبية الحكومية؟
- حسن بنعدي: بالنسبة لنا، في لأصالة والمعاصرة، توجهنا عند عباس الفاسي لإخباره بما جرى، وبالفعل اطمأن، لأن الأغلبية التي يعتمد عليها سوف تتنظم أكثر، وستصبح له قوة أكبر لمواجهة المشاكل، وبالنسبة لنا، في الأصالة والمعاصرة، قلنا في البداية إننا لا نريد لا منصبا جديدا، ولا تعديلا حكوميا، ونحن لن نتغلب على التحديات المقبلة إلا بطبقة سياسية تشتغل مع الرأي العام، ومع شركائنا في الخارج، ومع الفاعلين الاقتصاديين.
* إن مجمل النقاش الجاري منذ أزيد من سنة، أي منذ خروج فؤاد عالي الهمة، بوضعه الاعتباري المعروف، من وزارة الداخلية وانصرافه إلى العمل السياسي، يدور حول مسألة جوهرية، هي طبيعة الوافد الجديد إلى الحقل السياسي، وأهدافه وحساباته. يتعلق الأمر، إذن، بمصداقية حزب الأصالة والمعاصرة، والأشخاص والرموز المكونة له، ومنهم من انقطع عن العمل السياسي منذ فترة طويلة، إلى أن ظهر السيد عالي الهمة. هكذا يتخوف المنتقدون، وحتى الملاحظون الحياديون، من تكرار تجربة ما عرف بـ"الحزب الإداري"، بصيغة جديدة، أو معاصرة.
* وفضلا عن أجواء عدم الثقة وعدم الاستقرار في الساحة السياسية، غذت بعض الممارسات التوجسات والتساؤلات، فنحن، كصحافيين، نتكلم عن الشفافية والمكاشفة، لكن من دون أن نتوفر على معطيات، في الوقت الذي نحتاج فعليا إلى معلومات دقيقة، لأنه كلما غابت المعلومة أو غيبت، كلما فتح الباب أمام عدد من التأويلا ت، ولم يعد بالإمكان محاسبة المعني بالمعلومة طالما أنه لم يدل بها.
- حسن بنعدي: أنا أمنع نفسي دائما من إصدار أحكام. ما وقع هو أن ما حصل ناتج عن صيرورة دامت سنة، وليس يوما واحدا أو 48 ساعة، كما، ادعى عبد الله القادري. كنا في فترة انتقالية، وحين قرر حزب القادري الاندماج كان يجب أن يحصل حل الحزب الوطني الديموقراطي، وهم يعرفون كيفية تدبير هذا الحل، لأن لهم جريدة، ومقرا، وموظفين، وبالتالي فهم في حاجة إلى مرحلة تدبير من ثلاثة إلى أربعة أشهر، فقانونيا، هم في حاجة إلى من يسير هذه المرحلة الانتقالية، وبالتالي، فإن من صرح بأنه لم يكن هناك مؤتمر اندماج ، هم ممن خافوا على مصالحهم داخل حزب القادري، بينما من حضر إلى هذا المؤتمر هو اليوم يشرح ويتحدث للصحافة عما وقع.
إذن الصيرورة وقعت خلال عام، وبدأ الاشتغال بالفعل، ويمكنني القول إنه كان آخر الملتحقين بهذه الدينامية.
في ما يتعلق بادعائكم أننا نعمل بغموض، أقول إن التاريخ يسير بسرعة، والمغرب ماض بهذه الوتيرة في واجهات متعددة، إلا في المجال السياسي الذي فيه ركود. هناك من يقول إننا دخلنا الانتقال الديموقراطي، إذن يجب أن يظل هذا الانتقال مستمرا، فلما جاءت انتخابات 7 شتنبر، صرح أحد الزعماء السياسيين أنه ليس للملك أن يتعامل مع حزبه على أساس نتائج هذه الانتخابات، بل حسب الوزن السياسي لذلك الحزب. وهناك من رأى أن على الملك أن يجدد التعاقد مع القوى السياسية، بينما البلاد دخلت في منطق آخر، هو أن سنتين من قبل جرى الإعلان عن إرادتنا في ديموقراطية طبيعية، وهذا يعني الاحتكام إلى رأي المواطنين عبر صناديق الاقتراع، وحتى إذا لم يحضروا إلى هذه الصناديق، نقولها بصراحة، ومن دون خجل. إن نسبة 80 في المائة لم يصوتوا في انتخابات 7 شتنبر 2007، ووزارة الداخلية سهرت على العملية. طبعا، قد تكون هناك تجاوزات، لكن هناك، أيضا، قوانين، وجرت عدة متابعات لهذه التجاوزات. ولكن الدولة، كدولة، التزمت بهذا الموقف، وقالت للفاعلين السياسيين ها هي قواعد اللعبة، فلتتحركوا، لكن لم يتحرك أحد.
بخصوص المصداقية، أنا، شخصيا، تكونت عندي قناعة، في وقت ما، بأنني لا أجد نفسي في ما هو موجود في الساحة، وأبحث عن شيء يليق بالظرفية، وكتبت هذا من قبل في صحيفة "لا في إيكونوميك"، سنة 1998، حين قلت، بكل وضوح، إن اللعبة السياسية أصبحت بالية، وإنه يجب التغيير، لأن العالم يتغير. اليوم، في المغرب الجديد، هناك جماعة تعمل بمنهجية جديدة، وكلما دعاني مغربي لتقديم أفكار جديدة لا أتأخر مثل ما جرى يوم استدعاني عبد العزيز مزيان بلفقيه، ويوم آخر يدعوني فؤاد عالي الهمة للمساهمة مع لجنة عاجلة في موضوع معين. إذن، نحن نلتقي اليوم مع ناس يشتغلون بمنطق جديد، يؤمنون بأن لكل مغربي مكانته. لما أنجزنا تقرير الإنصاف والمصالحة، قلنا بالتصالح مع الماضي، للوصول إلى مغرب لا يوجد فيه فريقان متعارضان، لأنه، لمدة 30 سنة، ونحن نعيش انفصاما في الشخصية، كان هناك خطاب نصف المغاربة يقول إن كل شيء "زفت"، والنصف الآخر يقول إن كل شيء على ما يرام. وهذا الانفصام خرجنا منه بهذا التقرير. وحتى في مجال الصحافة، نجد الانفصام نفسه، هناك جرائد تنتقد، وأخرى تمجد، والحداثة هي أن يكون لكل واحد رأيه، وهذا ما يبرر التناوب على الحكم، فحين أقدم وجهة نظري للمواطنين ويقتنعون بها، فهم يجربونني، وبعد سنوات يقولون لا، وأذهب لحال سبيلي. ورغم ذلك، تتراكم التجارب الإيجابية لكي يتقدم البلد، لكن، حين نخرج من اللعبة المحددة سلفا، تصبح المفاجأة شيئا طبيعيا.
ما فتئ جلالة الملك يوجه خطابا واضحا إلى الطبقة السياسية في المغرب، وهذا الخطاب يقول: كونوا رجال ونوضوا تخدموا.
إن جلالة الملك يدعونا إلى تحمل مسؤوليتنا في إطار القوانين، وهذا ما نقوم به اليوم، وعلى الصحافة، هي أيضا، أن تتحمل مسؤوليتها، كما لها الحرية، وحريتها ليست هي وحدها مؤتمنة عليها، بل المغرب كله.
* ولماذا لم تتوجهوا، في حركة لكل الديموقراطيين، إلى القوى السياسية التي حملت شعار قيم الحداثة والتقدم، والديموقراطية، وناضلت من أجلها، أي اليسار، أو حتى الكتلة الديموقراطية، وفضلتم التركيز على أحزاب لم يكن لها إشعاع على هذا المستوى؟ هل لأن الاتحاد الاشتراكي، مثلا، "صعب على الهضم"؟
- حسن بنعدي: لقد فتحنا نقاشات مع جميع القوى السياسية الرئيسية، فمثلا في الاتحاد الاشتراكي، كانوا حاضرين معنا في البداية، وقالوا لنا: أعطونا بعض الوقت، لأننا نعيش مخاضا داخل الحزب، ونريد معرفة كيف ستتطور الأمور. وبالنسبة لحزب الاستقلال، كان هناك اجتماع أيضا، وقدمنا لهم العرض، وما زلنا نقول، كحركة لكل الديموقراطيين، إننا سنعمل مع كل واحد على حدة في مسار استراتيجي، وقد يخرج من هذه الدينامية هيآت أو تكتلات سياسية أخرى.
وما أريد التركيز عليه في ختام هذا الحوار، هو ضرورة أن يدرك الجميع طبيعة المرحلة، والضرورة الملحة لإحداث نقلة نوعية في الحقل الحزبي والعمل السياسي بالمغرب. لقد كانت التعددية، وما زالت، مكسبا مهما للمغاربة وللمغرب، ونحن الآن مطالبون بعقلنة هذه التعدية وتفعيلها. إننا، في جمعية "حركة لكل الديموقراطيين"، كما في حزب الأصالة والمعاصرة، نعمل من هذا المنطلق، ونسعى للعمل مع الجميع، لما فيه مصلحة جميع المغاربة.
- مصطفى المنصوري: شخصيا، كل هذه الحركية التي تحدثتم عنها تفرحني. قبل عدة سنوات، كان هناك مجتمع مغلوط، لا يتجرأ أحد في الحديث عنه. وسواء تعلق الأمر بانقلابات أو تمرد، كل شيء كان متسترا عليه، حتى من قبل الإعلام، وكان يخيل لنا أننا نعيش في مجتمع مثالي، من دون مشاكل . اليوم، ولأننا نعيش هذه الدينامية، أصبح التعبير شيئا محميا، ومشروعا. صحيح أنه، حين نتعمق في هذا المجتمع، نجد بصمة مسيرتنا في اتجاه الديموقراطية، لكن المشكل هو أنه لا ينبغي أن ننسى أن كل هذا ليس بالجديد. فهل مستوى التمدرس في الستينيات كان أكبر من اليوم؟ والصحة؟ والبنيات التحتية؟ اليوم، نجد أن أحد رهانات الحكومة هو الاستجابة، وبسرعة، لمشاكل السكان. وحين نراكم تأخرات على كل المستويات، في مجال الصحة، والتعليم، والبنيات التحتية، فإننا نؤدي اليوم ثمن هذا التأخير. فلمدة 50 سنة مارسنا، هنا في المغرب، سياسة أمنية أكثر صرامة، واليوم، ها هي قنبلة تنفجر في وجهنا، وعلينا العمل على احتوائها.
فالحكومة حين تقدم تحليلا موضوعيا للواقع، تسعى إلى بلورة الحلول، وتطبيق إصلاحات. والإصلاحات لا تعطي ثمارها إلا على الأمد الطويل، فمثلا، سياسة بناء الطرق السيارة، لا يمكن بمجرد بنائها أن نشهد قدوم التنمية بعصا سحرية، إنها شبكة بأكملها يجب بناؤها، ولكن يجب أيضا أن تتوفر إرادة للسير قدما لغزو أسواق خارجية، أو شركاء أجانب، وكل هذا لا تتأتى نتائجه بسرعة فائقة.
عندما كنت في وزارة التشغيل، عشت بالفعل مأساة حاملي الشهادات المعطلين، إنه حقا أمر محبط أن نرى حاملي شهادات ينظمون وقفات احتجاجية أمام البرلمان، وعندما كنت في وزارة التشغيل، استقبلت حالات اجتماعية مؤلمة فعلا، لخريجين يقولون إن أسرهم الفقيرة باعت ما كانت تملكه من أجل تعليمهم.
وهنا يطرح التساؤل حول ما أسميه خاصية مغربية، فالمغرب هو البلد الوحيد في العالم حيث يتمسك عدد كبير من الخريجين بالعمل في الوظيفة العمومية فقط. فعلا، قد لا تتوفر دائما شروط مناسبة ومثالية للعمل في القطاع الحر، لكن لا بد أن يفهم الجميع بأن الدولة، إذا كانت ملزمة بتوفير التعليم والتكوين، فهي لا تستطيع الاستجابة لانتظارات الجميع، ودفعة واحدة.