قبل خمسين سنة خلت , وفي مثل شهر أكتوبر هذا , انضم المغرب إلى جامعة الدول العربية, وأصبح عضوا كامل العضوية بها, منخرطا بفعالية في مسلسل بناء وتشييد الوحدة العربية, وتحقيق رفعة الدول والشعوب العربية ونصرة قضاياها العادلة.
وأتى هذا الإنضمام, الذي جرى في فاتح أكتوبر1958 , ليجسد الإلتزام الراسخ للمملكة بالدفاع عن القضايا العربية على الصعيد الدولي والإقليمي وفي المحافل والمنتديات الدولية.
لقد انصبت جهود المملكة, تحت قيادة جلالة المغفور له الملك محمد الخامس, ورفيقه في الكفاح, جلالة المغفور له الملك الحسن الثاني, ولي العهد آنذاك, على ترسيخ الوحدة العربية, وعلى تحقيق استقلال الجزائر التي كانت ما تزال تحت الإحتلال في منطقة المغرب العربي, وكذا على إعادة بناء صرح العالم العربي وتكريس اندماجه في العالم المعاصر.
وبفعل كفاح بطولي, تمكنت العديد من البلدان, ومن بينها المغرب, من الحصول على استقلالها, وشكلت الجامعة العربية بالنسبة للمملكة فضاءا طبيعيا وتاريخيا لإسماع صوتها والدفاع عن قضاياها.
ولم تفتأ المملكة تكثف من المبادرات والجهود, بالإرادة والتبصر اللازمين, من أجل رص صفوف الأمة العربية, ومواجهة التحديات التي كانت مطروحة في مجال التنمية, والتأكيد مجددا على المواقف الثابتة للمملكة تجاه القضايا العربية المحقة.
ومن منطلق التزامه الراسخ بخدمة هذه القضايا, احتضن المغرب العديد من القمم العربية التي شكلت دعائم ثابتة ومراحل حاسمة في مسار تطوير وتدعيم العمل العربي المشترك.
وفي هذا السياق, ظل الشعب الفلسطيني يستحضر وقائع القمة العربية, التي انعقدت بالرباط في سنة1974 والتي أقرت اعتبار منظمة التحرير الفلسطينية ممثلا شرعيا ووحيدا للشعب الفلسطيني, والتزام كافة الدول العربية بالحفاظ على الوحدة الوطنية الفلسطينية.
وقبل ذلك بتسع سنوات (شتنبر1965 ), انخرطت الدول العربية في ميثاق تضامني أطلق عليه (ميثاق الدار البيضاء). وبعد أربعة أعوام (دجنبر1969 ), احتضنت عاصمة المملكة قمة إسلامية, خصصت كامل أشغالها للقضة الفلسطينية وكفاح الشعب الفلسطيني بقيادة منظمة التحرير الفلسطينية, بعد إحراق المسجد الأقصى.
وتكرست خلال السنوات التي تلت هذه المحطات التاريخية صورة المغرب كحاضن مميز للقاءات سياسية عربية كبرى, ناقشت قضايا حاسمة ومصيرية بالنسبة للعالم العربي, وترسخت ميزة المغرب, تحت قيادة جلالة المغفور له الملك الحسن الثاني, كبلد يضطلع بدور الوسيط الريادي من أجل تسوية النزاعات والخلافات العربية العربية.
وتوجت أشغال قمة فاس, التي جرت على مرحلتين - الأولى في25 نونبر1981 والثانية ما بين سادس وتاسع شتنبر1982 - بإعداد خطة سلام أطلق عليها (خطة فاس), تلتها قمتا الدار البيضاء في1985 و1989 .
وخلال هذه القمة الأخيرة, رحب قادة الدول العربية بالإجماع بإعلان قيام الدولة الفلسطينية المستقلة.
وسواء انعقدت القمم العربية فوق أرضه أو في البلدان الشقيقة الأخرى, ظلت استراتيجية المغرب تغذيها نفس الروح القومية ويلهمها نفس الطموح في رفع راية الأمة العربية عالية بين الأمم.
إلى ذلك, أثارت المملكة منذ سنين عديدة إصلاح ميثاق الجامعة العربية لجعل العمل العربي المشترك يتلاءم أكثر مع التحديات الجديدة. بل كان المغرب من أوائل الدول التي دعت إلى إقرار هذا الإصلاح, يحذوه في ذلك هدف الإرتقاء بالعمل العربي إلى مستوى متطلبات المرحلة والتحولات التي جرت في العالم.
وهكذا, كان المغرب في صدارة الدول التي دعت إلى إصلاح المنظمة العربية سواء على صعيد بنياتها أو تدبيرها.
وكان جلالة المغفور له محمد الخامس, قد دعا منذ شتنبر1959 إلى إجراء مثل هذا الإصلاح في خطاب بمناسبة انعقاد الدورة الثانية والثلاثين لمجلس الجامعة العربية في الدار البيضاء.
وبعد ذلك, عبر عن الرغبة ذاتها جلالة المغفور له الملك الحسن الثاني. وبمناسبة انعقاد قمة عمان سنة2001 , أبدى صاحب الجلالة الملك محمد السادس مجددا هذه الرغبة في كلمة موجهة للمشاركين في القمة, إذ أعرب جلالته عن أمله في أن تشكل هذه القمة "منطلقا لعهد جديد في تعزيز عملنا العربي ومسيرتنا المشتركة".
وخلال القمة التي انعقدت في مارس2003 بشرم الشيخ (مصر) جدد جلالة الملك نداءه من أجل القيام بمراجعة عميقة لميثاق جامعة الدول العربية ومؤسساتها, مبرزا ضرورة الإنفتاح على الهيئات المنتخبة, والأحزاب السياسية, والنقابات, والمنظمات ا غير الحكومية, والقطاع الخاص.
وكما أشار إلى ذلك جلالة الملك , فإن " العمل العربي المشترك يحتاج الى المنهجية العقلانية التي لا توفرها الآليات الحالية. وهذا ما يتطلب مراجعة عميقة لميثاق جامعة الدول العربية ولموءسساتها. كما يتعين عدم الاقتصار على التعاون الحكومي بل الانفتاح على الموءسسات المنتخبة والأحزاب السياسية والنقابات المهنية والمنظمات غير الحكومية والقطاع الخاص وغيرها من الفاعلين دعما للعمل التكاملي الذي تقوم به بعض التجمعات الإقليمية العربية , وإقامة فضاء اقتصادي حر وموحد يكون عمادا لانبثاق سوق عربية مشتركة كما يطمح الى ذلك إعلان أكادير".
وخاطب جلالة الملك قادة الدول العربية الحاضرين في قمة شرم الشيخ قائلا " وإني لأناشدكم باسم الشعب المغربي الغيور على وحدة الأمة ومناعتها.. كفانا.. تمزقا وتفككا. فقد آن الأوان لرأب الصدع ولم الشمل وإنجاز الاندماج الاقتصادي الذي هو الأساس العصري المتين لكل تكتل جهوي دولي" وعبر جلالته عن الأمل نفسه خلال قمة تونس سنة2004 , حيث قال " فان مستجدات الواقع القومي والدولي ورفع تحديات التنمية الشاملة تجعلنا أكثر إلحاحا على وجوب تحديث أجهزة وءاليات العمل العربي المشترك إسوة بالتكتلات الجهوية المتطورة كالاتحاد الاوربي التي جعلت من الاندماج الاقتصادي المدخل الصحيح لتحقيق الوحدة والتكامل بين أعضائها." ويولي المغرب الذي يولي اهتماما خاصا للقضايا السياسية , يولي أيضا أهمية كبيرة للعمل العربي المشترك من خلال تعزيز التضامن والنهوض بالاندماج الاقتصادي .
وكان جلالة الملك قد أكد في قمة بيروت سنة2002 أن " المكانة التي نتطلع إليها في عالم اليوم تتطلب,كما أكد المغرب ذلك في قمة عمان, النهوض باقتصاديات دولنا وبتحسين ظروف عيش شعوبنا وبادراكنا لما تمليه علينا المتغيرات الدولية المتسارعة" وأضاف جلالته " والظاهر أننا لم نهتد بعد الى الاسلوب الانجع للخروج من طور الاماني.
وقد أثبتت كل الخطوات التي تمت في اطار الاليات التقليدية للعمل العربي المشترك عجزها عن تحقيق طموحاتنا. ولذلك يتعين علينا اعتماد توجه جديد وابتكار مبادرات جريئة وملموسة لايجاد فضاء اقتصادي عربي موحد كفيل بجعلنا نعبىء كل طاقاتنا لتحقيق تنمية عربية مستديمة" مسجلا بأنه "سيكون من شأن هذا النهج الذي سارت عليه عدة دول في الجنوب,لايتوافر لديها تعدد ومتانة الروابط التي تجمعنا, تقوية امال شعوبنا العربية في المستقبل وتحسيسها بأننا نشاطرها كل الانشغالات والاهتمامات التي تمس حياتها وواقعها المعيش".