الجزائر والصحراء

الإثنين 06 أكتوبر 2008 - 09:30

تعود الجزائر، مرة أخرى، إلى العزف على أسطوانتها المشروخة في قضية الصحراء المغربية، مقدمة دليلا إضافيا على اختيار اللعب خارج منطق التاريخ، ومناهضة التوجه العام للمنتظم الدولي، في تأييده المبدئي والعملي، للمبادرة المغربية، واعتباره مقترح الحكم الذاتي الحل ا

العودة المذكورة ضمن الخرجات الجزائرية العجيبة، جاءت على لسان وزير الخارجية، مراد مدلسي، في حديث مطول نشرته جريدة "الشرق الأوسط"، في عدد أول أمس السبت، يلعب فيها على الكلمات، ويردد مبادئ مزعومة، تفيد أن الجزائر تشجع "أي طرف مهما كان للوصول إلى حل"، وأن علاقة الجزائر مع المغرب "طيبة، وليست هناك أي مشاكل، عدا موقف المغرب من قضية الصحراء الغربية"، موضحا أن المسألة بالنسبة للجزائر "بسيطة، وهي أننا نعمل على أساس قرارات مجلس الأمن، التي تؤكد على مبدأ تقرير المصير". ثم ينطق باسم البوليساريو، ليقول إن الجبهة "مستعدة" للدخول في مفاوضات على قاعدة المبدأ المذكور، ويزيد مشددا على أن "المشكلة هي إصرار المغرب على حل للقضية الصحراوية في إطار الحكم الذاتي".

الخرجة الجديدة، كسابقاتها، تحبل بسيل من التضليل السياسي والمغالطات التاريخية في حق المغرب، من قبيل الادعاء بأن موقف الجزائر حيادي، وأنه ليس لها لا ناقة ولا جمل في النزاع، وأن المشكل هو "الاحتلال المغربي"، الذي يقف ضد "حق الشعب الصحراوي في تقرير المصير والاستقلال".

كان على مدلسي أن يمضي مع هذا المنطق إلى نهايته، إذا كان فعلا وفيا لمبادئه وشعاراته، ويشرح لماذا لا تسهر الجزائر على تأمين حق الصحراويين، الذين تحاصرهم وتحتجزهم عساكرها وميليشيات أذنابها الانفصاليين بتندوف، في تقرير مصيرهم، وممارسة إرادتهم، واختيارهم بين العودة إلى وطنهم المغرب، ومعانقة ذويهم بالأقاليم الجنوبية، وبين أن يرضوا بحياة الذل والمهانة والإكراه والاستعباد والعسف والظلم في المخيمات.

لا أحد يدري كيف تغمض الجزائر أعينها عن عبر ودروس ودلالات التطورات الأخيرة في ملف الصحراء، سواء في الميدان، أو في المنتظم الدولي، وما يشهده من دعم متنام لمقترح الحكم الذاتي. كما لا يدري أحد عن أي قانون دولي يتحدث عنه مدلسي، وعن أي مساندة جزائرية للجهود الدولية، فيما تثبت الوقائع تورط الجزائر، حتى العظم، في قضية الصحراء، تورط يتخذ أشكالا متعددة ومتنوعة، بدءا من الالتزام العسكري، إلى الإخلال بالقانون الدولي الإنساني، مرورا بالدعم المالي واللوجيستيكي، والتعبئة والتأطير الديبلوماسيين، والانخراط الفعلي في الميدان، فلا أحد بات يجهل أن عسكر الجزائر هم الماسكون الفعليون بكل زمام الأمور في المخيمات.

ليس هناك أي جديد في ترديد أسطوانة "تقرير المصير". الجديد الوحيد، بعد أزيد من ثلاثة عقود من المناورات المغلفة بشعارات زائفة، هو أن الجزائر تقدم للرأي العام الدولي الدليل تلو الدليل على مخططها الفاضح في معاكسة حق المغرب في استكمال وحدته الترابية. وفيما يقول وزير خارجيتها إنه ليست هناك أي مشاكل بين الجزائر والمغرب، يعلم الجميع أنه لا يوجد حاليا أي أفق سياسي، نحو تطبيع العلاقات بين البلدين، بسبب عدم تجاوب السلطات الجزائرية مع مطالبة المغرب، من جديد، فتح الحدود البرية، وتطبيع العلاقات الثنائية، وبسبب التدخلات الجزائرية الاستفزازية في القضية الوطنية.

الخرجة الجزائرية الجديدة محاولة مكشوفة للتغطية على المكاسب، التي حققها المغرب في جولات مفاوضات منهاست، والتي أربكت حسابات الجزائر، وفضحت مناوراتها أمام العالم، وكشفت بجلاء أن نزاع الصحراء المغربية هو بين المغرب والجزائر. إنها مناورة صغيرة لمواجهة مبادرة مغربية كبيرة، مشروع الحكم الذاتي، الذي يمثل، بدعم وتأييد من قبل الدول العظمى وغالبية المنتظم الدولي، حلا سياسيا مثاليا، ينهي النزاع المفتعل أصلا، دون المس بوحدة المملكة الترابية وبسيادتها على أقاليمها الصحراوية، ويحرر طاقات البلدان المغاربية وشعوبها من أجل بناء المصير المشترك.




تابعونا على فيسبوك