تكريسا للسنة الحميدة التي دأب على إحيائها جلالة الملك محمد السادس، بإحياء الدروس الحسنية خلال رمضان الأبرك من كل عام، ترأس جلالته هذه السنة، مجموعة من الدروس ألقاها ثلة من العلماء المسلمين، مغاربة وأجانب.
وهي دروس تلهم العقول بالأفكار الربانية، وتروي القلوب بالإيمان وتبرز عظمة الإسلام، إذ أصبح لها صيت واسع وإشعاع كبير، خدمة للإسلام والمسلمين واستمرارا في الوفاء للرسالة الإسلامية للعرش العلوي المجيد، ولتاريخ الملوك العلويين الأبرار، وهي كذلك مناسبة يحظى فيها علماء الأمة من المغرب وخارجه، بكريم عناية جلالته، دعما للجهود التي يقومون بها لنشر الإسلام والتعريف بعظمة هذا الدين، وإبراز ما يزخر به الفكر الإسلامي من نظريات في العلوم الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، تصلح لتنظيم المجتمع الإسلامي وترتيب علاقاته بالشعوب والأمم الأخرى، بعيدا عن التعصب والتطرف.
وتميزت دروس هذه السنة بمواضيع جمعت بين محاضرات ذات بعد سياسي واجتماعي واقتصادي، وأخرى ذات طبيعة فقهية، كان أولها الدرس الافتتاحي الذي ألقاه وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية، أحمد التوفيق، تحت عنوان "النصيحة شرط في البيعة"، وكذا موضوع "استراتيجية الأمن الغذائي من منظور إسلامي"، ثم "حماية المدنيين في التشريع الإسلامي"، و"التزكية وأهميتها للأمة الإسلامية"، إضافة إلى مواضيع فقهية من قبيل "عناية المغاربة بلغة القرآن الكريم"، و"الخصوصيات الدينية في ممارسة المغاربة".
اشتمل الدرس الأول الذي ألقاه وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية أحمد التوفيق على موضوع "النصيحة شرط في البيعة، عمل علماء المغرب ماضيا وحاضرا، انطلاقا من قوله تعالى : "شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم قائما بالقسط، لا إله إلا هو العزيز الحكيم".
وانطلق أحمد التوفيق في درسه من تفسير الآية الكريمة، وتوضيح أسباب نزولها، ومغزى اقتران إشهاد العلماء فيها بالتوحيد والقسط.
انتقل المحاضر إلى إبراز الدور الذي اضطلع به العلماء في المغرب انطلاقا من عهد الأدارسة وتعاونهم مع العلماء في بناء الدولة المغربية و ترسيخ المذهب المالكي، ثم دور العلماء في إقامة الدولة أكثر مركزية في ظل المرابطين، أما خلال حكم الدولة الموحدية فأبرز المحاضر بالخصوص أن العلماء، وبالرغم من عدم انسجامهم دائما مع مذهب الدولة، واصلوا عملهم على تعزيز أسس الدين ولم يسعوا قط إلى إضعاف الدولة.
وتوقف المحاضر عند دور العلماء في ظل الدولة المرينية، التي حرصت على إقامة نظام تعليمي مغربي متميز، قبل أن ينتقل إلى تناول دورهم مع بروز الأطماع الأجنبية انطلاقا من الدولة الوطاسية مبرزا كيف كان البعض منهم يزاوج بين التدريس وبين المرابطة في مواجهة الغزاة، وهو الدور الذي تعزز بالخصوص في ظل الدولة السعدية.
أما في ما يتعلق بالدولة العلوية، فتحدث المحاضر عن مرحلة آخر العهد الإسماعيلي وعهد السلطانين الفقيهين سيدي محمد بن عبد الله ومولاي سليمان، الذي شهد التخفيف من التقليد وإصلاح التدريس ومحاربة السلوكات، التي تنم عن جهل بصحيح الدين.
كما تحدث عن المرحلة التي امتدت إلى عهد الحماية والتي عرفت دعوة الفقهاء إلى تشجيع الصناعات المحلية والمعارف التعليمية وإصدارهم بيانات التضامن مع الجزائر عند تعرضها للاحتلال الفرنسي ودعوتهم للجهاد مع الأخذ بعين الاعتبار واقع المغرب.
وأشار المحاضر إلى أنه كان من بين الموقعين على وثيقة المطالبة بالاستقلال أربعة علماء هم علال الفاسي، ومحمد المكي الناصري، وعبد الله كنون، والمختار السوسي، وهم العلماء الذين سيؤسسون بعد الاستقلال رابطة العلماء.
و أضاف المحاضر أن التنظيم المؤسسي للعلماء لم يكتمل إلا بعد عقدين من الزمان في عهد جلالة المغفور له الحسن الثاني مع إحداث المجلس العلمي الأعلى والمجالس العلمية المحلية، وهي الهيئات التي ستعرف نقلة نوعية مع اعتلاء صاحب الجلالة الملك محمد السادس العرش.
واعتبر أن التحديات التي تواجه العلماء تتجلى في نوعين من القضايا، منها قضايا لها علاقة بملاءمة الوعي مع الواقع وهي ما يعرف عند الفقهاء بـ"مراعاة مقتضى الأحوال"، وقضايا لها علاقة بتصحيح منهج الإرشاد مشيرا إلى أنها في السياق المغربي إما متجاوزة كلية بحكم المعطيات المؤسساتية، أي دور إمارة المؤمنين وإما أنها تنتظر تعميق التجاوز بالفعل التربوي الموكول للعلماء.
تطرق الدرس الثاني الذي ألقاه بين يدي أمير المؤمنين، الأستاذ عز الدين عمر موسى، أستاذ بكلية الدراسات الاستراتيجية والمستقبلية بجامعة نايف العربية للعلوم الأمنية بالرياض بالمملكة العربية السعودية، لموضوع "استراتيجية الأمن الغذائي من منظور إسلامي" انطلاقا من قول الله عز وجل في سورة "يوسف"، "يوسف أيها الصديق أفتنا في سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف وسبع سنبلات خضر وأخر يابسات لعلي أرجع إلى الناس لعلهم يعلمون" إلى قوله تعالى "وفيه يعصرون ".
واستهل الأستاذ عمر موسى درسه بإبراز أهمية القصص القرآني، حيث أكد أن القصص القرآني ليس أخبارا تسرد وإنما حقائق ثابتة فيها مواعظ القرآن وهو متمم لأحكامه وحلاله وحرامه.
وسجل المحاضر أيضا أن أغلب القصص الواردة في القرآن مكية النزول، أي أنها نزلت في فترة الابتلاء وقبل التمكين من أجل أخذ العبرة منها، موضحا أن سورة يوسف تتفرد من بين القصص القرآنية بكون أن قصة النبي يوسف لم تتكرر في موقع آخر من القرآن وأنها موجهة لأولي الألباب وهي وحدها تتضمن الرؤى التي تشكل، كما أوضح المحاضر، معجزة النبي يوسف.
وفي هذا الصدد أكد المحاضر أن رؤيا النبي يوسف، التي وردت في الآية الكريمة موضوع الدرس، عابرة للمكان والزمان ومن ثمة فهي تضم لبنة استراتيجية للأمن الغذائي من منظور إسلامي، ومن أبرز مكونات هذه اللبنة تحديد الدورات المناخية والتعامل معها وتقنين الاستهلاك بحصص معلومة لكل فرد وحصاد جزء وترك الباقي للمواسم المقبلة (المخزون الاستراتيجي) وكذا تعاون المؤمن مع غير مؤمن في ظروف الشدة.
وفي مجال تقنين الاستهلاك في وقت الشدة ذكر المحاضر بما قام به جلالة المغفور له الحسن الثاني في سنوات الجفاف عندما ضحى في عيد الأضحى نيابة عن شعبه حفاظا على قطيع الماشية.
وأكد الأستاذ عمر موسى أن التخطيط الاستراتيجي اليوسفي للأمن الغذائي جزء من المنظومة الإسلامية، قوامه تلازمية الطعام والأمن والإيمان الذي يشكل ، حسبه، مرتكز هذه التلازمات، مذكرا في هذا الصدد بقصة (سبأ) وكيف دمرها السيل بسبب إعراض أهلها عن الله، وتلازم الطعام والأمن في سورة (قريش).
من جانبه، ألقى الأستاذ عبد الحميد العلمي، أستاذ التعليم العالي بفاس، الدرس الثالث في موضوع "حماية المدنيين في التشريع الإسلامي" انطلاقا من قول الله تعالى "ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين"، صدق الله العظيم.
وانطلق عبد الحميد العلمي في درسه من تفسير وتوضيح معنى الحماية، معتبرا أن حماية الناس لا تنتج معمولها إلا بعد التسليم بأصل التكريم، الذي نص عليه القرآن الكريم من خلال قوله تعالى "ولقد كرمنا بنى آدم"، مبرزا أن نصوص الشريعة تضافرت من أجل تأمين الحماية الضامنة لأصل التكريم.
وأشار المحاضر في هذا الصدد إلى أن مبادئ الحماية، التي تشمل الناس في كل وقت وحين، أقرها الجميع، وأكد كل من له انتساب للآدمية على سن قوانين وضعية، لها أصول في الشريعة الإسلامية، وهو ما أسفر عن اصطلاح جديد يسمى اليوم بـ"القانون الدولي الإنساني".
وأكد المحاضر أن العلاقة بين التشريعات الإسلامية وما هو منصوص عليه في النظم الوضعية، تقوم أساسا على توخي السلام وضمان الأمان، حتى وإن تعلق الأمر بالنزاعات المسلحة، مضيفا أن التشريع الإسلامي أحاط بحماية الحقوق المدنية، وأن ما توصل إليه القانون الدولي الإنساني متفرع عن ما هو مؤصل في الفقه الإسلامي.
وانتقل عبد الحميد العلمي إلى تفسير معنى الآية الكريمة "ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين"، موضحا أن التعدي في الإسلام يعني الظلم وتجاوز الحد والحق. وشدد على أن كل من تشبث بهذه الصفات فقد عادى الله وجانب صف الأولياء الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، مشيرا إلى أن أعلى مراتب تلك العداوة، انتهاك الحرمات الماسة بحياة الناس.
وأشار إلى أن النهي الإلهي عن الاعتداء كان مطلقا، شمل كل الجزئيات والحالات، ومن ثمة فإنه حرم كل أشكال الإذايات، مصداقا لقوله تعالى "إن الله لا يحب المعتدين".
وفي الدرس الرابع، من الدروس الحسنية الرمضانية، تطرق الأستاذ حمزة يوسف، رئيس مجلس إدارة معهد وكلية الزيتونة، بولاية كاليفورنيا بالولايات المتحدة، لموضوع "التزكية وأهميتها للأمة الإسلامية" انطلاقا من قوله تعالى "هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين" صدق الله العظيم.
واستهل الأستاذ حمزة يوسف درسه بالتأكيد على أهمية تزكية النفس وطهارتها لأن تزكية النفس من هداية الخلق والتحلي بمكارم الأخلاق، معتبرا أن مجهود كل إنسان يتمثل بشكل جلي في تطهير ذاته من الشوائب وتصفية قلبه من المعاصي التي تهدم روحه وتبعده عن اتباع التقوى وهدي الشريعة الربانية.
وأشار حمزة يوسف إلى أن المملكة المغربية عرفت عبر تاريخها بأساتذة أمجاد تسلحوا بهداية النفس وتزكيتها بمكارم الأخلاق، مسجلا أن تزكية النفس تقوم على مقامين رئيسيين هما، تطهير النفس من أمراضها وصفات الرذيلة ، وملؤها بالأخلاق الفاضلة وإحلالها محل الأخلاق الرذيلة.
وأضاف أن الأخلاق الرذيلة تتمثل على الخصوص في الشرك والرياء والكبر والبغض والحسد والشح والبخل والحرص على الدنيا وإيثارها على الآخرة، وعدم الجد في الحياة.
وتابع أن الأخلاق الفاضلة تتمثل في التوحيد والإخلاص والصبر، وحسن الخلق في التعامل مع الناس، والشفقة عليهم، وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر، ونفعهم بقدر المستطاع، وعدم تغيير قلوبهم بما ليس بلازم شرعا.ً
وانتقل الأستاذ حمزة يوسف، بعد ذلك ، إلى إبراز معاني الأية الكريمة "هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلو عليهم أياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين" ، مشيرا إلى أن هذه الآية تبرز أن الله الذي أرسل رسوله النبي الأمي من أجل إرشاد الناس ودعوتهم إلى التمسك بدينهم الحنيف ، بعث إليهم نورا نبيلا حاملا لهم رسالة الحق والسلام والرشد والإيمان.
من جانبه ألقى الشيخ محمد سيد طنطاوي، الإمام الأكبر شيخ الأزهر الشريف، موضوع الدرس الخامس، تناول فيه بالدرس والتحليل تفسير آية "الدين" من سورة البقرة، انطلاقا من قوله تعالى "يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه".
وأكد المحاضر في البداية على أن الآية اشتملت على أدق التشريعات وأحكم التوجيهات وأنجع الفضائل، حيث انزلها الله تعالى من أجل حفظ الحقوق وتوثيقها بمختلف الوسائل والأحكام.
وأشار إلى أن هذه الآية الكريمة، التي تعد أطول آية في القرآن الكريم، اتسمت بالدقة في الصياغة والجمال في التفسير، وبعذوبة الألفاظ وبالوفاء الكامل لكل الجوانب التشريعية والاحتراس التام لكل ما قد يؤثر على سلامة التعاقد.
وأوضح المحاضر، أنه متى جرى التعامل بالدين في الأعمال والشؤون المالية فانه يتعين على المتعاملين كتابة الدين وتوثيقه حتى يفي المدين بما بذمته لفائدة الدائن، وذلك خلال أجل محدد يناسب انقضاء المدة المتفق بشأنها.
وأضاف أن الله عز وجل يدعو في هذه الآية الكريمة إلى الحرص على الالتزام باستيفاء الدين ، بمعنى أن المدين يبقى ملزما برد ما بذمته إلى دائنه وفي الوقت المحدد دون زيادة أو نقصان ، مع كتابة محتوى هذا الدين وتوثيقه عند الكاتب لأن كتابته من شأنها حفظه ودرء التنازع والتخاصم بين المتعاملين من الناس.
وخلال الدرس السادس، تناولت الأستاذة سعيدة أملاح، أستاذة اللغة العربية بالمركز التربوي الجهوي بمراكش متناولة فيه بالدرس والتحليل موضوع "عناية المغاربة بلغة القرآن الكريم" انطلاقا من قول الله تعالى في سورة مريم "فإنما يسرناه بلسانك لتبشر به المتقين وتنذر به قوما لدا" صدق الله العظيم.
وأشارت سعيدة أملاح إلى بعض معاني كلمة (اللسان) في الآية الكريمة قبل أن تبسط الكلام في ثلاثة محاور تتمثل في ذكر دخول اللغة العربية إلى المغرب وعناية أهله بها، وذكر عناية الأمازيغ بالعربية وتبريزهم فيها، واستمرار هذه العناية باللغة العربية خاصة في جنوب المغرب.
فبخصوص لفظ (اللسان)، استشهدت الأستاذة أملاح بشروحات ابن كثير وابن عاشور وأبي حيان الأندلسي في (جامع المحيط) والقرطبي والزمخشري الذي فسر الآية بكون الله تعالى أنزل القرآن بلسان رسوله الكريم أي بلغته العربية.
وأكدت أن الاهتمام باللغة العربية وفهمها مدار بيان الشريعة، وهو حسب عدد من العلماء من "فروض الكفاية"، إذا عمل بها البعض سقطت عن الباقين، فيما اعتبرها علماء آخرون من "فروض العين"، أي يجب أن يعمل الجميع على معرفة كلام العرب الذي نزل به القرآن الكريم وتكلم به الرسول العظيم.
وأضافت أن المغاربة اعتنوا بالعربية منذ قدوم عقبة بن نافع، حيث ما لبث المغاربة الذين اقتنعوا بالدين الجديد أن نشروه ونشروا اللغة العربية انطلاقا من المدن نحو البوادي، كما نشر هذه اللغة المهاجرون العرب الذين قدموا زرافات ووحدانا ، وكذا القبائل العربية التي حلت بالمغرب.
واشتمل الدرس السابع الذي ألقاه الأستاذ إدريس بن الضاوية، رئيس المجلس العلمي المحلي بالعرائش، على موضوع "الخصوصيات الدينية في ممارسة المغاربة"، انطلاقا من الحديث النبوي الشريف، عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال، "من خرج من الطاعة وفارق الجماعة فمات، مات ميتة جاهلية "، الحديث رواه مسلم.
وقسم المحاضر درسه إلى ثلاثة محاور تتمثل في الحديث النبوي الشريف إسنادا ومتنا، وثوابت الأمة ، وأهم الخصوصيات المتفرعة عن ذلك.
وأوضح إدريس بن الضاوية أن الخارجين عن الطاعة ثلاثة أقسام هم الخارج عن الطاعة بالمعنى العام أي عن الدولة، والذي يقاتل تعصبا لقومه أو أهل بلده، والخوارج عن الأمة لغرض الأموال أو الرئاسة أو الخارجون عن السنة"، والذين تعتبر ميتتهم ميتة جاهلية.
وبخصوص معنى الجماعة ، أشار إلى أن أهل العلم اختلفوا في ذلك فمنهم من رأى أن الجماعة هي أبو بكر وعمر، ومنهم من رأى أنها ما كانت عليه جماعة المدينة ، ومنهم من رأى أنها ما كانت عليه جماعة الصلاة وغيرها من الآراء.
وأضاف أن أغلبية العلماء ترى أن الجماعة تعني السواد الأعظم الذين لهم طاعة ، أي أغلبية مجتمعة على نظام سياسي واحد في أي زمان ومكان، مؤكدا أن المغاربة مجمعون على بيعة أمير المؤمنين، فيصدق عليهم بالتالي مصطلح الجماعة كما ورد في الحديث النبوي الشريف ومن خالفهم في ذلك ينطبق عليه الوعيد الذي تضمنه، أي ميتة الجاهلية.
وانتقل المحاضر للحديث عن خمسة ثوابت وطنية اجتمع عليها المغاربة يتمثل أولها في وحدة الأمة على المذهب السني وهو "نعمة كبرى ومنة عظمى"، معتبرا كل من يخرق هذا الإجماع خارجا على الجماعة.
وأضاف أنه يجب صيانة الوحدة على هذا المذهب بكل الوسائل، مشيرا إلى أن أهل المذاهب الأخرى يقرون التزام المغاربة بمذهبهم ويقرون بفضله في الاستقرار الذي يعرفونه والخير الذي أسداه لهم، لا سيما أن المغاربة محبون لأهل البيت النبوي الشريف.
ويتمثل الثابت الثاني في وحدة الأمة تحت إمارة المؤمنين الحامية للملة والدين والضامنة لأمن المغاربة واستقرارهم وإنصاف المظلومين ووضع الحقوق في مواضعها، مؤكدا أن الشرع نهى عن الخروج عنها صونا للأضرار ودرءا لها.
وينص الثابت الثالث على وحدة الأمة في العقيدة الأشعرية التي توارثها المغاربة منذ القرن الرابع الهجري لتميزها بالوسطية، وضمنت وحدة المغاربة في الاعتقاد والرؤية والشفاعة وإمارة المؤمنين وعذاب القبر وغيرها فيما يتمثل الثابت الرابع في وحدة الأمة على المذهب المالكي باعتباره مظهرا من مظاهر تدين المغاربة وملائما لطبيعة أهل المغرب أما الثابت الخامس، يضيف المحاضر ، فيتمثل في التصوف السني الذي يخدم مقاصد الشريعة، والذي أقبل عليه المغاربة إقبالا واسعا لتنقية النفس وتطهيرها من الشرور جميعها.
أما في ما يتعلق بالخصوصيات التي تميز هذه الثوابت لدى المغاربة، فأوضح الأستاذ بن الضاوية أن منها ما يتعلق بقراءة القرآن الكريم إذ يعتمد المغاربة قراءة ورش المغربي الأصل باعتبارها أوثق رواية نافع ومتطابقة مع رواية مالك، ومنها التزام المغاربة بوقف محمد الهبطي الذي وحد أداءهم لهذه الرواية المختارة، ومنها ما توارثه المغاربة من قراءة الحزب منذ العصر الموحدي.
وأضاف الأستاذ إدريس بن الضاوية أن من أبرز هذه الخصوصيات أيضا اعتبار العلماء أمير المؤمنين حامي الملة وصائن الدين والقائم بسياسة المسلمين، وتجديد البيعة لأمير المؤمنين كل سنة، وهو أمر "لا يعلم له نظير في مجموع أمصار العالم الإسلامي"، وتواصي العلماء بالدعاء لأمير المؤمنين على المنابر وبعد الصلوات.