يشكل الخطاب الملكي أمام الدورة العادية للمجلس العلمي الأعلى، أول أمس السبت، بمسجد محمد السادس بتطوان، منعطفا حاسما في مسيرة وصيرورة تأهيل الحقل الديني وتجديده بالمملكة.
مواكبة للسياق المجتمعي، المطبوع بأوراش الإصلاحات المؤسسية، وبالتحديات الكبرى، التي تواجهها ممارسة الشعائر الدينية، في إطار مسلسل البناء الديمقراطي، ما يستدعي الحفاظ على خصوصية المغرب الدينية، الموسومة بالوسطية والاعتدال والتسامح، وتحصينه من التزمت والانغلاق والتعصب، سعيا إلى تعزيز الأمن الروحي للمغاربة، ومواجهة النزعات الأصولية المتطرفة.
وضع الخطاب الملكي، بشكل متقدم، خارطة طريق لتفعيل ودعم تنفيذ مشروع التأهيل الديني، الذي كان جلالة الملك وضع متطلبات خطواته الإصلاحية، منذ 30 أبريل 2004، في خطاب الدارالبيضاء أمام المجلس العلمي الأعلى والمجالس الإقليمية العلمية، الذي أعلن فيه جلالته عن جملة من التدابير والإجراءات الخاصة بتأهيل الحقل الديني بالمملكة.
وتكشف هذه المسيرة، الممتدة من أبريل 2004 إلى سبتمبر 2008، عمق التدابير الملكية، المعتمدة في "تجديد وإعادة تنظيم المجلس العلمي الأعلى، والمجالس العلمية المحلية، وفق منظور طموح، يكفل الارتقاء بالخطاب الديني إلى ما نتوخاه، بحيث يستوعب واقع الحياة المعاصرة، ويحصن شبابنا من فقدان المرجعيات، واستغلال الدخلاء والمتطرفين"، ويحمي المجتمع من الفتاوى الشاذة، التي تعكس "تطاول الخارجين عن الإطار المؤسسي الشرعي، لإمارة المؤمنين، الذي نحن مؤتمنون عليه"، تماما مثلما تابع الرأي العام، قبل أسبوعين، تلك الفتوى الغريبة، التي تبيح الزواج بالصبايا، بمن فيهن اللائي لا تتعدى أعمارهن تسع سنوات!
في هذا السياق، تبرز أهمية وحيوية بناء وإعادة إنتاج المعرفة الدينية، في التصور التاريخي والثقافي المغربي، على أساس السنة، في إسلام يقوم على وحدة المذهب المالكي السني، الذي بات مهددا بمحاولات مكشوفة لتيارات متطرفة. والحصانة، هنا، هي إمارة المؤمنين، التي تندرج مهمتها في إطار السلطات الموكولة دستوريا إلى الملك، للسهر على هذه الوحدة، التي تعتبر من صميم الهوية المغربية، والمرجعية الأساس لتعزيز القيم الواحدة، بعيدا عن التشتت والتشرذم، على مستوى العائلة، والأخلاق الاجتماعية والمدنية، والكرامة والجوار، والتضامن وغيرها...
إن الإصلاح، الذي أعلنه جلالة الملك، يهدف إلى إعادة النظر في تدبير الحقل الديني، بالاعتماد على استراتيجية مندمجة وشمولية، تمتد على ثلاثة أصعدة: المؤسسات التي تتولى مهمة المرفق العمومي في المجال الديني، والتي تمارسها وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، ثم التأطير، الذي يتولاه العلماء المشهود لهم بالكفاءة والإخلاص لثوابت الأمة ومقدساتها، والجمع بين فقه الدين والانفتاح على قضايا العصر، والحريصين على أن يجري أداء الشعائر الدينية في أماكن العبادات، في جو من الطمأنينة.
أما آخر هذه الأصعدة، فيتمثل في التربية الإسلامية السليمة، والتكوين العلمي العصري، وتحديث البرامج التعليمية، من خلال تجاوز طرق التأويل السطحية القديمة، ومن خلال اعتماد الإدماج في إطار البرامج التعليمية العامة، من أجل جعل تلاميذ الكتاتيب القرآنية في منأى عن التهميش، وبما يحمي عقيدتهم من المفاهيم المتطرفة المضللة، الوخيمة العواقب.
إن الهدف الأساسي من التدخل العمومي في هذا المجال الجوهري يكمن في ضمان حرمة المساجد من جميع الجوانب، مثلما هو الشأن بالنسبة لباقي أماكن العبادة، حتى تؤدي وظيفتها الرئيسية والوحيدة، المتمثلة في احتضان ممارسة شعائر العبادة، وتفادي استعمالها بشكل غير مراقب لغايات ظلامية أو سياسية، والعمل على تجنب التمويل غير المعروف المصدر في الميدان الخيري.
ويندرج كل هذا في مقصد عام وسام، هو تحصين الحقل الديني بالمغرب، لحمايته من كل الانزلاقات الممكنة، سواء بفعل التأثير الخارجي أو بالحسابات السياسية المحلية، من خلال التأكيد على التمسك بالوحدة المذهبية للمغرب، متمثلة في المذهب المالكي، والعقيدة الأشعرية.
ومما يشكل ضمانة لنجاح هذا المشروع، وجود إمارة للمؤمنين في المغرب، تتولى مهمة دينية وتاريخية وسياسية طليعية للتقدم والتفاعل البناء بين الإسلام والحداثة، إسلام يستمد أسسه من روح الكتاب والسنة، ومنفتح على عصره، في انسجام مع القيم الإنسانية الكونية.