الجزيرة والمغرب وسقوط ورق التوت

الإثنين 07 يوليوز 2008 - 06:40

يفترض في محامي الدفاع أن يركز على الجوانب القانونية والمسطرية في تمثيل موكله أمام القضاء، من دون إملاء موقف في جوهر القضية، بما يتعارض مع إرادة المتهم.

إلا أن دفاع حسن الراشدي، مدير مكتب فضائية "الجزيرة" بالرباط، لم يحترم هذه القاعدة الحقوقية المبدئية. فبينما اعترف الراشدي بخطئه أمام القاضي، عمدت هيئة دفاعه إلى تصعيد الموقف، من خلال المقاطعة، في تعارض مع إرادة المتهم، ومع مصلحته.

في جلسة الجمعة المنصرم، قال حسن الراشدي، أمام القاضي، إنه فخور بانتمائه المغربي، وأكد "إنني أعترف بأنني ارتكبت خطأ تجاه بلدي، وأقدم له اعتذاري الصادق، مع استعدادي لفعل ذلك أمام البرلمان، بل وأمام الأمة، إذا كان ذلك ضروريا".

هكذا يقر مدير مكتب الرباط لقناة "الجزيرة" القطرية بارتكاب خطأ مهني أولا، حسب تقاليد مهنة الصحافة، وخطأ سياسي ثانيا، في حق المغرب، من خلال بث أخبار كاذبة بسقوط قتلى في أحداث مدينة سيدي إيفني، يوم 7 يونيو الماضي.

لكن، أمام الموقف الحكيم والأخلاقي للمتهم، الذي هو من فضيلة الكبار، يلجأ محامو الدفاع إلى مقاطعة جلسة الجمعة، ناصحين الراشدي بالتزام الصمت، ورفض الإجابة عن أسئلة القاضي، على غرار ما جرى في قضايا سابقة مشابهة، بإيعاز من دفاع لا يبدو أن همه الأول هو البحث عن الحقيقة، والمساهمة في إقرار العدالة.

لقد انسحب دفاع المتهم من الجلسة، مفضلا ركوب المزايدة على الاضطلاع بالمسؤولية، وربما أقدم محامو الراشدي على المقاطعة، لأنهم منشغلون بملفات أخرى أكثر "أهمية"، إلا أن المعني الأول بأمر المحاكمة، وبالحدث، كان له من الذكاء ما جعله يختار فضيلة الاعتراف بالخطأ، ويقر بأنه "أخطأ" في حق بلده، المغرب، وفي حق الدولة، والمؤسسات المغربية، والشعب المغربي.

من هذا المنطلق، قدم الراشدي اعتذاراته أمام المحكمة، معتبرا أن مسألة الاعتذار الرسمي من طرف الفضائية القطرية، "الجزيرة"، ليست من اختصاصه، وإنما تتعلق بإرادة مسؤولي القناة في الدوحة.

بهذا الاختيار، يكون حسن الراشدي أبان عن احترامه لمهنة الصحافة أولا، وعبر، ثانيا، عن وفائه لبلده، واحترامه لشعبه، عندما قال إنه "فخور بكونه مغربيا وبمغربيته".

إن هذا الموقف ليس مفاجئا في تقدير المسؤولين في الدولة، كما في جهاز العدالة، إذ أن مدير مكتب "الجزيرة" بالرباط شرّف نفسه بالاعتراف بالخطأ، الذي يعتبر فضيلة وشجاعة، معترفا أيضا بنصيبه في خرق أخلاقيات مهنة الصحافة، ومبرزا وطنيته واحترامه لبلده، مع قذفه الكرة إلى معسكر المسؤولين المركزيين عن "الجزيرة"، من أجل تحمل مسؤوليتهم في الاعتراف بالخطأ، وتقديم الاعتذار اللازم للمغرب.

إن محاكمة الراشدي تبرز الحدود بين الفضيلة والخطيئة، وتقدم موقفين متناقضين، فهناك، من جهة، متهم يبادر إلى الإقرار بعدالة الحقيقة، دفعا لأكاذيب مست المغرب وسمعته، من خلال الزعم بمقتل عشرة وثمانية وستة أشخاص في أحداث سيدي إيفني، الأمر الذي لم تثبته "الجزيرة" أبدا، ومن جهة ثانية، هناك موقف مسؤولي "الجزيرة" في الدوحة، الذي يركبون العناد ضد الحقيقة البسيطة، ويرفضون الاعتراف بخطئهم وتقديم الاعتذار عنه.

وأخيرا، فإن القضية تنجلي عن شخص وطني، مقتنع بارتباطه ببلده، مقابل تعال وغرور مزمنين لدى مسيري قناة، سبق أن تورطوا في أخطاء جسيمة ضد الموضوعية والمهنية.
ويبقى واجب الحقيقة، المعبر عنه من طرف حسن الراشدي، غير كاف لتغيير المعطى الرئيسي في سلوك "الجزيرة"، الذي تتساقط عنه، يوما عن يوم، ورق التوت.




تابعونا على فيسبوك