سعى الحبيب المالكي، عضو المكتب السياسي لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، إلى إقصاء المتنافسين الاثنين، البارزين لحد الآن، على منصب الكاتب الأول للحزب، بتحديده ثلاثة شروط يعتبر توفرها ضروريا في الشخص المؤهل لقيادة الاتحاد، في المؤتمر الثامن، الشهر ال
ولا ينطبق أول هذه الشروط، وهو صفة المنتخب خلال اقتراع شعبي، على فتح الله ولعلو، الذي لم يترشح في انتخابات 7 شتنبر، وهو صاحب إحدى اللوائح المعلنة في السباق على منصب الكاتب الأول. وفي الشرط الثاني، المتمثل في أن يكون الكاتب الأول رجل ميدان، يبدو أن المالكي يستهدف عبد الواحد الراضي، المرشح الآخر لخلافة محمد اليازغي على رأس الاتحاد.
بخصوص العمل الحكومي، أخذ المالكي، الذي يشكل حزبه طرفا رئيسيا في الجهاز التنفيذي الحالي، على الوزير الأول، عباس الفاسي، عدم اتخاذه مبادرات من موقعه على رأس الحكومة، التي يرى أن أداءها يتسم بالضعف والبطء والافتقار إلى المبادرة. كما انتقد المالكي "الحركة لكل الديموقراطيين"، لصاحبها فؤاد عالي الهمة، الوزير المنتدب في الداخلية سابقا، ورئيس لجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب، من زاوية "افتقار الحركة للوضوح، والخلط بين العمل الجمعوي والفعل السياسي".
وقال المالكي، مساء يوم الخميس، في منتدى"90 دقيقة للإقناع"، الذي تنظمه مجموعة ماروك سوار، إن الشخص المؤهل لمنصب الكاتب لأول، على رأس قيادة الاتحاد الاشتراكي، "يجب أن تتوفر فيه ثلاثة شروط أساسية، تتجاوب مع متطلبات المرحلة الحالية". وحدد عضو المكتب السياسي للاتحاد، الذي لم يستبعد إمكانية تقديم لائحته الخاصة في المؤتمر الثامن، هذه الشروط في أن يتوفر المرشح للكتابة الأولى على صفة المنتخب من طرف الشعب، أي أن يكون عضوا في مجلس النواب، وأن يكون رجل ميدان، ويكون حيويا ونشطا. وقال المالكي إن"المرحلة الحالية تتطلب من القائد المقبل للاتحاد الاشتراكي أن يحمل تزكية شعبية، من شأنها أن تعزز مشروعية القيادة الحزبية"، في إشارة ضمنية إلى منافسه فتح الله ولعلو، الذي أعلن لائحته في السباق على منصب الكاتب لأول للاتحاد.
وكان الحبيب المالكي انتخب في اقتراع 7 شتنبر الماضي عضوا في مجلس النواب في مدينة أبي الجعد (بجعد).
وفي ما يبدو تقليلا من حظوظ صاحب اللائحة الأخرى المنافسة، عبد الواحد الراضي، يرى المالكي أن القائد المقبل للحزب يجب أن يكون "رجل ميدان، ويتمتع بقدر عال من الحيوية والنشاط، إذ لا يكفي أن يعرف الشخص الطامح إلى قيادة الحزب خريطة المغرب، بل لا بد أن يعرف أيضا أنهار البلاد وأوديتها".
ويعتبر المالكي، وهو أيضا أستاذ جامعي في العلوم الاقتصادية، نفسه "رجل الميدان" بامتياز، استنادا إلى تجربته الحكومية في وزارتي الفلاحة ثم التربية الوطنية، من خلال جولات ميدانية في إطار الأنشطة الوزارية.
ولم يستبعد عضو المكتب السياسي إمكانية تقديم لائحته الخاصة في المؤتمر الثامن للاتحاد الاشتراكي، في منتصف يونيو المقبل. وقال بهذا الصدد إن الأمر وارد مبدئيا، "على ضوء النقاش الحيوي والمثمر، الجاري داخل اللجنة التحضيرية للمؤتمر، وفي المكتب السياسي والمجلس الوطني للحزب، وكذا في الجهات والأقاليم".
بخصوص العمل الحكومي، اعتبر المالكي أن الاتحاد الاشتراكي تأثر سلبا بمشاركته في الحكومة، وبطبيعة أدائها، الذي يراه دون المستوى. وانتقد الوزير الأول، عباس الفاسي، آخذا عليه "غياب روح المبادرة، وعدم المجيء أمام البرلمان في قضايا تتطلب ذلك". كما يرى المالكي أن العمل الحكومي يفتقر إلى الرؤية الشمولية والاستباق، مشيرا إلى أن الحكومة لم تتنبه في الوقت المناسب إلى ارتفاع أثمان المواد الغذائية والمحروقات، على الصعيد العالمي، ويعتبر أن الحكومة تمارس "نوعا من الاستقالة الخطيرة، في ما يشبه سعيا إلى التخلص من بعض المشاكل، من خلال اللجوء إلى الخبرة الدولية"، بدل الاعتماد على التخطيط وعلى الكفاءات الوطنية. ويدعو المالكي، في هذا السياق، الحكومة إلى وضع "قانون مالي جديد تصحيحي"، للتجاوب مع التطورات المحلية والدولية.
على مستوى التفاعل السياسي في البلاد، وطبيعة "الحركة لكل الديموقراطيين"، التي كان فؤاد عالي الهمة وراء تأسيسها، يرحب المالكي بهذه المبادرة في بعدها غير السياسي، معتبرا أنها "جزء من الطيف الجمعوي في المغرب". لكنه يأخذ على الحركة "عدم الوضوح في مراميها وأهدافها، بين ما هو جمعوي وما هو سياسي"، دون أن يعترض على حق أصحابها في التحول إلى تشكيلة سياسية.
* نشكركم، السيد الحبيب المالكي، على تلبية دعوة "منتدى 90 دقيقة للإقناع"، للمرة الثانية، بصفتكم عضوا في المكتب السياسي للاتحاد الاشتراكي، هذه المرة، وسبق أن حضرتم كوزير للتربية الوطنية والتعليم العالي والبحث العلمي وتكوين الأطر.في بداية هذا الحوار، نود أن تقدموا قراءتكم للحدث الأخير، المتمثل في الإضراب العام الأخير، بدعوة من الكونفدرالة الديموقراطية للشغل.؟
- لن أدخل في حرب الأرقام المعتادة، أظن، بالنسبة للمغرب، أنه يجب الذهاب إلى أبعد من التعبئة الجزئية أو الشاملة استجابة لدعوة مركزية نقابية، إذ أن الأساسي هو ملاحظة أن هناك قلقا اجتماعيا عميقا جدا، وتكرار سلسلة العديد من الإضرابات خلال الأسابيع الأخيرة يؤكد هذا الأمر، وأظن أن هناك مسؤولية مشتركة، مع الإشارة إلى أن الحوار الاجتماعي، الذي دعت إليه الحكومة، لم يفرز كل النتائج المتوخاة منه، رغم بعض المجهودات المبذولة من أجل إعادة تقييم الأجور الدنيا، سواء في الصناعة أو الخدمات، وحتى في القطاع الفلاحي، إلى جانب الرفع من التعويضات العائلية، وتخفيف الضريبة على الدخل بالنسبة للأشطر الضعيفة.
وأعتبر أنه يجب إعادة تفعيل الحوار الاجتماعي مع المركزيات النقابية، كما أرى أنه من الضروري وضع الميكانيزمات الضامنة بصورة مؤسساتية للحوار الاجتماعي، مع صياغة الحلول الأكثر إقناعا بالنسبة للشركاء الاجتماعيين وبالنسبة للنقابات.
* شاركت الفدرالية الديمقراطية للشغل في إضراب 13 أبريل الماضي، وهي مقربة من حزب الاتحاد الاشتراكي، العضو الأساسي في الحكومة الحالية، ألا يعكس هذا الأمر توترا وعدم انسجام بين الحزب والنقابة، من جهة، وبين مكونات التشكيلة الحكومية، من جهة ثانية ؟
- بطبيعة الحال، حتى في عهد حكومة التناوب، التي ترأسها الأستاذ عبد الرحمان اليوسفي، كانت هناك إضرابات منظمة ومؤطرة من قبل الكونفدرالية الديموقراطية للشغل، قبل الفيدرالية، التي أنشئت منذ أربع أو خمس سنوات، لذلك لابد من التأكيد على سلامة وأهمية استقلالية العمل النقابي، حتى لا توزع الأدوار بنوع من الغموض، لأن ذلك ليس في مصلحة لا العمل النقابي ولا السياسي، ونحن، داخل الاتحاد الاشتراكي، نؤمن باستقلالية العمل النقابي.
* الآن يوجد الاتحاد الاشتراكي في الحكومة، والنقابة المقربة منه تخوض الإضراب، وترفض نتائج الحوار الاجتماعي...
- أعتقد أن هناك انسجاما، فكل واحد يتحمل مسؤوليته، وأعتبر أن هناك قلقا اجتماعيا عميقا. هناك الحركات الاحتجاجية النقابية المنظمة، وكذلك الحركات الاحتجاجية غير المنظمة، في عدد كبير من المدن الصغرى والمتوسطة، وحتى في بعض المدن الكبرى، وهذا ما يجب أن يحث الحكومة على أن تعبد قنوات الحوار بين كل الأطراف المعنية. ولا أعتقد أن الصراع، الذي أعتبره غير مجد، حول ما إذا كان الإضراب الأخير ناجحا أم لا، يجيب عن المشاكل الحقيقية، فعمق المشكل لا يجب أن يطرح من منظور رقمي فقط.
أظن أن الاتحاد الاشتراكي يعيش فترة تاريخية أكثر خصوصية، في اتجاه أن هناك نقاشا داخليا جد محتدم، على كافة المستويات، على مستوى المكتب السياسي والمجلس الوطني، الذي يعتبر بمثابة برلماننا، وحتى على الصعيد الجهوي والمحلي، وهذا النقاش، الذي نعتبره سليما، ومؤشرا على دينامية داخلية جد قوية، ترتب عن نتائج الاستحقاقات التشريعية لسابع شتنبر من السنة الماضية، نحن تحملنا مسؤولياتنا، فالاتحاد الاشتراكي يتحمل مسؤولياته، والدينامية التحضيرية للمؤتمر الثامن تؤكد أننا نضع الأسس المتعلقة بالتنظيم والخط السياسي، وأيضا بالنسبة للبرامج الاقتصادية والسوسيو ثقافية، فالوثائق تخضع حاليا لمناقشة قواعدنا، وهو ما سيجعل حتما من المؤتمر الثامن محطة استثنائية مقارنة مع ما سبقها.
* أظهرت نتائج انتخابات 7 شتنبر تراجع أداء الاتحاد الاشتراكي...
- لا، حيث أنه من الواجب القيام بنقد مقارن لأرضيتنا ووثائقنا، فحسب بعض الاشتراكيين اليوم، هناك تفكير شجاع ومهم حاليا، حول ماهية حزب اشتراكي ديمقراطي في سنة 2008، يرمي، في إطار مشهد العولمة، إلى توحيد الفكر. يجب كذلك قراءة وثيقتنا السياسية، التي تتضمن تحليلا نقديا لمشاركتنا في الحكومة، وأيضا للتجربة الحكومية، منذ سنة 1998، ويجب كذلك الرجوع إلى وثائقنا، التي تتطرق إلى هوية الحزب، تحدد قناعاتنا واختياراتنا الاجتماعية والاقتصادية والثقافية. ويمكنكم أن تلاحظوا أنها تعكس قيمة مضافة، مرتبطة ومحددة بتجربتنا، وأيضا من خلال المشاركة في إعادة بناء الاتحاد الاشتراكي، استجابة للمرحلة التي نعيشها حاليا. إذن، لا يجب إصدار أحكام متسرعة.
* لكن التراجع يبقى ثابتا، وكان من نتائجه الأزمة التي أدت إلى استقالة محمد اليازغي من منصب الكاتب الأول.
-لا، ليس لأننا تراجعنا، ولكن لأن هناك مسلسلا للنضج، حتى تكون مأسسة ما يجري مؤهلة للاستجابة كما يجب لوظيفتها الأساسية، أي تدبير الاختلاف داخل أسرة الاتحاد الاشتراكي، ويمكن إرجاع هذا الاختيار السياسي إلى مرجعية تنظيمية، بدل ما حدد في المؤتمر السادس.
* يلاحظ، بالفعل، غياب الانسجام بين الاتحاد الاشتراكي المنخرط في الأغلبية الحكومية، وفريقه البرلماني، الذي طرح مسألة المشاركة النقدية، ونقابته الرافضة لنتائج الحوار الاجتماعي مع الحكومة، والتي خاضت إضرابا يوم 13 أبريل؟
- أعتقد أن هذه قراءة لا سند لها، إذا قمنا بتحليل سريع لكل الجوانب التي جرى التطرق إليها، وأعتقد أن هناك، لا أقول تكاملا، بل نسقا يوحد الرؤية داخل الاتحاد الاشتراكي، نحن نؤمن أولا باستقلالية العمل النقابي، وأعتقد أن المنظور الذي جعل دائما العمل النقابي ذيليا للعمل السياسي، أصبح متجاوزا، لأن مطالب الشغيلة المغربية ومستوى وعيها والتحولات التي يعرفها المجتمع المغربي، وتشبيب الطبقة العاملة، وهو عنصر أساسي، كلها عوامل جعلت العمل النقابي يسترجع نفسا جديدا ويساعد على جعل الحياة العامة ببلادنا ليست حياة تتسم بالركود.
أعتبر أن ما نعيشه منذ بداية السنة، يؤشر على أن هناك حيوية داخل المجتمع المغربي، ويجب احترام كل ما تقوم به النقابات، ونسجل ذلك بإيجابية، خاصة عندما تعلن عن الإضراب، ويجري الإضراب في ظروف عادية جدا، فهذا يؤكد بأننا نعيش مرحلة متقدمة، وأن الإضراب لا يقمع، وأن ليس هناك تحريض لخلق شغب ما. هذا يعني أن المجتمع المغربي وصل إلى مستوى متقدم من النضج، ولابد من تسجيل هذا بكيفية إيجابية.
في ما يخص سلوك الفريق الاشتراكي داخل البرلمان، أعتقد أنه منسجم تماما مع اختيار الاتحاد الاشتراكي، الذي أكدنا عليه منذ 21 أكتوبر من السنة الماضية، أي المساندة والمشاركة النقدية، ومارسنا ذلك بكيفية مسؤولة، فقد ساهمنا في مناقشة مشروع القانون المالي لسنة 2008 بكيفية إيجابية، وتقدمنا باقتراحات حظيت بالقبول من طرف الحكومة، لذلك لا يجب أن تتوهموا أن هناك تصدعا ما، وأنه ليست هناك خطة متكاملة للاتحاد الاشتراكي في الواجهة البرلمانية وفي الواجهة الاجتماعية.
* يسجل على الاتحاد الاشتراكي ، كذلك، عدم توفقه في تدبير التعامل مع حصيلة العمل الحكومي، مقارنة مع حزب الاستقلال. فخلال الحملة الانتخابية دافع الحزب عن الحصيلة الحكومية، بينما عمل الاستقلال على إبراز ما اعتبره إنجازات ونجاحات في القطاعات التي كان يديرها بشكل مباشر
- كل واحد يمارس السياسة انطلاقا من القيم التي يؤمن بها، نحن نؤمن بالقيم المؤسسة للعمل السياسي النبيل الهادف، وأدينا ضريبة المشاركة في الحكومة، لأننا نعتبر أن المصلحة العليا للوطن تتطلب ذلك، ولم نقايض أحدا، ولم نجعل من مشاركتنا في الحكومة مناسبة لخلق شبكات داخلية أو خارجية للضغط، نحن حزب مستقل، ونعمل وندافع حتى نبقى كذلك، بعيدا عن الضغوطات كيفما كانت الجهة التي تريد أن تؤثر على مجرى الأحداث داخل حزبنا. فثقافتنا السياسية هي هذه، والاتحاد الاشتراكي حزب وطني يؤمن بالحداثة والديمقراطية، وجعل دائما مصلحة الوطن فوق كل الاعتبارات.
بالإضافة إلى ذلك، لا نعتبر داخل الحكومة أن هناك قطاعات حكومية قابلة للربح الانتخابي، وهناك قطاعات حكومية غير قابلة للربح الانتخابي، وتحملنا المسؤوليات في أصعب القطاعات، العدل والتعليم والثقافة والمالية، ونعتز أن ما يعيشه المغرب اليوم له ارتباط مباشر بما فعلناه منذ سنة 1998. تصوروا معي دقيقة واحدة، لو لم نشارك في حكومة 1998، كيف كان سيكون المغرب اليوم؟ مغرب 2008، أنا أطرح السؤال على الجميع.
الضريبة التي أديناها هي ضريبة لحماية الوطن. وبالنسبة للربح الانتخابي أقول إن التاريخ سينصف من ساهم في وضع المغرب على السكة.
* نود أن نتحدث عن قطاعين تحملتم، شخصيا وكحزب، المسؤولية فيهما، وكانت لصاحب الجلالة ملاحظات بشأنهما، وهما العدل والتعليم؟
- لا، أبدا، هذا تأويل في غير محله، وقراءة سلبية لما قاله صاحب الجلالة. فجلالة الملك يهتم أساسا بالقطاعات التي لها علاقة مباشرة بالمواطن المغربي، وقال ما مفاده إنه رغم كل ما جرى إنجازه في قطاع التعليم وفي قطاع العدل، ما زالت هناك مشاكل عالقة، مضيفا جلالته، أن علينا أن نوفر الشروط والوسائل لنسرع وتيرة الإنجاز ووتيرة الإصلاح في قطاع العدل وفي قطاع التعليم وفي قطاع الفلاحة.
* في قطاع التعليم بالذات، نرى كيف أن الميثاق الوطني للتربية والتكوين خضع للانتقاد، وسجلت نواقص كثيرة في المنظمة التربوية. وفي قطاع العدل جرى سحب إدارة السجون من وزارة العدل، ما هي، في نظركم، العراقيل التي حالت دون أن تقطع خطوات جريئة في قطاع التعليم وتفعيل الميثاق الوطني للتربية والتكوين؟
- أرى أننا خطونا بالفعل خطوات جريئة في مجال التعليم، في إطار إنجاز الإصلاح الذي يتضمنه الميثاق الوطني للتربية والتكوين، والتقرير الأخير للمجلس الأعلى للتعليم، يؤكد ذلك، ويبرز الإنجازات الهائلة على مستوى التمدرس بصفة عامة، وعلى مستوى تمدرس الفتاة بصفة خاصة، وكذلك الإنجازات المهمة للتمدرس بالوسط القروي، ويوضح الحكامة التي ترتكز على اللامركزية واللاتمركز بالنسبة إلى الأكاديميات الجهوية للتربية والتكوين، وبالنسبة كذلك للجامعات المغربية، التي هي الآن مؤسسات عمومية.
أعتقد أن تجربتنا في هذا المجال تعتبر تجربة جد متقدمة، مقارنة مع التجربة نفسها في بلد مثل فرنسا. لكن، بطبيعة الحال، حتى يأتي التسريع في وتيرة الإصلاح، لا بد من وسائل مادية وبشرية جد مهمة، لذلك أقول لابد من هذا الشرط، وليست هناك أزمة إصلاح، بل هناك أزمة وسائل لتطبيق الإصلاح.
* هذا ما كانت تقوله النقابة الوطنية للتعليم العالي.
- تماما، هناك أزمة وسائل لا أزمة إصلاح، وأنا متأكد أن الإجراءات،التي تناقش الآن، وأتمنى أن تتخذ في أقرب وقت ويتأتى إنجازها، ستساعد على الدفع بحركية الإصلاح داخل الميثاق إلى الأمام.
* هناك حاليا مرشحان لمنصب الكاتب الأول وقيادة الحزب، يتعلق الأمر بفتح الله ولعلو وعبد الواحد الراضي، هل يمكن أن تبرز لوائح أخرى منافسة أم أن واحدا من هذين الاثنين هو الذي سيخلف محمد اليازغي؟ هل ستعلن قريبا في المنافسة لائحة أخرى بزعامة الحبيب المالكي؟
- أظن أنها ترشيحات نشيطة، إذ أن المسلسل التحضيري للمؤتمر الثامن لم ينته بعد، ونحن الآن بصدد مناقشة الوثائق الأساسية، وتقديم لوائح المرشحين بدأت على التو، وهناك جهتان فقط، من أصل 14 جهة التي نوجد بها، هي التي رشحت مؤتمريها، كما أن لائحة ترشيح المؤتمرين لن تكتمل إلا في نهاية هذا الشهر وبداية يونيو.
كما أننا صادقنا على نظام الاقتراع باللائحة لانتخاب المكتب السياسي وعلى رأسه الكاتب الأول، وكل الحيثيات المتعلقة بتطبيق نظام للترشيح باللائحة لم تكتمل حتى الآن، وأنا شخصيا لست من مشجعي السباق الفردي. كما أنني أحترم إرادة المناضلين، وفي الوقت الذي ستتضح الأمور، في غضون الأيام المقبلة، سأتخذ قراري.
*لكن، وهذا أمر أساسي، ما هي المؤهلات التي من الضروري أن يتوفر عليها الكاتب الأول المقبل؟
أظن أن أول شروط هو أن يكون الكاتب الأول المقبل للاتحاد الاشتراكي منتخبا على المستوى الوطني. وأتصور أنه من الصعب بالنسبة لي ممارسة هذه المهمة دون الانتماء إلى التمثيلية الشعبية، وهذا عنصر مهم، على اعتبار أن المقاربة التي ينهجها المغرب ويطبقها، كما هو معلوم، هي أن الحزب الأول في الانتخابات التشريعية، هو الذي يكون على رأس الحكومة، وهذا ما طبقه صاحب الجلالة بالنسبة لحكومة عباس الفاسي، فحزب الاستقلال هو الذي حصل على أكبر نسبة من المقاعد. والكاتب الأول للاتحاد عليه أن ينجز الحملة الانتخابية خلال الانتخابات الوطنية، وعليه أن يكون على رأسها، كما أن عليه أن يخضع للاقتراع العام.
من غير هذه الشرعية الشعبية، من الصعب أن نتصور غدا أن يكون لنا كاتب أول يتمتع بأقصى حد من المصداقية.
وأضيف أننا نتحدث باستمرار عن الأداء الضعيف للحياة البرلمانية، وهنا أتساءل من سينشط الحياة البرلمانية؟ بطبيعة الحال، من سينجز هذه المهمة، هم المنتخبون والنواب ورؤساء الأحزاب، الذين عليهم أن يعلموا أن البرلمان هو منصة للتعبير والدفاع عن وجهة نظر. وأعتقد أن هذه مرجعية للاختيار الذي لا يجب أن يكون اختيارا محكوما بذاتية الظروف.
والميزة الثانية، في اعتقادي، هي أن يكون الكاتب الأول للاتحاد رجل ميدان، فلا يجب أن يعرف المرء فقط خارطة الأنهار الكبرى بالمغرب، بل عليه معرفة حتى خارطة الأودية، وهي أكثر أهمية من الأولى، لا يمكننا اتخاذ موقف والدفاع عن وجهة نظر، إذا لم نكن نعرف جيدا المجتمع المغربي. والتنافر الموجود بين طبقاتنا السياسية والمجتمع، راجع إلى كون رجال السياسية ليس لهم تجذر في المجتمع، وهو أمر ضروري لمعرفة الواقع السوسيولوجي العميق لبلادنا.
أما الميزة الثالثة، فهي أن المسؤول، سواء كان رجلا أم امرأة، عليه أن يتحلى بخصلة الإنصات، إذ من الأساسي ألا تكون هناك جدران وحواجز نفسية.
وعند تجميع هذه العناصر، المجسدة في الشرعية الانتخابية والقدرة على الابتكار، ستكون لنا القدرة على تجميع كل الشروط لإعادة بناء الاتحاد الاشتراكي، وكما قلت، الاشتغال على نمط التجديد والوحدة.
* تناقشون الآن، داخل اللجنة التحضيرية للمؤتمر، التصويت باللائحة على أعضاء المكتب السياسي، وهذه التجربة تعتمد عادة عند وجود أرضيات مختلفة وتيارات داخل الحزب، فعلى أي أساس يتبنى الاتحاد الاشتراكي مسطرة انتخاب المكتب السياسي باللائحة؟ فهل هناك أرضيات سياسية وتنظيمية ستطرح خلال المؤتمر، أم أن الأمر مجرد تطلعات فردية؟
- إن طرحكم، هنا، هو الصحيح، ذلك أن اعتماد نمط اللائحة يفرض تصورا لمشروع معين، يناقش أولا على مستوى القواعد، ثم تحصل المصادقة، أو عدم المصادقة، على المشروع داخل المؤتمر. ومع الأسف الشديد، ليس هذا ما سيطبق خلال المؤتمر الوطني الثامن.
لكن هذه بداية، ويجب أن نجتهد في جعلها أداة ووسيلة جديدة لتوسيع الديموقراطية الداخلية، والدفاع عن الشفافية داخل الحزب. وهي أيضا مناسبة لنوع من المنافسة الشريفة بين كل من له طموح في أن يكون على رأس لائحة من اللوائح. نحن لآن بصدد وضع نموذج تنظيمي جديد، وبالإضافة إلى ذلك، أعتبر أن هذا النموذج التنظيمي الجديد يجب أن يعطي الجهوية أهمية خاصة، على أساس اللاتمركز، حتى لا نكرر التجارب الماضية، لأن "البيروقراطية الحزبية"، أحيانا، لا تساعد على الرفع من الأداء الحزبي. إن أخذ الجهوية بعين الاعتبار من شأنه إعطاء الوسائل للتنظيمات الحزبية الجهوية ومساعدتها على تحمل كامل مسؤولياتها.
أنا مقتنع بأن هذا التوجه هو الصحيح. وبالإضافة إلى ذلك، لا بد من تدبير الاختلاف على أساس توقيف النزيف الداخلي، الذي عاشه الحزب في السنوات القليلة الأخيرة. وقد يشكل نمط اللائحة مدخلا لتدبير الاختلاف، على أساس تقنين التيارات داخل الاتحاد الاشتراكي.
* إلى جانب عبد الواحد الراضي وفتح ولعلو، هل ترون أن هناك مرشحا آخر يتوفر على كفاءات القيادة؟
- إن الاتحاد الاشتراكي كنز للكفاءات، وهناك رجال ونساء يتوفرون على كل الشروط لأن يترشحوا لقيادة الحزب. لكن المطلوب هو التجديد والوحدة. يجب أن لا يكون التجديد سيئا وأن لا يستعمل بطريقة سيئة من أجل إضعاف الحزب، مرة أخرى، من خلال انفجار ليس من شأنه إلا أن يضعف الاتحاد. ثم إن الوحدة أيضا يجب أن تكون في خدمة تجديد الحزب، ولصالحه. فهناك جدلية التجديد والوحدة، والوحدة والتجديد، من أجل تقوية الحزب، وفي الوقت نفسه، المساهمة في إنجاح عملية تحوله.
ما تقولونه يبدو متماسكا من الناحية النظرية والمبدئية، لكنه يتناقض مع الواقع الحالي داخل قيادة الاتحاد الاشتراكي، فعندما أزيح محمد اليازغي من منصب الكاتب الأول للحزب، طرح مبدأ القيادة الجماعية داخل المكتب السياسي، والآن يتقدم أعضاء هذه القيادة الجماعية إلى المؤتمر بثلاث لوائح، على الأقل، متنافسة، بما يظهر وجود صراعات على الزعامة بين أعضاء المكتب السياسي، وظهر ذلك جليا في اجتماعه، الثلاثاء الماضي، عندما طالبت لطيفة اجبابدي بتطبيق قرار منح المندمجين في الاتحاد، من الحزب الاشتراكي الديموقراطي الاشتراكي السابق، نسبة 5 في المائة من المؤتمرين، لكن إدريس لشكر نهرها بعنف، إلى درجة إعلانها شفويا الاستقالة من المكتب السياسي.
* في سياق ما تطرحونه حول سعي الحزب إلى التجديد، هل ينتظر من المؤتمر الثامن أن يصدر وثيقة من حجم "التقرير الإيديولوجي" للمؤتمر الاستثنائي، عام 1975، الذي أقر "خيار النضال الديموقراطي"، للإجابة عن متطلبات المرحلة الراهنة؟
- إن المنتوج الفكري والسياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي يخضع لظروف معينة، ففي 1975 كنا نعيش ظروفا استثنائية. والوثائق تضمن قيمة مضافة نوعية على جميع المستويات. فعلى المستوى الفكري، هناك الآن اجتهاد في التعريف بمن نحن، كاشتراكيين ديموقراطيين، في زمن العولمة. وتطلب منا هذا التوجه أن نجتهد لنضع نموذجا اشتراكيا ديموقراطيا، يحترم الخصوصية المغربية. وأعتقد أن هذا النموذج الذي نطمح إلى إرسائه، هو مساهمة في إغناء الفكر الاشتراكي الديموقراطي، وكذلك التجارب الاشتراكية الديموقراطية في شمال البحر الأبيض المتوسط، وفي القارة الإفريقية، وفي بلدان أميركا اللاتنية.
سنناقش أيضا تجربتنا في الحكومة، ولا يوجد "طابو" في هذا المجال، لأن الاتحاد الاشتراكي يناقش كل شيء، وهو نقيض"الطابو"، وأشدد على أننا نناقش كل شيء. لقد بدأنا هذا النقاش غداة إعلان نتائج انتخابات 7 شتنبر 2007، وما يتعلق بمشاركتنا في الحكومة، وما زلنا مستمرين في تعميقه. وهناك عدة مواقف ووجهات نظر على هذا المستوى. إن المؤتمر الثامن، سيناقش بكيفية مسؤولة، وانسجاما مع ما يجب أن نكون عليه في عام 2009، سنة الانتخابات المحلية، وما يجب أن نكون عليه سنة 2012، سنة الانتخابات التشريعية.
على ضوء هذه المحددات، إذن، سنتخذ الموقف المناسب، ولا توجد داخل الاتحاد أشياء مسكوت عنها أولا تناقش، فنحن الآن نناقش، وبحدة أحيانا، كل هذه الأمور...
* إن المواجهة بين اجبابدي ولشكر تطرح مشكل الديموقراطية داخل الحزب، فهناك قرار سابق بمنح المندمجين نسبة 5 في المائة من عدد المؤتمرين، وها هو القرار يتعطل. وبينما يدعو الاتحاد الاشتراكي إلى توحيد اليسار، فهو يعطي، هنا، صورة سلبية عن التعامل مع تيار من اليسار السبعيني التحق به؟
- هذا الأمر غير صحيح، فالقرار حول تلك النسبة، حسب القانون الداخلي، هو ذو طابع تقني داخلي. لقد اتفقنا على أن توزع 5 في المائة من عدد المؤتمرين كما يلي: إرضاء طلبات بعض الجهات، وعلى رأسها الدار البيضاء، وكذلك أخذ بعين الاعتبار خصوصية وضع أقاليمنا في الجنوب، أي الصحراء. ثم التوجه الثالث، وهو تعزيز تمثيلية من نسميهم بالمندمجين. وأيضا أخذ بعين الاعتبار بعض الوجوه والأسماء التاريخية، من مؤسسي الاتحاد، ومن أعضاء جيش التحرير والمقاومة، وبعض الفعاليات الثقافية، والفنية...
إن الاتحاد يناقش أكبر صورة تعبر عن المجتمع المغربي. نناقش كل القضايا، ونفعل ذلك أحيانا بنوع من الحدة والتوتر، كما حصل في اجتماع المكتب السياسي الذي أشرتم إليه، ولكن القاسم المشترك في النقاش هو أن نتوصل إلى حل يقنعنا جميعا.
* ماذا عن النقاش الجاري، والمنتظر، حول تجربتكم، كحزب، في موضوع المشاركة في الحكومة الحالية، على ضوء ما ترتب عنها من استقالة محمد اليازغي من منصب الكاتب الأول؟
-أعتبر أن المشاركة في هذه الحكومة تشكل عامل زعزعة للحزب. إنا لا أشك في الإرادة السياسية للوزير الأول من أجل إتمام جميع أوراش الإصلاح. إلا أن طريقة الحكم تنطوي على كثير من النقائص. فعلى سبيل التوضيح، لا أتصور أن ويزرا أول لا يأتي بانتظام إلى البرلمان، أمام منتخبي الأمة لكي يدافع عن موقف الحكومة بشأن عدد من القضايا. فمن الأهمية بمكان، لكي يتقدم البناء الديموقراطي في بلدنا، بصورة جدية وسريعة ومقنعة، أن يأتي الوزير الأول لكي يناقش ويحاور، أمام البرلمان، بشأن كل المشاكل التي تعرفها وتعيشها الأمة المغربية. وهذه أيضا طريقة للمساهمة في تنشيط الحياة السياسية.
إننا نعيش الآن ما أسميه مرحلة الديموقراطية الرخوة، التي ليس من شأنها إلا أن تضعف الديموقراطية، وتضعف المسلسل الديوقراطي في بلادنا. يجب الذهاب أبعد والتقدم إلى الأمام، وأعتقد أن الخطر رقم واحد، الذي يتربص بالديموقراطية في المغرب، هو هذه الرخاوة في المواقف، وفي الخطاب. الرخاوة في طريقة تدبير العلاقة بين مختلف المؤسسات.
على هذا لأساس، فإن وزيرا أول مطالب بأن يقدم، بانتظام، الحساب أمام منتخبي الأمة. ثم إن العادة جرت، واستقرت، في اللجوء إلى مكاتب الدراسات كلما كان هناك مشكل معين.أعتبر هذا نوعا من الاستقالة في مستوى كبير الخطورة.
يجب إعادة الاعتبار للتخطيط، فالأزمة التي يمر بها العالم، والتي يعرفها المغرب، تتطلب إعادة الاعتبار للتخطيط. إننا ننتقص من قيمة كفاءاتنا الوطنية من خلال اللجوء إلى الخبرة الدولية. لست ضد الخبرة الدولية، إنها عامل إضاءة ومساعدة، لكن لا يجب أن تصبح بديلا عن التخطيط. وأذهب إلى حد القول بأنها قد تكون طريقة للتخلص من بعض المشاكل. إن هذه الاستقالة من جانب الحكومة، عبر اللجوء إلى الخبرة الدولية كلما طرأ مشكل، تعني أن طريقة الحكم ليست جيدة، وفاشلة. وخير مثال للتعبير عن هذا، هو أن النقابات ليست راضية عن نتائج الحوار الاجتماعي. فعندما يكون هناك إجماع بين النقابات على رفض نتائج الحوار الاجتماعي، فإن ذلك يعني أن شيئا ما ليس على ما يرام، وهذا من دون إنكار المجهود المبذول من طرف الحكومة، ويتعلق الأمر، حسب الأرقام الرسمية، بمبلغ ما بين 14 أو15 مليار درهم. إنه مبلغ مهم، ولو أنه موزع على مراحل في أفق 2010، ولا يتعلق الأمر فقط بالفترة المتبقية من 2008.
* لكن الحكومة تقول باستحالة التجاوب أكثر مع مطالب النقابات، بسبب الإكراهات المالية، وتعتبر أن أي حكومة سابقة لم تقدم أكثر مما أعطي حاليا، أي 14 مليار درهم؟
- في عام 2000، على عهد حكومة التناوب، كان هناك أيضا حوار اجتماعي، وتجاوبت الحكومة خلاله مع جميع مطالب النقابات. إن الأمر يتعلق بمشكل مالي وبدفتر المطالب. إننا الآن إزاء مشكل أكثر خطورة، عندما تعطي الحكومة 14 مليار درهم من دون أن ترضي أحدا.
ماذا يعني هذا؟ يعني واحدا من هذه الاحتمالات: فإما أن التفاوض كان سيئا، أو أن المشاكل طرحت بصورة سيئة، أو أن هناك، لدى هذه الجهة وتلك، الحكومة والنقابات، محددات واعتبارات مجهولة. وأعتبر أن نجاح الحوار الاجتماعي لا يرتبط فقط بحجم الغلاف المالي وأهميته.
* على ضوء هذه الانتقادات، التي توجهونها للحكومة الحالية، ماذا ستكون الخلاصة السياسية منها بالنسبة إلى الاتحاد الاشتراكي خلال المؤتمر المقبل؟ هل ستطرح بجدية مسألة إعادة النظر في المشاركة في الحكومة؟
- إن المؤتمر سيناقش الخط السياسي للحزب، ومن القضايا الأكثر أهمية، هناك حصيلة مشاركتنا في الحكومات السابقة، وخاصة في الحكومة الحالية. وأعتقد أن هذا النقاش سوف يمكننا من تحديد الموقف الأكثر صوابا.
هناك، الآن، قلق سياسي في البلاد، يتجسد في عدد من مظاهر التراجع. وإن حزبا، مثل الاتحاد الاشتراكي، الذي هو شريك كامل في الحكومة الحالية، عليه واجب تحمل جميع مسؤولياته. وأنا مقتنع أن الحزب، أخذا بعين الاعتبار للمصالح العليا للأمة، سوف يتخذ الموقف المناسب، ولكي يرضي أيضا انتظارات مناضليه.
* كيف ترون الوضع الاجتماعي حاليا في المغرب، وما هو المطلوب على المستوى العملي؟
- عند وضع تشخيص أو إنجاز تحليل للمجتمع المغربي، نلاحظ أن الفقر يزيد، وأن الفروقات بين الطبقات الاجتماعية تتزايد أيضا. إن المطلوب هو بلورة استراتيجية للتنمية الاجتماعية، من خلال اعتماد مجموعة من الإجراءات، سبق أن اقترحناها في الاتحاد الاشتراكي، من جملة اقتراحات أخرى.
أعطي هنا مثالا، ويتعلق الأمر بحل مشكل صندوق الدعم، من خلال منحة شهرية لفائدة الأسر الأكثر فقرا، من أجل أن يضمن لها تعليم الأبناء، وكذا مواجهة تكاليف الصحة والعلاج لفائدة أطفال هذه الأسر إلى حدود سن 15 عاما عل الأقل. هذا عنصر في غاية لأهمية، من شأنه أن يساهم في تقوية التضامن الاجتماعي في بلادنا.
على مستوى ثان، هناك أهمية قصوى لإعادة النظر في النظام الضريبي، ليس بطريقة عنيفة وإنما بصورة متدرجة، ومعبرة في الوقت نفسه. يجب إحداث تخفيف ضريبي، خاصة بالنسبة إلى الأسر الأكثر فقرا. إن الجميع اليوم بات يعتبر أن الطبقات الوسطى في المغرب باتت تتفقر، كما يعرف الجميع أيضا أن الفضل في محرك التنمية، في البلدان التي حققت إنجازات اقتصادية مهمة، يعود تحديدا إلى دور الطبقات الوسطى.
حتى بالنسبة إلى نظام الضريبة على القيمة المضافة، أعتقد أن الوقت حان من أجل التفكير في إصلاح لخلق ملاءمة أفضل، من أجل تطوير الاستهلاك الجماهيري. فمن غير هذا الاستهلاك، على مستوى فعال، لا يمكن للسوق الداخلية أن تتطور. ومن غير سوق داخلية لا يمكن بناء اقتصاد متين على ساق واحدة، مهما كان جيدا أداء بعض صادراتنا.
إن التأثير الضريبي في غاية الأهمية، وفي الوقت نفسه، يجب أن يأخذ إصلاح النظام الضريبي بعين الاعتبار وضع المقاولات الصغيرة والمتوسطة، التي هي المصدر الرئيسي لخلق فرص الشغل، وهي، بالتالي، تؤثر إيجابيا على الدخل وعلى الاستهلاك.
وفي نظرة شاملة للمشاكل الاجتماعية، في علاقة مع المشاكل الاقتصادية، يبقى من الصعب جدا توقع نتائج ذات تأثير ملموس في هذا المجال.
*حصلت تطورات وطنيا ودوليا، منذ بداية ولاية الحكومة الجديدة، هل ترون أنها أصبحت مطالبة بإعادة النظر في برنامجها وأولوياتها؟
- يجب وضع قانون مالي تصحيحي، أو تقويمي، لأن قانون المالية الحالي جرت صياغته من طرف الفريق الحكومي السابق. لقد تغير السياق الذي وضع فيه ذلك القانون بشكل كلي منذ بداية السنة، ولم يتوقع أحد، أو يستبق، التغيرات السريعة التي نعرفها الآن، خاصة ارتفاع أسعار المواد الغذائية، وارتفاع سعر البترول. وهنالك أيضا فاتورة الحوار الاجتماعي.
لماذا، إذن، لا يشرع، منذ الآن، في تجسيد تخفيف العبء الضريبي، بخصوص مستويات الدخل الضعيف، بدل تأجيل ذلك إلى عام 2009؟ وأعتقد أن وضع قانون مالي تصحيحي له وجه إيجابي آخر، ذلك أن البرنامج الحكومي نفسه يستحق أن يخضع للمراجعة والتحيين، وذلك لأسباب كثيرة، في مقدمتها الحوار الاجتماعي، وعلى الخصوص سرعة التطورات الحاصلة على الساحة الدولية، والتي لها وقع لا يستهان به على الاقتصاد الوطني.
لهذه الاعتبارت، فإن قانونا ماليا تقويميا يشكل محطة ممتازة للديموقراطية. لقد وضع القانون المالي في سياق ظرف لم يعد قائما اليوم، ولدينا الآن الإرادة السياسية للإجابة عن هذا الوضع الجديد.
أعتقد أن الحكامة الجيدة لا يجب أن تكون أسيرة للخط الزمني، هذه هي الرخاوة في التفكير وفي اتخاذ القرار. إن الحكامة الجيدة تفترض تلاؤما شجاعا، خاصة في المجالات الصعبة.
* الإجراءات والتدابير والتوجهات التي تحدثتم عنها جيدة، لكن تطبيقها على أرض الواقع يحتاج إلى قرارات سياسية، والسؤال هو لماذا لم يستطع الاتحاد الاشتراكي تحقيق بعضها في الحكومة السابقة؟
ـ يعد جلالة الملك محمد السادس مصلحا عصريا كبيرا. والمشروع الذي طرحه محمد السادس، والمبني على أساس مجموعة من المبادئ، من قبيل الحداثة والتضامن والديموقراطية، يقتضي في الواقع حكومة قوية، وبرلمانا تمثيليا وقويا أيضا. وبصيغة أخرى، إذا لم نتسلح بتعبئة مؤسساتية، فإنه يصعب علينا تحقيق هذا الطموح الوطني الكبير، الذي يقوده جلالة الملك.
وحينما قلت حكومة قوية، أقصد حكومة تمارس كل الصلاحيات المخولة لها، إذ أن منهجية تدبير الشأن الحكومي تعاني اختلالات عدة، وضعفا في الممارسة. إن الحكومة يجب أن تكون دائما في الواجهة، في الميدان والبرلمان ووسائل الإعلام، إلخ، حتى نجعل من العمل الحكومي عنصرا أساسيا لإخبارن الرأي العام بما تنجزه الحكومة، وإشراك المواطن بكل الوسائل، وحتى تكون الحكومة ذاتها محط اهتمام الجميع.
إن مشاركتنا في الحكومة الحالية شكلت عنصرا أدى إلى اختلالات داخل الاتحاد الاشتراكي. لكننا حزب مسؤول لا نقيم الأوضاع بردة فعل، ونعتبر أن مسؤوليتنا نابعة من الأوضاع الصعبة، التي تعيشها البلاد. وقصة مشاركتنا في الحكومة، أو مغادرتها، نقطتان بارزتان في المواضيع التي سيناقشها المؤتمر الثامن.
* ما هو تصوركم تجاه الساحة السياسية والحزبية، ولماذا تهاجمون حركة فؤاد عالي الهمة؟
ـ هل أصدر الاتحاد الاشتراكي بيانا يهاجم فيه أحدا؟ إنني لست على علم بأي شيء من هذا القبيل. لكن أستطيع أن أقول إن كل حركة أو تجمع يساهم في إغناء المشهد الجمعوي لا يمكن أن يكون إلا إيجابيا. والدور الذي أدته، وتؤديه، منظمات المجتمع المدني في مجال حقوق الإنسان، يحضر بقوة في هذا السياق، وبفضل هذا الدور كرس المغرب في الواقع ثقافة تعنى بحقوق الإنسان. وإذا كانت هناك مبادرات مشابهة لتوسيع النقاش والحوار، لا يمكن أن تكون هي أيضا إلا إيجابية في تعميق الدينامية العامة للبلاد، لكن يجب أن نفرق بين العمل الجمعوي وبين العمل الحزبي المحض، يجب ألا نخلط الأمور أمام الناس، الحرص على الوضوح من دون غموض. إن المغرب في حاجة اليوم إلى العودة إلى الجذور، التي تعني عدم ممارسة الضبابية والحرص على الوضوح.
أعتقد أن أي حزب سياسي يعتمد الوضوح لن يكون إلا أمرا مطلوبا. وما يخيف حقا هو خلط الأوراق، لأننا نؤمن بأهمية البناء الديموقراطي السليم في بلادنا.
* ما هي الكلمة التي تودون أن توجهوها إلى القراء؟
ـ أود أن أقول إن الأمل قائم، والمؤتمر الثامن سيكون محطة بالغة الدلالة في ما يخص إعادة الثقة والتجديد والتحولات التي يشهدها الاتحاد الاشتراكي، وهي تحولات تعكس ما يشهده المجتمع المغربي من تطورات.
وآمل أن تكون الممارسة الحزبية محترمة لأسسها، مع احترام السياسة في كل أبعادها النبيلة، وهذا هو السبيل الوحيد الذي يتيح تنمية المواطن المغربي، والطريقة الوحيدة التي تمكن من إعادة الثقة إليه.