نشرت صحيفة "إل باييس" الإسبانية، أول أمس الأحد، ربورتاجا حول "المأساة غير الظاهرة" التي خلفها إغلاق الحدود المغربية - الجزائرية منذ سنة 1994، بالنسبة لعشرات الآلاف من الأسر بكلا البلدين، واصفة هذه الحدود بـ"جرح بطول 1559 كيلومترا".
وأكد إغناسيو سيمبريرو، في الربورتاج الذي أعده ونشره بملحق "الأحد"، أن "إغلاق الحدود بين المغرب والجزائر دمر حياة عشرات الآلاف من الأسر. فعبور الحدود ممنوع والمأساة تبقى غير ظاهرة".
وذكرت الصحيفة أن "الملك محمد السادس قام بمبادرات تصالحية. فخلال صيف 2004، قام بإلغاء التأشيرة على الجزائريين، وقام الرئيس عبد العزيز بوتفليقة، بعد ثمانية أشهر من ذلك، بالإجراء نفسه"، مشيرة إلى أن المغرب طلب في العديد من المناسبات إعادة فتح الحدود، عبر بيانات أو في منتديات دولية، في حين تقوم الجزائر بتأجيل هذه المسألة إلى ما لا نهاية.
وأبرزت "إل باييس" أن "رئيس الدبلوماسية الجزائرية، مراد مدلسي، كان صرح في أبريل الماضي بأن "إعادة فتح الحدود ليست مطروحة حاليا"، ردا على النداء الأخير الذي وجهه نظيره المغربي من أجل فتح الحدود.
وأضافت أنه "على بعد 180 كيلومترا من ألمرية (جنوب إسبانيا) تبدأ الحدود التي تعد الأطول في العالم، والمحكمة الإغلاق منذ سنة 1994. فبين الكوريتين، اللتين توجدان نظريا في حالة حرب، تعبر حاليا قطارات نقل السلع. وهناك حالاتان فقط لحدود مغلقة بالإحكام نفسه، الذي أغلقت به الحدود بين المغرب والجزائر، ويتعلق الأمر بالحدود التي تفصل أرمينيا عن تركيا وعن أذريبيجان".
ومن أجل إنجاز هذا الربورتاج، كانت جريدة "إل باييس" طلبت ترخيصا من المغرب والجزائر، غير أن السلطات المغربية وحدها استجابت لهذا الطلب، في حين لم تكلف السلطات بالجزائر نفسها حتى الرد عليه، وهو ما يعني رفضها لهذا الطلب.
وسجلت "إل باييس" أن "الجريدة طلبت في شهر فبراير ترخيصا من السلطات بكلا البلدين من أجل عبور هذه الحدود الغريبة، التي وإن كانت مغلقة على المستوى الرسمي، فإنها تعرف عبور مهاجرين سريين ومهربين، وحتى بعض سكان البلدات المجاورة الذين يجازفون من أجل زيارة عائلاتهم".
وأضافت الصحيفة أن جواب الجزائر كان هو الصمت، بينما وافق المغرب بعد شهرين، مشيرة إلى أن "وزارة الداخلية المغربية أعدت برنامجا للزيارة تضمن تقريبا جميع اقتراحات إل باييس"."
واعتبر صحافي الجريدة الإسبانية أن حضور موظفي وزارة الداخلية المغربية، الذين رافقوه على مدى خمسة أيام، "كان ضروريا" حتى لا يعبر عن غير قصد حدودا "غير مرسمة بشكل جيد".
وتمكن الصحافي، خلال زيارته، من الالتقاء بمسؤولين بالإدارة المحلية وعدد من المنتخبين والفاعلين في المجتمع المدني المغربي، الذين حكوا له قصصا مثيرة حول المأساة التي تعيشها عائلات تفصل بينها الحدود أو حول حالات عدد من المواطنين المغاربة الممنوعين من الوصول إلى أراضيهم في الجهة الأخرى من الحدود.
وتطرق الروبورتاج لحالة إدريس هبري، عمدة قرية أغبال الصغيرة المغربية، وهو من أم جزائرية، والذي يجسد، حسب الصحيفة، "نموذجا للمشاكل التي تتخبط فيها عشرات الآلاف من العائلات المغربية والجزائرية التي تفصلها حدود يبلغ طولها1559 كيلومترا".
ولم تتمكن أم السيد هبري، وهي سيدة مسنة، من رؤية أخويها الجزائريين اللذين يعيشان في بلدة نضروما، وهي بلدة تقع على بعد أربعين كيلومترا من الحدود، سوى مرة واحدة سنة 1994 في فرنسا.
ويحكي هبري بمرارة أنه في حالة وفاة أحد خاليه، فإنه "سيكون على أمي السفر حتى وجدة، ومن ثمة امتطاء الطائرة حتى الدارالبيضاء، والقيام برحلة أخرى نحو مدينة وهران الجزائرية، لتقطع بعد ذلك مسافة 200 كيلومتر برا لتصل حتما بشكل متأخر عن موعد الدفن بنضروما، التي لاتبعد سوى بـ 40 كيلومترا عن هنا".
ويملك هبري، وهو فلاح، أراضي على الطرف الآخر من الحدود تعذر عليه الوصول إليها منذ 14 سنة.
وتناول الروبورتاج كذلك الانعكاسات السلبية لإغلاق الحدود على اقتصاد البلدين، مشيرا إلى أن المغرب يأتي في المرتبة الثلاثين من بين الشركاء التجاريين للجزائر، أي في مرتبة سوريا نفسها، رغم مؤهلاته الكبيرة.
وأشارت الصحيفة الإسبانية إلى أنه رغم إغلاق الحدود، فإن المناطق الحدودية تسجل تدفقا مهما للمواد المهربة والبشر، مبرزة الجهود التي تبذلها السلطات المغربية لوقف هذا التهريب، وتدفقات المهاجرين من بلدان إفريقيا جنوب الصحراء، الذين يحاولون العبور من الجزائر نحو مليلية المحتلة عبر المغرب.
وجرى تعزيز الروبورتاج بالعديد من الصور التي أخذت من الجانب المغربي للحدود، كالمركز الحدودي زوج بغال. كما تقدم صورة أخرى مجموعة من شباب قرية صغيرة يبلغ تعداد سكانها 120 نسمة، قسمت لجزءين بسبب الزقاق - الحدود، حيث يطلق على الجزء الغربي منها اسم "شراكة"، وهي مغربية و"دراكدة" على الجزء الجزائري.
وأبرزت الصحيفة أن الشرطة الجزائرية منعت المصور الذي كان يرافق صحفي "إل باييس" من أخذ صور للمركز الحدودي زوج بغال. وقالت "لم يكن الشرطي الجزائري، الذي توجه بخطى سريعة ونظره مصوب على الحاجز، يتحدث بل يزمجر وهو يأمر مصور الصحيفة، بعدم أخذ صورة لمرقبه".
وأبرز الصحفي أن موظفي وزارة الداخلية المغربية كانوا نصحوه في مرات عديدة بعدم "استفزاز الجيران الجزائريين" في كل مرة رغب فيها بالتقاط صور"للكتل الإسمنتية البيضاء، التي تشكلها مراكز مراقبة تابعة للجيش الوطني الجزائري".