اقترحت الدورة الرابعة لمنتدى باريس، التي انعقدت بين 28 و30 مارس الجاري تحت شعار "الاتحاد من أجل المتوسط، ما الهدف منه وكيفية تفعيله"، عقد قمة جنوب - جنوب قبل 13 يوليوز المقبل في باريس، أو في إحدى مدن الضفة الشمالية للمتوسط.
ودعت إحدى التوصيات الصادرة عن المنتدى، الذي ضم مسؤولين سياسيين واقتصاديين وخبراء وفاعلين في المجال الاجتماعي من فرنسا ومن بلدان حوض المتوسط، أنه من شأن هذه القمة تمكين المسؤولين السياسيين في بلدان جنوب المتوسط من الالتقاء لتنسيق "مواقفهم" قبل مؤتمر13 يوليوز.
واعتبر المشاركون في المنتدى أنه من المفيد إحداث لجنة للحكماء من أجل التفكير "بكل استقلالية " في مشروع "الاتحاد من أجل المتوسط" شكلا ومضومنا، مبرزين أنه من "اللازم" إنشاء منظمة متوسطية للتعاون والتنمية الاقتصادية على نمط منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية الخاصة بالدول الصناعية.
واقترحوا أيضا، إحداث مؤتمر دائم للسلام والأمن بالمتوسط على شاكلة "مؤتمر هلسنكي"، فضلا عن خلق صندوق للاستثمار للتنمية بفضاء المتوسط برساميل متساوية لتمويل مشاريع الاتحاد من أجل المتوسط.
وفي مجال الهجرة، أوصى المنتدى بإحداث مرصد للسكان والهجرات وتقنين حركية الأشخاص، كما اقترح وضع نظام للتأشيرات طويلة المدة لفائدة العمال المؤهلين والمتقاعدين والموسميين. وبهدف تشجيع التعاون الأفقي على مستوى الجهات والمدن، أوصى المشاركون في المنتدى بإحداث مجلس دائم للجهات المتوسطية، سيكون "المخاطب المميز، وبشكل دوري لسلطات بروكسيل".
ومن جهة أخرى، دعا المنتدى إلى إحداث وكالة للتكوين المهني لتشجيع هجرة مؤهلة، بالإضافة إلى وكالة للتكون المركز في المهن المتعلقة بالماء والطاقة والبناء والنقل والتواصل والفلاحة.
وبخصوص التعليم العالي، اقترح المنتدى إحداث برنامج "إيراسموس للمتوسط"، (برنامج للتبادل الأكاديمي) يتوج بإحداث جامعة متوسطية "يمكن أن تحدث فروعا لها لاحقا بعدة مدن من شمال وجنوب المتوسط".
كما دعا المشاركون إلى إنشاء فيدرالية تجمع المؤسسات الثقافية بالمتوسط بهدف تشجيع إذكاء الشعور بالانتماء إلى حضارة مشتركة.
ومثل المغرب في هذا المنتدى العديد من الشخصيات، من بينها أندري أزولاي مستشار جلالة الملك، وحسن أبو أيوب السفير المتجول، وفتح الله السجلماسي سفير المملكة بفرنسا، ومصطفى باكوري المدير العام لصندوق الإيداع والتدبير، وفتح الله ولعلو وزير المالية والخوصصة السابق، وبثينة العراقي الحسيني رئيسة جمعية النساء رئيسات المقاولات بالمغرب.
أكد أندري أزولاي، مستشار جلالة الملك، مساء الأحد في باريس، أن تفرد وحداثة الرسالة التي يبثها المغرب للمجتمع الدولي، من شأنها أن تمنح للشراكة الأورو- توسطية معنى وعمقا.
وقال أزولاي، أمام ما يزيد عن ألف و500 شخص، من بينهم وزراء فرنسيون وأجانب وسفراء وخبراء وسياسيون وجامعيون، كانوا حاضرين في أشغال الملتقى الرابع لباريس، المخصص لمشروع الاتحاد المتوسطي، إنه بتقلده مهام رئاسة المؤسسة الأورو- متوسطية "أنا ليند"، فهو على وعي كامل بتميز وحداثة الرسالة التي بات يبثها المغرب للمجتمع الدولي عبر الفضاء الأورو- متوسطي. وأضاف أنها "رسالة منتظرة، ذات مصداقية وعادلة وتفتح إشارات ضوئية على جميع الإمكانيات المرتبطة بالنطاق الإيديولوجي والسياسي، الذي سيعطي غدا معنى وعمقا للشراكة الأورو- متوسطية".
وبالنسبة إلى مستشار جلالة الملك فإنه "مهما يحدث من الآن فصاعدا، وأيا كانت التسمية التي ستمنح له، فإن مشروع الاتحاد المتوسطي أعطى بعدا تاريخيا وجديدا للشراكة الأورو- متوسطية".
ولاحظ رئيس مؤسسة "أنا ليند" أنه بتبنيه هذه المبادرة التي انطلقت من باريس، فإن الاتحاد الأوروبي اغتنم هذه الفرصة، وأن الرئيس نيكولا ساركوزي، بات يرى المدى الإيجابي الذي لقيه مقترحه لدى نظرائه، وإن كان نطاق ومصوغات المشروع الأولي قد طرأت عليه تعديلات ملموسة.
وأشار إلى أن "كل واحد يعرف حاليا أن الاتحاد الذي يتراءى عبر ضفتي المتوسط لا يعبر فحسب عن تطلع عاطفي وكريم أو ساذج"، مسجلا أنه "مشروع استراتيجي ومكوناته هي في الوقت ذاته سياسية وإيديولوجية واقتصادية وثقافية".
وشدد أزولاي على أن هذا المشروع يضع في صلب انشغالاته مسألة التكافؤ والانتماء المشترك والمصير المتقاسم كمنطلق مركزي، ويدافع على المساواة في معالجة وتسوية قوانين اللعب التي تجمع، مع الاحترام التام، بين هويات وثقافات الجميع لتجعل منها غدا حضارة أو حضارات مشتركة.
وأبرز أن هذا المنطق الضمني هو ما سيحرك الخطوط التي كانت إلى الآن تقليدية للشراكة الأورو- متوسطية، وذلك بإعطائه لهذا البناء الطموح المنحى السياسي الذي ينقصه، مع منح الفرصة الكافية لكي تندمل جراح التاريخ، مضيفا أن "الاتحاد المتوسطي الذي نحن بصدد التفكير فيه لا يتعارض مع مسلسل برشلونة، ولا يسعى لكي يكون بديلا عنه".
وقال إن هذا الاتحاد يندرج على العكس من ذلك في إطار الاستمرارية والتكاملية لمكتسبات المسلسل الأورو- متوسطي الذي جرى إعطاء انطلاقته سنة 1995 بالعاصمة الكاطلانية.
وحسب أزولاي فإن الحقيقة الموضوعية والمسلم بها للأرقام والتدفقات والتحليل الواضح للتغيرات العميقة، التي أعادت منذ سنة 1995 تشكيل المشهد الأورومتوسطي، تؤكد "القفزة النوعية والكمية والمؤسساتية الكفيلة بتفعيل مسلسل برشلونة".
وأشار إلى أنه لكي يذهب الاتحاد المتوسطي بعيدا، وعلى نحو سريع، ينبغي أن يستند إلى المكتسبات المتراكمة منذ سنة 1995، من خلال إعطاء مسلسل برشلونة البعد الذي كان ينقصه، والمتمثل في الملاءمة المشتركة والشراكة المبنية والمرغوب فيها بين بلدان متساوية في الحقوق والمسؤوليات والمتطلبات.
ولاحظ أن الأفق الواضح الذي "أبانت عنه نقاشاتنا لا يترك مجالا للإحباط أو التخوف"، مضيفا أنه "يتحتم علينا جميعا مقاومة محاولة وضع بين قوسين الملفات السياسية التي تحدد مصداقية وانخراط مجتمعاتنا المدنية في هذا الورش الكبير للاتحاد الأورومتوسطي، وإن كان الأمر محض تكتيك أو حالة مؤقتة".
وفي سياق مواز قال "أفكر أولا في سلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين، مبني ومرغوب فيه من قبل الشعبين ولأجل البلدين معا، انطلاقا من الأخلاقيات والالتزامات والمتطلبات نفسها".
وأضاف "قيل أحيانا خلال هذا المنتدى إنه لا ينبغي أن يكون الاتحاد من أجل المتوسط رهينة للصراع بين الفلسطينيين والإسرائيليين. إن هذه النظرية خادعة وغير واقعية وتتناقض مع الأخلاقيات والقيم التي تحدد الأسس السياسية والإقليمية والتاريخية لهذا الاتحاد"، مشيرا إلى أن "مسلسل برشلونة، كما يجب أن لا ننسى، تولد من دينامية خلقتها قمة السلام في الشرق الأوسط التي اجتمعت سنة 1994 بالدار البيضاء".
واعتبر أزولاي أنه بجعله البحث عن سلام آخر بالشرق الأوسط أحد أهدافه الرئيسية، فإن الاتحاد من أجل المتوسط سيكون قويا وسيكسب على مستوى المشروعية ومن خلال إشراك عدد أكبر.
من جهته أكد جون بيير جوي، كاتب الدولة الفرنسي المكلف بالشؤون الأوروبية، أن "المغرب يضطلع بدور رئيسي في إطار مشروع الاتحاد من أجل المتوسط".
وقال جوي، في تصريح لوكالة المغرب العربي للأنباء إن المغرب "يعد شريكا استراتيجيا بالنسبة إلى الاتحاد الأوروبي، ويضطلع بدور رئيسي في إطار مشروع الاتحاد من أجل المتوسط"، مبرزا أن هذا الاتحاد "سيعطي دفعة للوضع المتقدم للمغرب في علاقته مع الاتحاد الأوروبي".
ومن ناحية أخرى، اعتبر جوي أن المغرب يعد أيضا "أحد البلدان التي يجب أن تكون في صلب اهتمام هذا الاتحاد بغية تحفيز الانسجام والتعاون". وأضاف "إننا مع بلدان المغرب العربي، يتعين علينا العمل معها من أجل تعاون أكبر، وتحقيق اندماج في ما بينها وتحديد مشاريع مشتركة، وفي هذا الصدد، آمل أن نجد المغاربة إلى جانبنا".
وكان جوي، اعتبر في كلمة له خلال الجلسة الختامية لأشغال منتدى باريس، أن الاتحاد من أجل المتوسط يكتسي طابعا استعجاليا "من أجل توفير إطار عمل ومنهجية عملية لإيجاد حلول مشتركة"، مضيفا أن الاتحاد الأوروبي ينخرط بشكل كامل في هذا المشروع.
وأوضح أن الأمر "يتعلق بالفعل بإطلاق مرحلة جديدة من التعاون بمنطقة المتوسط جرى استلهامها من مقاربة مؤسسي أوروبا: بناء اتحاد حول مشاريع ملموسة تفوق التعاون الموجود في المحاور الأربعة لمسلسل برشلونة".
وبعدما سجل أن الاتحاد من أجل المتوسط يعد امتدادا لمسلسل برشلونة، أوضح أن هذا المسلسل لم يجر استبداله، "إنما يتعلق الأمر بالرفع من مستواه وفق المضمون وسير العمل نفسيهما".
وأشار جوي إلى أنه ستعطى "دفعة سياسية قوية وجديدة على أعلى مستوى"، خلال القمة المقرر عقدها في 13 يوليوز، مبرزا أن هذه القمة التي ستعقد كل سنتين، ستفتح المجال أمام "شراكة حقيقية" بفضل اعتماد مبدأ المساواة في الأداء بين كافة الأعضاء".
وأكد أن "احترام هذا الالتزام هو الذي سيقودنا إلى اقتراح رئاسة مشتركة لبلد من الضفة الشمالية وآخر من الضفة الجنوبية"، معتبرا أن هذا المقترح "يعد أساسيا من أجل تجسيد بعد الشراكة الذي نأمل جميعا في إعطائه للمسلسل".
وعرف منتدى باريس، الذي يترأسه الفرنسي من أصل مغربي، ألبير مالي، مشاركة مسؤولين من عالمي السياسة والاقتصاد وخبراء وفاعلين جمعويين فرنسيين وأجانب، حاولوا على مدى ثلاثة أيام، وضع إطار لهذا الاتحاد المنشود.
وفي السياق ذاته، شدد سفير فرنسا المكلف بمشروع الاتحاد من أجل المتوسط، آلان لوروا، على الدور "الرائد والكبير" للمغرب داخل الاتحاد من أجل المتوسط.
وقال لوروا في تصريح لوكالة المغرب العربي، في ختام المنتدى الرابع لباريس، إن "للمغرب دورا رائدا وكبيرا داخل الاتحاد المتوسطي، إذ أن صاحب الجلالة الملك محمد السادس كان أول من أعرب عن دعمه القوي لهذا المشروع".
واعتبر آلان لوروا أن "المغرب يمكن أن يجذب بلدان الجنوب من أجل القيام باقتراحات مشتركة. فجميعنا على استعداد"، مضيفا أن "الوقت مناسب لوضع هذه الاقتراحات على الطاولة، وأنا على يقين أن المغرب سيقدم اقتراحاته قريبا جدا".
وحول القلق الذي ينتاب رؤساء المقاولات المغاربية التي لن يكون بإمكانها منافسة المجموعات الأوروبية الكبرى، كشف السفير الفرنسي المكلف بمشروع الاتحاد من أجل المتوسط، عن وجود مشروع "يراعي هذا القلق"، موضحا أن الأمر يتعلق بإحداث وكالة لتطوير المقاولات الصغرى والمتوسطة تشرف عليها فرنسا وإيطاليا وإسبانيا والمغرب، وتضطلع بمساعدة المقاولات الصغرى والمتوسطة الموجودة ببلدان جنوب المتوسط". وقال إن "هذه المقولات الصغرى والمتوسطة تنقصها الضمانات والتمويلات. ومن أجل ذلك سنحدث هذه الوكالة من أجل تمويل وتطوير وخلق مناصب شغل في الجنوب".
ومن جهتها، شددت اليزابيت غيغو وزيرة العمل الفرنسية سابقا، على الدور "الأساسي والمهم حتما" للمغرب داخل الاتحاد المتوسطي. وقالت إن "المغرب الشريك الأكثر أهمية بالنسبة إلى أوروبا. إنه البلد الذي استفاد أكثر من مسلسل برشلونة. وهو من سيجذب بلدان الجنوب لأنه أول من وثق في هذا المشروع"، داعية المغرب إلى "اتخاذ المبادرة لتجميع بلدان جنوب المتوسط التي لم تنضم بعد".
وحذرت غيغو من أنه "لايمكن لأي بلد بقي منعزلا أن يكون له وزن في أي حوار نريده متساويا على قدم المساواة مع الاتحاد الأوروبي. إن ذلك هو مايجب القيام به". وحول الخلاف القائم بين المغرب والجزائر حول قضية الصحراء، شددت غيغو على ضرورة "تجاوز هذا الخلاف". ولاحظت أن "ألمانيا وفرنسا دخلتا حربا لعدة عقود، سقط خلالها عشرات الملايين من القتلى. ومن حسن الحظ أن الجزائر والمغرب ليسا في هذه الوضعية". وأضافت أنه "لا يمكنني أن أتصور أنه لا يمكن التوصل إلى اتفاق حول قضية الصحراء".
وفي سياق متصل، أعرب فرانسوا هيسبورغ، رئيس المجلس الإداري للمعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية، عن أسفه من "الرد الجاف الذي تلقاه المغرب لدى دعوته أخيرا إلى فتح الحدود مع الجزائر، أن الأمر لا يشكل أولوية" بالنسبة إليها، مبرزا أن "الذهاب من الرباط إلى الجزائر العاصمة بالسيارة أضحى اليوم أصعب منه من برلين إلى وارسو إبان الجدار الحديدي" في أوروبا. وقال هيسبورغ، خلال الدورة الرابعة لمنتدى باريس، إن "التنقل بين الشمال والجنوب في الاتجاهين، أسهل منه بين الجنوب والجنوب".
يذكر أن هيسبورغ يعد من الخبراء الذين تجري استشارتهم في أغلب الأحيان بخصوص القضايا الجيوسياسية وتلك المتعلقة بالإرهاب، كما يعتبر خبيرا لدى مشروع "تعزيز الشراكة الشاملة" لمركز الدراسات الاستراتيجية والدولية الذي يوجد مقره بواشنطن.